حقيقة اتهام "حماس" لمعارضيها بالتخابر مع إسرائيل

حقيقة اتهام "حماس" لمعارضيها بالتخابر مع إسرائيل

حقيقة اتهام "حماس" لمعارضيها بالتخابر مع إسرائيل


15/10/2025

كأنّ أرض غزة لم تُروَ كفاية من الدم الفلسطيني، فأراق الفلسطينيون دماء بعضهم البعض، اشتباكات فلسطينية/ فلسطينية سقط فيها العشرات من عائلات وعشائر غزة، فقد قامت حركة حماس، تحت ذريعة "ضرورة الأمن المجتمعي"، بتنفيذ العديد من عمليات الاغتيال والإعدامات الميدانية على أيدي مجموعة "سهم" التابعة للأجهزة الأمنية الحمساوية.

هذه الاشتباكات والإعدامات الميدانية تُعقّد الوضع الحالي في غزة، فالحياة الصعبة ونتائج الحرب التي يعاني منها الشعب الفلسطيني أدت في النهاية إلى نفور بعض الأسر والعشائر من استمرار الوضع الحالي وبقاء حماس في السلطة وحكم الشعب بـ "قبضة حديدية"، كما أنّ الوضع المأساوي الذي تسببت فيه حماس لا يتحمل أيّ استعراض للقوة من قبل الحركة أو فرض وجودها بقوة السلاح، فالعشائر وهي من مكوّنات المجتمع الفلسطيني في غزة قد تردّ على الاعتداءات والإعدامات الميدانية لشبابها والاتهامات التي تطلقها حماس عليهم بمزيد من الاشتباكات، ممّا يؤدي إلى الاقتتال الداخلي واندلاع حرب أهلية في القطاع تكون نتائجها أسوأ من نتائج الحرب الإسرائيلية على غزة.

الانتقام من المعارضين

كانت العلاقة بين "حماس" وعشائر وعائلات وقبائل غزة مستقرة، ثم توترت أثناء الحرب على غزة، ومؤخرًا شهدت تصعيدًا كبيرًا من جانب حماس ضد بعض العائلات الغزاوية، فعقب إعلان وقف "الحرب على غزة"، وغياب الأمن وشيوع الفوضى وسقوط المؤسسات وتفككها، أعطى الفرصة لحماس لملاحقة معارضيها والانتقام منهم باعتبارهم "خارجين عن القانون" فقامت عناصر وحدة "سهم" الأمنية الحمساوية بمهاجمة بعض الأسر والعشائر، مثل عائلة دغمش والحمايدة، سقط فيها عشرات القتلى منهم نساء وأطفال. 

وقد نشرت صفحة "الجبهة الداخلية الفلسطينية" على (تليجرام) أنّه تم إلقاء القبض على عدد من العملاء والمتعاونين في مدينة غزة، بعد ثبوت تورطهم في التجسس لصالح العدو"، بالإضافة إلى "المشاركة في اغتيال عدد من عناصر المقاومة".

وردّ البعض أنّ اتهامات حماس للعائلات الفلسطينية بالتخابر مع إسرائيل أو حماية الخونة أو سارقي المساعدات هي ادعاءات باطلة، وأنّ السبب الرئيسي هو انتقام الحركة من العشائر والأسر لأنّهم قادوا المظاهرات ضد حماس.

الانتقام الحمساوي شمل عائلات شمال القطاع، وعشائر جنوب غزة، وعائلات في خان يونس وأخرى في دير البلح، وثالثة في الزوايدة وسط القطاع، كلّ هؤلاء خرجوا يطالبون حماس وقادتها بالتنحي عن الحكم، وهو ما ساعد على قلب الرأي العام ضد الحركة، فردّت حماس بالانتقام من معارضيها بالقتل والتشويه.

 حماس لا تعرف إلا قوانين الميليشيات

الإجراءات الانتقامية التي اتبعتها حركة حماس أثبتت أنّها حركة سرّية وميليشيا مسلحة، ولا تملك مقومات إدارة الدولة، فلم تتبع حماس الإجراءات القانونية المفترضة بصفتها حكومة القطاع مهمتها الأولى إقرار القانون، وإجبار المواطنين على التقاضي في المحاكم وقبول أحكام القضاء، بل اتبعت قواعد الميليشيات المسلحة، فعقدت ما يُسمّى بـ "محاكم ثورية" لبعض من اعتقلتهم من مناطق تعرّضت فيها قيادات الحركة وفصائل أخرى للقصف والاغتيال، وتم فعلياً إعدام بعضهم بعد اتهامهم بالتعاون مع إسرائيل.

أسباب مخاوف حماس من قوة العشائر 

تخشى حماس من تنامي قوة العشائر والعائلات، وأن تكون بديلًا لها في حكم القطاع أو شريكًا لها، لذا تحاول فرض سيطرتها بالقوة المسلحة، وعلاقة حماس بالعشائر علاقة ممتدة، وكان للعشائر والقبائل والعائلات وضع استثنائي وتمارس دورًا وسلطة وتعمل وفق القانون العرفي للعشائر. وتعاملت حماس معها وفق هذه المعطيات، واستفادت منها في فرض القوانين العرفية أثناء الانتفاضة الأولى عام 1987, واستمر الوضع حتى عام 2006.

وعندما تولت "حماس" إدارة غزة عام 2007 تغير كل شيء، فبقوة السلاح خاضت الحركة هجومًا مسلحًا ضد العشائر والعائلات والقبائل المعارضة لها، بعدها أبرمت معها اتفاقًا يقلل من سلطة المخاتير وإعادة هيكلة العشيرة وتكوين مجالس العائلات، وساعد هذا التغيير حماس لفرض سيطرتها على القطاع.

وبخطة ذكية جمعت "حماس" العشائر في غزة تحت مظلة لجنة تُسمّى "لجنة العشائر" كانت تعمل تحت سيطرة الحركة، ويجري أعضاء العائلات لقاءات وزيارات منتظمة وعلنية مع المسؤولين الحمساويين، وكان لتلك اللجنة صلاحيات قليلة منحتها إيّاها "حماس"، مثل تنظيم محاكم قبلية لحلّ النزاعات والحوادث العنيفة والتسويات المالية، وطوال (20) عاماً من حكم "حماس" لغزة كانت العلاقة بين الحركة والعشائر والعائلات والقبائل الفلسطينية مستقرة نسبيًا.

وعقب أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، توترت العلاقة بين العشائر وحماس على خلفية الوضع الحالي، وتزامن ذلك مع تراجع شعبية حماس، وهو ما زاد من مخاوف حماس أن تكون مجالس العشائر بديلًا لها.

ورغم أنّ العشائر لا تمثل بديلًا  لـ "حماس"، وأعلنت رفضها التعاون مع الجيش الإسرائيلي في 10 آذار (مارس) 2024، ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أصدر تجمع القبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية بيانًا أكدوا فيه أنّ القبائل ليست "بديلًا عن أيّ نظام سياسي فلسطيني"، وإنّما هي مكوّن من المكونات الوطنية و"داعم للمقاومة ويحمي الجبهة الداخلية" بمواجهة الاحتلال، وأنّ الوحدة الوطنية هي الطريق الوحيد للحفاظ على كينونة أهل غزة.

 إلا أنّ قادة الحركة يدركون جيدًا أنّ العشائر يمكن أن تكون بديلًا، وإن لم ينافسوها على السلطة فعلى الأقلّ هي قوة معارضة  تمثل مصدر إزعاج وتحدٍّ لهم، فخلال الحرب على غزة ظهرت العشائر أكثر انخراطًا في حل مشكلات الناس وتأمين المساعدات، ولولا نشاطها لاندلعت حرب أهلية في غزة ولمات الناس جوعًا بعدد أكبر، وفي ظل الحرب أيضًا حصلت العشائر على تسليح ذاتي لحماية عائلاتهم وبيوتهم من الفوضى الأمنية التي عمّت القطاع. ويدرك قادة حماس أيضًا أنّ النظام الاجتماعي في غزة وفلسطين يمنح السلطة لمن يملك القوة، ممّا يعني أنّ القبائل ربما تكون مصدر تهديد علني وواضح أمنيًا واجتماعيًا وسياسيًا، فعمدت إلى قتل القوة الصاعدة في مهدها.

الاتهامات للتشويه وإجهاض أيّ بديل للحركة

 لم تكن الاشتباكات والاغتيالات فقط هي وسيلة حماس لفرض سيطرتها على القطاع، بل استخدمت سلاح تشويه السمعة والتحطيم المعنوي لتجريدهم من الشرعية حتى لا تفكر العشائر أو المخاتير أن يكونوا البديل الجديد، لا الآن ولا في المستقبل، واختارت الحركة اتهام معارضيها بالتخابر، لأنّها تهمة سيئة السمعة ووصمة عار تلاحق أصحابها، يسهل إطلاقها ويصعب التبرئة منها شعبويًا، وعلى وجه الخصوص أنّ حماس هي امتداد فكري وتنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية، وتمتلك منصات إعلامية متعددة ووسائل اتصالات يمكنها فرض رأي عام يتهم هذه العشيرة أو تلك بأنّها تتخابر مع العدو الإسرائيلي أو تسرق المساعدات، وتظل التهمة تلاحقها لعقود طويلة.

رعونة حماس الداخل وشبح الحرب الأهلية 

ما أقدمت عليه حماس يُعدّ خطيرًا وضدّ سلامة المجتمع، ويمكن أن يؤدي إلى ردّ فعل من شباب العائلات ضد الحركة وتندلع حرب أهلية، يذوق ويلاتها البسطاء والشعب المسكين، ولا حلّ لهذه المعضلة إلا بوجود قوة أمنية مستقلة لا تتبع حماس ولا العشائر، تعمل على فرض الأمن وتعمل على إقرار القانون، والاحتكام للقضاء، وقبول أحكامه.  

 وفي ظل الواقع المعقد للوضع الحالي في غزة، قد يستغرق إنشاء مثل هذه القوة شهورًا أو أكثر، وهو ما يعني أنّ الوضع في غزة سيظل قابلًا للانفجار في أيّ لحظة ما لم يتدخل العقلاء لنزع فتيل الحرب الأهلية، وترشيد السلاح في يد حركة حماس، وإجبارها على احترام القانون والقضاء، وعدم السماح لها باتهام العائلات أو العشائر بأيّ تهمة ما لم يقم عليها دليل، وأن تكون التحقيقات بشفافية وحيادية قدر الإمكان، وإلّا فبرميل البارود يوشك على الانفجار.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية