حراك "طالعات" في فلسطين: وطن حر يعني امرأة حرة

فلسطين

حراك "طالعات" في فلسطين: وطن حر يعني امرأة حرة

مشاهدة

07/10/2019

في محاولة جادّة لمناهضة العنف ضدّ المرأة وقتل النساء، انطلقت مظاهرات نسوية في الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948، وفي عدة دول أوروبية، في 26 أيلول (سبتمبر) الماضي، للتنديد بالعنف الأسري والمجتمعي والتحرش الذي يمارس ضدّ النساء عبر حراك موحَّد أطلقن عليه اسم "طالعات"، تحت شعار "لا وجود لوطن حرّ إلا بنساء حرّات".

المسؤولية تقع على عاتق الجميع كالمسجد والمؤسسات الإعلامية والتعليمية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية للتوعية بمخاطر قتل النساء

وانطلقت المظاهرات في عدّة مناطق أبرزها حيفا، وعرّابة، ورام الله، ورفح في غزّة، إضافة إلى بيروت وبرلين، ورفعت المتظاهرات الشعارات والصور التي تندّد بقتل وتعنيف النساء، كما رددن هتافات تطالب بوقف كافة أشكال العنف الممارس على النساء الفلسطينيات في جميع أماكن تواجدهن ومعاقبة الجناة في كلّ الملفات والقضايا.

و"طالعات"؛ هو حراك تنظّمه مجموعة نساء فلسطينيات مستقلّات، يسعَين لبناء حراك نسويّ مستقلّ، شامل وجامع، للنضال ضدّ كلّ أشكال العنف الممارَس على المرأة الفلسطينية في أماكن تواجدها.

ووفق الدراسات والإحصاءات التي نشرتها "طالعات"؛ فإنّ 28 امرأة في فلسطين قُتلن منذ بداية العام الجاري، في حين حصد عام 2018 أرواح 35 امرأة.

اقرأ أيضاً: النيابة الفلسطينية تكشف سبب وفاة إسراء وتحيل المتهمين إلى القضاء

وأظهر مسح أجراه مركز "المرأة" للإرشاد القانوني والاجتماعي؛ أنّ حوالي 37% من النساء اللواتي سبق لهنّ الزواج تعرضن لأحد أشكال العنف من قبل أزواجهن بنسبة 29.9% في الضفة الغربية، مقابل 51.1% في قطاع غزة.

ووقّعت السلطة الفلسطينية، عام 2014، بروتوكل "سيداو"؛ الذي اعتُمد بواسطة الجمعية العامة للأمم المتحدة، عام 1979، والذي ينصّ للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، كما وقّع الجانب الفلسطيني القرار رقم (1325)، الذي نصّ على حماية النساء في مناطق النزاع وتحت الاحتلال.

 حراك تنظّمه مجموعة نساء فلسطينيات مستقلّات

وقرّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عام 2014، إلغاء المادة (340) من قانون العقوبات، التي كانت تعفي مرتكب الجريمة بداعي "الدفاع عن الشرف" بشكل كامل من المساءلة والعقاب، والمادتين (98، 99) من القانون نفسه، اللتين كانتا تعطيان الفرصة للقاتل للحصول على تخفيف العقوبة الصادرة بحقه.

اقرأ أيضاً: بأي ذنب قُتلت الشابة الفلسطينية إسراء غريب؟

وأجرت وزارة العدل الفلسطينية، بعد قضية مقتل الشابة إسراء غريب على يد أفرادٍ من عائلتها، في آب (أغسطس) الماضي، تعديلات على قانون العقوبات رقم (16) لعام 1960، بما يشمل تشديد العقوبات بحقّ المجرمين والمخالفين، مع ضمان مواءمتها مع الاتفاقيات الدولية، ومن أبرز هذه التعديلات؛ المساواة بين الرجل والمرأة، وضمان معاقبة مرتكبي الجرائم بداعي الشرف، وتجريم الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي للنساء والفتيات، وتجريم التحرش والعنف بجميع أشكاله.
وتشير إحصائيات رسمية أصدرتها الشرطة الفلسطينية إلى أنّ الضفة الغربية شهدت خلال العام 2018، وقوع 24 جريمة قتل، 12% منها ضدّ نساء على خلفية ما يسمى بـ "جرائم الشرف".

الضفة الغربية شهدت خلال العام 2018 وقوع 24 جريمة قتل 12% منها ضدّ نساء

حماية النساء من العنف
بدورها، تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة والمشاركة في حراك "طالعات"، عبير الهواري، لـ "حفريات": إنّ فكرة حراك "طالعات" ولدت في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بعد مقتل الفتاة يارا أيوب (16 عاماً) من قرية الجش في الجليل بالداخل المحتل، والتي عثر على جثتها ملقاة في إحدى حاويات القمامة وعليها آثار عنف، وقد تمّ توسيع الحراك ليشمل مظاهرات في عدة مدن فلسطينية وعربية وأوروبية، كما حصل مؤخراً.

اقرأ أيضاً: "إسراء غريب" تضعنا أمام المرآة
وتضيف: "الحراك يناضل من أجل أن يكون هذا المجتمع أكثر أمناً ويحقق المساواة بين الرجل والمرأة، ويقضي على جميع أنواع العنف الممارَس ضدّ النساء في جميع أماكن تواجدهن، وهذا ما دفع النساء في الأراضي الفلسطينية والداخل المحتل وفي الشتات للخروج إلى الشارع تحت شعار "لا وطن حرّ دون نساء حرّات" لمواجهة الترويع الذكوري داخل المجتمع، وحماية النساء ومعاقبة الجناة باعتبار ذلك أولوية وطنية".

غياب القوانين الرادعة
وأوضحت الهواري؛ أنّ "الحراك استطاع كسر الحواجز الجغرافية بين المدن الفلسطينية وصولاً إلى بعض الدول العربية والأجنبية لطرح قضية النساء المعنفات واللواتي يتعرضن للقتل على خلفيات متعددة أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي، لإصدار قوانين رادعة تجرّم وتعاقب المجرمين، كما حصل مؤخراً مع الفتاة إسراء غريب، والتي كشفت عجز السلطة الفلسطينية عن حماية النساء بداخل المجتمع".
وأشارت إلى أنّ "المجتمع الذكوري في الأراضي الفلسطينية أصبح ينظر إلى قتل وتعنيف النساء على أنّه جزء من الثقافة السائدة في المجتمع، وبقيت العائلة الفلسطينية، الكبيرة والصغيرة، تعطي الشرعية لأبنائها الذكور بأن يتصرفوا بعنف مع نسائهم وبناتهم، في ظلّ غياب القوانين التي تحميهنّ، وهو ما أدّى إلى انتشار ظاهرة تعنيف النساء وقتلهنّ تحت مسمّى جرائم الشرف".

 فكرة حراك "طالعات" ولدت في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي

تهميش المرأة وسلب حقوقها
من جانبها، تقول مديرة جمعية "نساء ضدّ العنف"، نائلة عواد إنّ "العنف ضدّ النساء، بكافة أشكاله وأسبابه، يشكّل خطراً كبيراً على حياتهنّ، في ظلّ وجود ثقافة العنف والقتل ضدّ النساء في المجتمعات الفلسطينية التي تغلب عليها الذكورية والأفكار النمطية، والتي تقوم على تهميش دور المرأة في المجتمع وسلب حقوقها المشروعة والاعتداء عليها، وممارسة كافة أساليب العنف ضدّ النساء، وصولاً لقتلهنّ من قبل عوائلهنّ، وتتمّ عنونة هذه الجرائم بمسمّى "جرائم الشرف"، إلا أنّ النساء يُقتلن ويعنَّفن في المجتمع؛ لأنّ جريمتهنّ أنهنّ ولدن نساء".

اقرأ أيضاً: لا شرف في "جرائم الشرف"
وتضيف عواد لـ "حفريات": "العنف والقتل اللذان تتعرض لهما النساء يهدّدان بتفكك النسيج الاجتماعي، في ظلّ تهرّب السلطة الفلسطينية من إصدار القوانين التي من شأنها حماية النساء المعنفات، والتي لم يتم البت فيها لإقرارها داخل المحاكم الفلسطينية لأسباب سياسية"، مبينةً أنّه "لا بدّ من الإسراع في إقرار قانون حماية الأسرة من العنف، لتتمّ معاقبة الجناة والمجرمين على الجرائم التي يرتكبونها بحقّ النساء داخل المجتمع الفلسطيني ووأد هذه الظاهرة في مهدها".
وأوضحت: "النساء الفلسطينيات، في ظلّ غياب قوانين حماية الأسرة، لن يجدن مَن يساندهنّ ويدعم حقوقهنّ، ويكشف العنف الذي يقع بحقهن، وبالتالي عدم قدرة النساء المعنفات على البوح بمشاكلهنّ والعنف الذي يمارَس ضدهنّ، وبالتالي إعطاء الفرصة للرجل لممارسة العنف اتجاههنّ، وهو الأمر الذي قد يتسبب بلجوء هؤلاء النساء نحو الانتحار لعدم مقدرتهنّ على تحمّل الواقع المرير الذي يعِشن فيه". 

أزمة خطيرة
مديرة مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي بالخليل، أمل جعبة، تقول لـ "حفريات": "هناك أزمة خطيرة تتعرض لها الأسرة الفلسطينية في المجتمع، والتي نتج عنها تزايد معدلات العنف الأسري الموجَّه ضدّ النساء، حتى باتت الأراضي الفلسطينية من المناطق الأعلى دولياً في معدلات العنف الأسري، في ظلّ غياب القوانين الفلسطينية التي تتكفّل بحفظ حقوق المرأة وحمايتها، وتحقيق المساواة بينها وبين الرجل، ورفع مكانتها وتسهيل أمور حياتها".

الفكر الذكوري في الأراضي الفلسطيني أصبح ينظر إلى قتل وتعنيف النساء على أنّه جزء من الثقافة السائدة في المجتمع

وأكدت أنّ "العنف الممارس ضدّ النساء الفلسطينيات بات ظاهرة خطيرة في المجتمع الفلسطيني، خاصة قضايا القتل منها، التي باتت تهدّد المجتمع بأكمله، والتي تتم تحت مسمّى "جرائم الشرف"؛ حيث شهدت الأراضي الفلسطينية مقتل 18 امرأة، منذ بداية العام 2019 حتى اللحظة، ومن بينها 14 امرأة في الضفة الغربية، و4 سيدات أخريات في قطاع غزة".
وأشارت إلى أنّ "القوانين الفلسطينية المتعلقة بحماية الأسرة قد تحتاج لفترات طويلة لتطبيقها على أرض الواقع، في ظلّ غياب المجلس التشريعي وتعطيله، نتيجة الانقسام الفلسطيني الداخلي، وحاجة هذه القوانين إلى خطط وسياسات وموازنات وكوادر بشرية، وعدم توفر هذه الاحتياجات سيجعل أيّ قانون فلسطيني حبراً على ورق، وما يدلّل على ذلك؛ بقاء العديد من القوانين الفلسطينية، كقانون العقوبات وغيره، دون أن يتمّ العمل فيها حتى اللحظة، بعد أن جرى تقديمها لمجلس الوزراء الفلسطيني للمصادقة عليها".

وعن كيفية دعم النساء المعنَّفات في داخل المجتمع الفلسطيني، بيّنت جعبة؛ أنّ "المسؤولية تقع على عاتق الجميع، كالمسجد والمؤسسات الإعلامية والتعليمية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، للتوعية بمخاطر هذه الظاهرة، وخلق ثقافة عامة تجرّم مرتكبي العنف، والعمل على إصدار قانون رادع لحماية الأسرة، يعمل على تقديم العلاج النفسي والقانوني والاجتماعي لتلك القضية الشائكة".

الصفحة الرئيسية