حذف الخرطوم من قائمة الإرهاب: هل يخرج السودان حقاً من نفقه المظلم؟

السودان

حذف الخرطوم من قائمة الإرهاب: هل يخرج السودان حقاً من نفقه المظلم؟

مشاهدة

27/11/2018

عانى السودان، لعقود طويلة، من نتائج السياسات التي عاشها بعد انقلاب عام 1989، وإعلان حكومة شديدة العداء للداخل والخارج، وتسخير مقدرات البلاد ومواردها البشرية والطبيعية في سبيل "حرب أهلية".

اقرأ أيضاً: جون قرنق.. قربان جنوب السودان لم يمنع الخراب

ومُذ ذاك الحين، وحتى اللحظة الماثلة، عمّ الفقر والجوع والموت والهجرة والفساد أرض السودان، وأحالها خراباً مديداً، تلك الأرض التي كانت قبل انقلاب عام 1989، أرضاً مخضرّة تغازل البصر وتجلو البصيرة، تفوح رائحة العشب الزكيّة منها لتتوغّل في الروح، فتجعلها أكثر رقة وشفافية، فكانت المزارع مزهوة بالخضرة، فياضة بالثمرات.

وضع السودان على قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، عام 1997، إبان عهد كلينتون

ولعلّ أكثر ما أثّر في حياة السودانيين؛ كانت تلك العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية على السودان، بوضعه على قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، عام 1997، إبان عهد الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، وما تزال سارية رغم تخفيفها إلى حدٍّ ما. 

رفع الحظر بشروط

أصدرت الولايات المتحدة، مؤخراً، بياناً عبر سفارتها في الخرطوم، نشرته الصحف السودانية، بتاريخ الأربعاء 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، أعلنت فيه استعدادها لحذف اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفق شروط محددة وواجبة التنفيذ، أطلق عليها البيان اسم "المرحلة الثانية من الحوار بين واشنطن والخرطوم"، من أهم بنودها: إيقاف الأعمال العدائية الداخلية مع (المتمردين) بهدف خلق بيئة مواتية لإنجاز عملية سلام كاملة ونهائية، ومعالجة بعض الأمور العالقة فيما يتعلق بدعم الإرهاب، والالتزام بقرارات مجلس الأمن فيما يتعلق بكوريا الشمالية.

أكّد البيان أنّ التزام السودان بتحقيق المرحلة الثانية سيجعل آلية الحوار بين البلدين أكثر مرونة

وأكّد بيان السفارة الأمريكية أنّ التزام السودان بتحقيق المرحلة الثانية من شأنه جعل العلاقة بين البلدين أكثر إيجابية مما كانت عليه منذ 30 عاماً خلت، ما سيجعل آلية الحوار بينهما أكثر مرونة، وفرص التعاون قابلة للتحقق، وأنّ السودان أحرز تقدماً ملحوظاً في المجالات الستة التي تمثل مركز الحوار المشترك بينها، خاصة فيما يتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال.

خطوات رفع العقوبات تتقدم إلى الأمام

الشروط الستة

في حديثه لــ "حفريات"؛ أشار الخبير الاقتصادي، خالد محيي الدين، في سياق البيان الأمريكي: إلى أنّ "خطوات رفع العقوبات تتقدم إلى الأمام، جنباً إلى جنب، مع خطوات حذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولن تتقدم هذه على تلك قيد شبر"، بحسب تعبيره.

السفارة الأمريكية بالخرطوم: التزام السودان بتنفيذ الشروط سيجعل العلاقة بين البلدين أكثر إيجابية مما كنت عليه منذ 30 عاماً

وأكّد محيي الدين، أنّه لن يكون هناك رفع نهائي  للعقوبات، ولا لاسم البلاد من قائمة رعاية الإرهاب، دون التنفيذ الدقيق والكامل للشروط الستة، المتمثلة في: توسيع التعاون في مكافحة الإرهاب، تعزيز حماية حقوق الإنسان وممارساتها، بما في ذلك حرية الدين والصحافة، وتحسين وصول المساعدات الإنسانية، ووقف الأعمال العدائية الداخلية وخلق بيئة أكثر مناسبة للتقدم في عملية السلام، واتخاذ خطوات واضحة لمعالجة بعض الأعمال الإرهابية البارزة، والالتزام بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المتعلقة بشأن كوريا الشمالية.

اقرأ أيضاً: الإنتربول يفكّك شبكة اتجار بالبشر في السودان

ورأى محيي الدين أنّ إدراج السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، حال دون حصول الخرطوم على مساعدات اقتصادية من المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، علاوة على فرض  حظر على وارداته من السلع التي لها استخدامات متعدّدة، خاصّة في المجالات العسكرية، الأمر الذي أضعف اقتصاد البلاد، وقد زاد الأمر سوءاً؛ انتشار الفساد المالي والإداري المؤسسي إلى حدّ مخيف ومروّع، وكانت نتيجة ذلك أن وصل معدل التضخم إلى 68%، في أيلول (سبتمبر) الماضي، كما فشلت حكومة معتز موسى الجديدة، حتى الآن، في جذب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، التي قدّرتها بنحو 6 مليارات دولار سنوياً، لفقدانهم الثقة في الجهاز المصرفي، وخشيتهم من أن يفقدوا أموالهم في ظلّ الفساد المستشري.

محيي الدين: إدارج السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب حال دون حصوله على مساعدات من البنك الدولي

ويتابع خالد محيي الدين قائلاً: "لا أتوقع حدوث انفراجة اقتصادية، حتى إن رفعت الولايات المتحدة العقوبات توّاً وفي الحال، فما لم تتوفر الإرادة السياسية الكافية للقضاء على الفساد، وإتاحة الحريات السياسية، وفتح الوظائف العامة لذوي الكفاءات والخبرات، وإعادة الثقة في النظام المصرفي، وتحفيز الاستتثمار والإنتاج، فإنه لن يحدث شيء مفيد الآن، ولا في المستقبل المنظور.

السودان يمكن أن يحقق نسبة نموّ اقتصادي تبلغ 10% في غضون أعوام قليلة

تفاؤل حذر

من جهته، عدّ المحلل السياسي، حامد نورين، سعي رئيس الوزراء السوداني، معتز موسى، إلى إجراء إصلاحات اقتصادية بالتزامن مع الخطوات الأمريكية المعتبرة لرفع الحظر الاقتصادي عن السودان، وتنحيته عن قائمة رعاية الإرهاب، وهذا في حدّ ذاته يمثل قاعدة ذات أوتاد، بحسب نورين، لتحفيز الاقتصاد والخروج به من عنق الزجاجة، ويعطي أملاً بإمكانية انتشال البلد من وضعه المُزري الراهن.

نورين: إجراء إصلاحات اقتصادية بالتزامن مع الخطوات الأمريكية لرفع الحظر عن السودان يمثل قاعدة لتحفيز الاقتصاد والخروج من عنق الزجاجة

ويضيف نورين، في حديثه لـ "حفريات": "بالنسبة إليّ؛ أثق في قدرتنا وإمكانياتنا في تغيير هذا الواقع إلى الأفضل في أعوام قليلة، فقط ينبغي أن تتحلى الحكومة بالجدية والإرادة اللازمتين للمضيّ قدماً في الإصلاحات، وأن تراعي مصلحة مواطنيها".

يستطرد نورين: "واقع الحال؛ أنّه إذا ما تم التوصل لاتفاق سلام مع الحركات المسلحة والمعارضة السياسية، وأقرّت الحكومة دولة مدنية، بعيدة عن الشعارات المزيفة، ومضت في مكافحة الفساد وتنفيذ الشروط الستة بصدق وإخلاص، فإنّ وعد رئيس الوزراء بأنّ السودان يمكن أن يحقق نسبة نموّ اقتصادي تبلغ 10% في غضون أعوام قليلة، سيصبح أمراً ممكناً، دون ذلك فـ "كأنك يا أبوزيد ما غزيت""، على حدّ تعبيره.

فلاش باك

قبل عام من الآن، أشعلت وسائل الإعلام السودانية الرسمية وشبه الرسمية مشاعل الفرح، وقرعت طبوله، احتفاء بما أسمته حينها رفع العقوبات عن السودان بصورة نهائية، وبشّرت المواطنين الفقراء والمُنهكين بأعوام خضر بعد عقود (يابسات)، ووصل الأمر بوزير الدولة للصناعة حينها، عبده داوود، بأن بشّر بانتهاء أزمة التحويلات المالية، واندماج وتكامل الاقتصاد السودان تماماً مع الاقتصاد العالمي، وبأنّ الحظر سيرفع نهائياً مع نهاية عام 2017، وذلك في ندوة حضرها في جامعة "أم درمان الإسلامية"، تحت عنوان "المتطلبات السياسية والاقتصادية لمرحلة ما بعد رفع العقوبات الأمريكية".

اقرأ أيضاً: السودان..هل ينجح البشير في معالجة أزمة الاقتصاد؟

في المقابل، وفي الندوة ذاتها؛ حذّر أستاذ العلوم السياسية، صلاح الدومة، الحكومة السودانية من مغبّة خداع المواطنين بحدوث انفراج اقتصادي جرّاء الرفع الجزئي للعقوبات، وأوضح أنّ الانفراج الاقتصادي لن يحدث بسبب رفع العقوبات، مشيراً إلى أنّه لا جود لأثر إيجابي سيحدث حال رفع العقوبات، في ظلّ وجود العقليات التي تسببت بتلك العقوبات، إلى جانب انتشار الفساد المالي والإداري وغياب الإرادة السياسية اللازمة للقضاء عليه.

اقرأ أيضاً: في تحزيب المجتمع وتطييف السياسة.. السودان نموذجاً

الآن، الجميع بالسودان، ينتظر ما ستكشف عنه قادمات الأيام، فهل ستعود رائحة العشب الزكيّة لتتوغل في الروح مجدداً، وتمنح الأجساد المنهكة طاقة للعمل وحبّ الوطن؟ وهل سيعود السودانيون من شتاتهم المديد إلى وطنهم الغني/ الفقير؛ ليبذروا حقوله قمحاً و(وعداً وأمنيات)، ويركضون في مناكبه كالخيول الجامحة يشمون ترابه بأنفاسٍ توّاقة لملء أمعاء أطفالهم المتهدجة وجعاً جراء الجوع؟ أم ستستمر حكومتهم، ذات الثلاثين (خريفاً) قاسياً، في اجتراح فخاخ جديدة تضعها في ذات الطريق الوعر؟

الصفحة الرئيسية