"جيل" الحظ العاثر في الجزائر: أبناء "جهاديي" الجبال

"جيل" الحظ العاثر في الجزائر: أبناء "جهاديي" الجبال

مشاهدة

28/10/2018

دالية غانم - يزبك

احتفلت الجزائر أخيراً بذكرى إقرار ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. وضعت الوثيقة، التي أُقِرّت في 29 أيلول (سبتمبر) 2005، حداً للحرب الأهلية في البلاد («الفتنة الكبرى» التي ضربت الجزائر)، وسعت إلى» تجاوز نهائي لهذه المأساة الوطنية».

أفسح الميثاق المجال أمام تسريح 15,000 مقاتل سابق وإعادة دمجهم في المجتمع، موفراً لهم إمكان المضي قدماً بحياتهم بعد تخلّيهم عن النشاط الجهادي. لقد تمكّنت سياسات المصالحة التي وضعتها الحكومة، من تحقيق الكثير، لكنها فشلت في معالجة مصير الأطفال الذين أبصروا النور في مخابئ المتمردين الجهاديين في الجزائر. وبعد ثلاثة عشر عاماً على إقرار ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، وعلى رغم أن هناك أولاداً حصلوا على الاعتراف القانوني، إلا أنه لا يزال مئات آخرون محرومين من الاعتراف القانوني بهم ومن التعليم، ولا مستقبل لهم في مجتمع يبدو أنه ألقى بهم في غياهب النسيان. وواقع الحال هو أن الدولة والمجتمع في الجزائر يعتبران أن الموضوع المتعلق بأطفال الجهاديين يندرج في إطار المحرّمات.

خلال النزاع، أبصر هؤلاء الأطفال النور على أثر زيجاتٍ تمت بالتراضي لكنها تُعتبَر باطلة، فقد أُبرِمت عقود الزواج عبر الاكتفاء بقراءة الفاتحة، أو ولدوا في ظروفٍ متأتّية عن زواج تمّ بالإكراه أو عن اغتصاب. يصعب تحديد الأرقام الدقيقة، لكن مروان عزي، رئيس خلية المساعدة القضائية لتطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، يقول إن عدد الأطفال المولودين في الملاذات يبلغ نحو 500.

إلا أن من شبه المؤكد أن هذا الرقم أدنى من العدد الحقيقي، فعددٌ كبير من الأطفال لم يُسجّلهم أهلهم أو تعترف بهم الدولة، وبعضهم فقدَ والده أو والدته أو الاثنَين معاً، في حين لم تتسنَّ لآخرين فرصة معرفة والدَيهم. غير أن قسماً آخر من الأولاد تبِع أهله الذين قبِلوا بسياسة التسريح التي وضعتها الحكومة وأُدمِجوا في المجتمع. ليس لهؤلاء الأولاد وجودٌ قانوني، فأسماؤهم غير واردة في السجلات المدنية الجزائرية. ولكي يحصلوا على الاعتراف من الجهات المدنية، يجب أن يصبح زواج أهلهم قانونياً، لكن في حالات كثيرة، تعتبر السلطات هذه الزيجات لاغية وباطلة. آلية الاعتراف لا بد منها بغية الاعتراف بشرعية أبوّتهم، ولا يمكن تقنين الزواج إلا بحضور الوالدَين على أن يقوم شاهدان بتأكيد حدوث عقد القران، ففي هذه الحالة فقط، يجوز للقاضي أن يُصدر أمراً بقبول زواج الطرفين، ويمنح إذناً بتسجيل الولد. وعند إتمام هذه الإجراءات، يمكن الاستحصال على ما يُعرَف بالدفتر العائلي.

بيد أن هذه الإجراءات شاقّة، ولا سيما بالنسبة إلى النساء اللواتي تعرّضن للاغتصاب، والأرامل اللواتي يعجزن عن تقديم الإثبات على أبوّة أولادهن. وفي هذا الإطار، لم يؤمّن القانون ولا الميثاق آلية عملية لإزاحة هذه المعضلة عن كاهل العائلات والأولاد. في عام 2008، تعهّدت وزارة التضامن الوطني بتحديد هوية الأولاد من طريق اختبارات الحمض النووي، وجرى إعداد مشروع قانون بهذا الخصوص. إنما انقضى عقدٌ من الزمن من دون أن يتحقق أي شيء على الإطلاق.

العنف المؤسسي ضد هؤلاء الأولاد عميق الجذور، فهم محرومون من حق أساسي من حقوق الإنسان، ألا وهو الحق في التعليم. وفي عام 2006، قطع وزير التربية آنذاك أبو بكر بن بوزيد، تعهداً بتأمين خطة تعليمية وعلاج نفسي لنحو 600 طفل أبصروا النور في المخابئ. وتم توقيع اتفاق مع وزارة التضامن الوطني لتسجيلهم جميعاً في المدرسة. لكن على رغم هذه الجهود لا يزال مئات الأولاد محرومين من مقاعد الدراسة بسبب عدم حصولهم على الوضع القانوني، الأمر الذي يُلقي بمزيد من التعقيدات على مسألة اندماجهم الاجتماعي.

يتحمّل الأولاد، إلى جانب التمييز المؤسسي أعباء نفسية أيضاً، فنظراً إلى البيئة الصعبة التي ولدوا ونشأوا فيها، وإلى تجربتهم المباشرة مع العنف، يعاني كثرٌ بينهم من ميول انتحارية، واضطرابات سايكولوجية ونفسية- عضوية، ومن متلازمة الصدمة، والسلوك المعادي للمجتمع. وتزداد الأمور سوءاً بسبب الوصمة الاجتماعية التي تُلصَق بهم على ضوء الخلفية التي يتحدّرون منها وكونهم مولودين من جهاديين، ولذلك غالباً ما يتعرضون إلى الملامة بسبب ممارسات أهلهم. ونتيجةً لهذه المعاملة، يواجه الأولاد باستمرار مزيجاً من الرفض والعزل.

ثمة حاجة إلى احتضان هؤلاء الأولاد في بيئة اجتماعية وعلاجية تؤمّن لهم الحماية، حيث يمكنهم الحصول على المساعدة من مهنيين متخصصين على الصعيدَين الاجتماعي والطبي. ومن الأهمية بمكان الإقدام على هذه الخطوة بغية تجنُّب إعادة إنتاج العنف الشديد الذي وُلِدوا ونشأوا في وُسطه. وفي الوقت نفسه، يجب دمجهم في المجتمع، ما يتطلب من السلطات الجزائرية الاعتراف قانونياً بوجودهم وحاجتهم إلى المساعدة. وحين نتذكّر في هذا الإطار أن آلاف الأولاد في العراق وسورية انضووا تحت لواء تنظيم «داعش»، يصبح من الضروري إفساح المجال أمام أولاد الجهاديين الجزائريين السابقين ليعيشوا حياة طبيعية.

* عن موقع "ديوان" التابع لـ "مركز كارنيغي للشرق الأوسط"

الصفحة الرئيسية