جير بيدرسون: هل يستطيع الرجل المكلّف بأصعب عمل في العالم أن يُنقذ سوريا؟

جير بيدرسون: هل يستطيع الرجل المكلّف بأصعب عمل في العالم أن يُنقذ سوريا؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
21/02/2019

ترجمة: مدني قصري


يتعيّن على المبعوث الأممي الجديد إلى سوريا، جير بيدرسون، وهو دبلوماسي نرويجي، أن يحاول استئناف محادثات السلام، في مهمّة صعبة بعد ثمانية أعوام من الحرب التي كشفت عن عجز الأمم المتحدة عن العمل.

اقرأ أيضاً: القوات الكردية: داعش غيّر أساليب قتاله في سوريا
جير بيدرسون؛ هو الوسيط الرابع للأمم المتحدة منذ بداية الصراع السوري، عام 2011، وقد تخلّى أسلافه الدبلوماسيون المخضرمون، جميعهم عن مهمتهم؛ حيث قال أوّلهم، كوفي عنان، "مهمة مستحيلة"، أمّا آخرهم، ستافان دي ميستورا، فقد تأسّف لـ "ما لم يكن من الممكن تحقيقه".
الأكثر صعوبة في العالم
تولّى المبعوث الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة لسوريا، السيد جير بيدرسون (Geir Pedersen)، مهامه الدبلوماسية، في 8 كانون الثاني (يناير) 2018، وقام بأوّل رحلة له إلى دمشق، في الفترة من 14 إلى 17 من الشهر نفسه، في محاولة لإحياء عملية السلام في سوريا.
يتساءل المحللون السياسيون في العالم: كيف يمكن لهذا الدبلوماسي النرويجي أن ينجح في استئناف محادثات سلام محتضّرة، في بلد يتخبط في حالة حرب منذ ثمانية أعوام؛ حيث فشل أسلافه الثلاثة السابقون؟ فيما يلي محاولة لفكّ شفرة مهمّة تعدّ "الأكثر صعوبة في العالم".
بيدرسون؛ هو مبعوث الأمم المتحدة الرابع لسوريا منذ عام 2011

الحرب في سوريا
جير بيدرسون؛ هو مبعوث الأمم المتحدة الرابع إلى سوريا، منذ اندلاع الحرب الأهلية، عام 2011، الصراع السوري الذي اندلع في سياق الربيع العربي بمظاهرات ضدّ نظام بشار الأسد، مرّ بمراحل عديدة؛ فمع تصاعد العنف، وقمع النظام، سرعان ما تحوّلت الثورة السلميّة إلى حرب أهلية بين الحكومة والمعارضة التي انقسمت إلى العديد من الفصائل.

تخلّي أوباما عن تدخّل عسكري في سوريا
وبعد عامين من بدء الاحتجاحات، تمّ اتهام دمشق باستخدام أسلحة كيماوية ضدّ سكانها في شرق الغوطة، في نيسان (أبريل) 2013، ووفق المعارضة؛ فقد تسبّب هذا في مقتل 1300 سوري، سيما المدنيّين، فإذا كان باراك أوباما قد حذّر قبل ذلك بعام من أنّ استخدام الأسلحة غير التقليدية ضدّ التمرّد؛ هو "الخط الأحمر" الذي لا يجوز تجاوزه، فقد تخلى الرئيس الأمريكي في النهاية عن تدخّل عسكري في سوريا.

يتساءل محللون سياسيون: كيف يمكن لبيدرسون أن ينجح في مهمته، ببلد يتخبط في حالة حرب منذ ثمانية أعوام؟

لقد خرج بشار الأسد قوياً من هذا التراجع الأمريكي، وتواصلت الهجمات بالأسلحة الكيميائية في سوريا، ووفق المنظمات غير الحكومية، الطبيّة والإنسانية، الموجودة بعين المكان، فقد أودت هذه الهجمات بحياة ما يقرب من 2000 شخص، وإصابة عدة آلاف من الجرحى، بين آذار (مارس) 2011، وحزيران (يونيو) 2017.
من ناحية أخرى؛ في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2014؛ سيطر تنظيم داعش الإرهابي على مدن شمال وشرق البلاد، بينما استمر السوريون في الفرار من بلادهم بالملايين، خاصة إلى أوروبا ولبنان والأردن، وفي هذا السياق؛ قررت روسيا التدخل عسكريّاً في سوريا، في أيلول (سبتمبر) 2015، لدعم حليفها السوري، فإذا كان لدى موسكو العديد من المصالح الإستراتيجية والاقتصادية في سوريا، فإنّ هذا الدعم يفسَّر أيضاً من خلال العلاقات التاريخية بين البلدين، فضلاً عن العدد الكبير جداً من السوريين الأرثوذكس، المقربين من بطريرك موسكو.

اقرأ أيضاً: من سيحمي أكراد سوريا من أردوغان؟
كان هذا الدعم الروسي بمثابة نقطة تحوّل في الحرب، وهكذا تمكّن النظام السوري من استعادة معظم الأراضي المفقودة، وقد تزايدت الدعوات من قبل المجتمع الدولي لإنهاء الصراع في سوريا، ومع ذلك، في نيسان (إبريل) 2017، اتّهِمت دمشق مرّة أخرى باستخدام الأسلحة الكيماوية في خان شيخون، ممّا أدى إلى التدخل العسكري المشترك للولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017؛ أدّت استعادة الرقة من داعش، وإعلان الرئيس ترامب، في 20 كانون الأول (ديسمبر) 2018، انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، إلى ظهور فكرة نهاية الحرب الوشيكة.

عجز الأمم المتحدة
رغم الانتهاكات ضدّ حقوق الإنسان في سوريا، لم تتوصّل الأمم المتحدة إلى أيّ اتفاق حول مخرجٍ سياسي متفاوَض عليه لهذه الحرب، كما يشهد على ذلك فشل المبادرتين المتنافستين: عملية أستانا بقيادة روسيا وتركيا وإيران، وعملية جنيف التي بادر بها الغربيون، فالمنظمة مشلولة بموجب الحقّ الذي تستخدمه روسيا على الحرب السورية، "إنّ الوضع الحالي للصراع في سوريا يُظهر الهزيمة الكاملة للأمم المتحدة على النحو الذي يعدّ به الغربيون هذه المنظمة، أنّها أداة في أيديهم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991"، على حدّ تعبير فابريس بالانش، أخصائي سوريا.

فابريس بالانش: ترامب واقعي، لا يريد التورط في سوريا، إنه يفضل الذهاب بعد الانتصار على داعش

إضافة إلى ذلك؛ فقد تراجع وسطاء الأمم المتحدة في سوريا عن مهامهم؛ فقد أخفق الوسطاء الثلاثة السابقون لجير بيدرسون في صنع السلام في سوريا، ستيفان دي ميستورا، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وكوفي عنان، والدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، فجميعهم تخلوا عن مهامهم بسبب عدم التوصل إلى حلّ سياسي، رغم قضاء عدة أعوام في الدبلوماسية العنيدة، في آب (أغسطس) 2012؛ استقال كوفي عنان في البداية كوسيط بعد ستة أشهر من الجهود غير الناجحة، واصفاً عمله بـ "المهمة المستحيلة".

اقرأ أيضاً: هل سهّلت حركة النهضة سفر تونسيين متطرفين للقتال في سوريا؟

في بداية عام 2014؛ أدى فشل أوّل مفاوضات وجهاً لوجه بين الحكومة السورية والمعارضة في جنيف، إلى تخلي وزير الخارجية الجزائري السابق، الأخضر الإبراهيمي، عن دوره كمبعوث خاص للأمم المتحدة؛ فقد أكّد الإبراهيمي في مقابلة مع صحيفة الغارديان: "لم يسعني أن أفعل شيئاً، وكان هذا هو السبيل الوحيد أمامي للاحتجاج على عدم اهتمام المجتمع الدولي الكامل بالوضع في سوريا"، وحتى آخر وسيط "المتفائل الدؤوب" ستيفان دي ميستورا، أعلن أيضاً استقالته، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بعد فشل المفاوضات الجديدة بين دمشق وجماعات المعارضة، فإذا كان قد أعلن مغادرة مهنته "لأسباب شخصية"، فإنّ انسحابه يبدو أشبه باعتراف جديد بعجز المنظمة متعدّدة الأطراف.

تقوم الأمم المتحدة بالمراهنة على جير بيدرسون

"دبلوماسي كبير"
إذاً؛ هذا رهانٌ جديد تقوم به الأمم المتحدة بالمراهنة على جير بيدرسون، لإحلال السلام في سوريا؛ "سيقوم السيد بيدرسون بدعم ومساندة الأطراف السورية، عن طريق تسهيل التوصل إلى حلّ سياسي كامل وذي مصداقية قادرة على تلبية طموحات الشعب السوري"، هذا ما صرّح به الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريس، عندما أعلن أمام مجلس الأمن عزمه تعيين الدبلوماسي النرويجي.

اقرأ أيضاً: سوريا... من "داعش" إلى "حراس الدين"
جير بيدرسون، البالغ من العمر 63 عاماً، يعدّ "دبلوماسياً كبيراً"؛ هذا السفير السابق للنرويج في الصين، على دراية كاملة بنظام الأمم المتحدة، كان هذا الممثل الخاص للأمم المتحدة في لبنان (2005-2008)، والممثل الدائم للنرويج لدى الأمم المتحدة حتى عام2017، وكان جير بيدرسون أيضاً عضواً في الفريق النرويجي في المفاوضات السرية التي أدت إلى التوقيع التاريخي لاتفاقيات أوسلو (عام 1993)(8)، "لدى النرويج صحافة جيدة في دمشق، ولها سجل حافل في الشرق الأوسط، قد يكون الحياد والوسائل المالية لهذا البلد مفيداً للوسيط الجديد" يقول فابريس بالانش.
مهمة صعبة وغير مضمونة
رغم مساره الماهر، وخبرته في منطقة معقدة مثل الشرق الأوسط، سيكون على جيير بيدرسون العمل في واحدة من أكثر المسارح الدبلوماسية تحدياً في القرن الواحد والعشرين، إذا كان التكليف الرئيس للمبعوث الخاص قائم على فتح حوار بين مختلف أطراف الصراع، فإنّ المهمة صعبة في حالة النزاع السوري الذي تتورط فيه العديد من الدول، سواء كانت جهات فاعلة إقليمية (المملكة العربية السعودية، إيران، تركيا، قطر)، أو قوى دولية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين)، وعلاوة على ذلك؛ فإنّ إعلان انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، والانتصارات العسكرية لدمشق وحلفائها على المعارضة، وفشل مشروع اللجنة الدستورية، جميعها سوف تشوّه سمعة الغرب والأمم المتحدة في حلّ النزاعات.

اقرأ أيضاً: الجبير يكشف مشاورات عربية بشأن سوريا
في الآونة الأخيرة؛ صرحّ معارضو بشار الأسد أيضاً بأنّ تغيير مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا لن يكون له تأثير كبير في مصير البلاد.
مع تعثر اتفاق جنيف، سيكون على جير بيدرسون مضاعفة جهوده

نحو نهاية الصراع السوري؟
مع تعثر اتفاق جنيف، سيكون على جير بيدرسون مضاعفة جهوده لإعادة الأمم المتحدة إلى مركز اللعبة الدبلوماسية، ومحاولة احتواء المستنقع السوري، وفي هذا الصدد، يقول فابريس بالانش: "أخيراً، فإنّ الوسيط الجديد محظوظ جداً؛ لأنه يقترب من نهاية الصراع، وستكون مهمته أسهل"، الإعلان عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا يعزّز نظام دمشق، الذي يُظهر نيّته في استعادة كلّ أراضيه.

اقرأ أيضاً: إيران تكشف توقيع 11 اتفاقية مع سوريا.. ما هي؟
يقول أخصائي سوريا: "دونالد ترامب رجل واقعي، لا يريد التورط في سوريا، إنه يفضّل الذهاب بعد الانتصار على داعش، على أن يرى القنابل تنفجر وتدمّر قواته، كما كان الحال في منبج، في 16 كانون الأول (يناير)". وقد اختارت بعض الدول ألّا تيأس، وأن تتكيف مع وجود بشار الأسد، وتطبيع العلاقات مع دمشق، بدأت عملية إعادة تأهيل النظام السوري في العالم العربي؛ حيث أعادت الإمارات العربية المتحدة فتح سفارتها في دمشق، في 27 ديسمبر 2018(12)؛ إذ بدا انتصار الأسد وشيكاً، فقد يواجه مبعوث الأمم المتحدة الجديد تحدّياً جديداً: تحدي نشوب حرب بين إيران وإسرائيل يمكن أن تحدُث... في سوريا.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

الصفحة الرئيسية