جهادي تونسي وجد نفسه أكثر تطرفاً من "داعش" فاختار الفرار

16521
عدد القراءات

2018-06-10

"حلم "داعش" ليس سوى وهم تخلى عنه بمحض إرادته". لا تبدو هذه العبارة، التي أوردها الكاتب التونسي، هادي يحمد، في كتابه: "كنت في الرقة"، على لسان محمد الفاهم، أحد الشباب التونسي، الذي التحق بما يعرف بــ"تنظيم الدولة الإسلامية"، في سوريا، قبل فراره منها، توفر إجابة أو تضع نهاية للحكاية، التي يروي فصولها، عبر أربعة وعشرين فصلاً، لكنها، تضيء مزيداً من الأسئلة، وتتحول الجملة برغم بساطتها، إلى لغز، لا يستعصى على الحل، إنما يكشف عن التعقيد والتركيب، في قصة الجهاد الذي يفتك بالشباب، ويصنع ذوات متوحشة، تقتل وتذبح وتعبر فوق أشلاء البشر وتشتهي الدماء، بنفس القدر، الذي تنحل فيه روابطهم القديمة، الاجتماعية والعقائدية والوطنية والهوياتية.

يروي الكتاب، الذي يقع في 270 صفحة، من القطع المتوسط، شهادة شاب تونسي، هو محمد الفاهم، ويتنقل بين يومياته المثيرة، وما فيها من أحداث، غزوات وحروب، ومشي على بقايا الأشلاء الآدمية، وأصوات مفخخات، ورائحة البارود، والدماء، فيرسم خريطة دقيقة، بوقائعها وتفاصيلها الحية، يوضح من خلالها مسارات ومآلات، هذه (التجربة) الذاتية، والتي يستعين فيها الصحافي بضمير المتكلم.

يروي الكتاب  شهادة شاب تونسي ويتنقل بين يومياته المثيرة يوضح من خلالها مسارات ومآلات هذه التجربة

لا يتحرى صاحب "تحت راية العقاب.. سلفيون جهاديون تونسيون"، الإدانة والسخط، برغم أهميتهما ومعناها السياسي، كما يقول، لكنه، في المقابل، يحاول الإحاطة التامة، بطريقة تفكير المنظمات الجهادية العالمية الجديدة، مثل داعش، ومعرفة حوافزهم وإغراءاتهم، وينابيع تشددهم ودمويتهم، والتي لا تكفي معها قراءات خارجية، لأرقام التهميش الاجتماعي والحيف السياسي، ومشاهدة إصداراتهم الإعلامية، والإطلاع على الملفات القضائية، واعترافات التحقيقات فيها.

غلاف كتاب: "كنت في الرقة" للكاتب هادي يحمد

داعش: التقصي من الداخل

بيد أن "العقدة الأصعب" في الظاهرة الجهادية، كما يصفها، الصحافي التونسي، هي سبل معرفة ميكانيزمات التنظيم من الداخل، والاستنطاق الداخلي لعناصره، بشكل حر واختياري، بعيداً عن ضغوط المراقبة الأمنية والسجن، أو مثل ما فعل بعض الصحافيين الامريكيين، في حواراتهم مع أسرى داعش لدى القوات الكردية.

وبحسب الفاهم، في شهادته، كان الوصول إلى الشام حلمه، والدخول إلى "أراضي الدولة" (دولة داعش) قمة النشوة. ومنذ إعلان تأسيس الدولة عام 2014، تشكلت نقطة فارقة في حياة الشاب التونسي.

اقرأ أيضاً: الإرهاب.. أول الدم من الزرقاوي إلى البغدادي

يقول: "وسط الحملة الأمنية على "التيار الجهادي"، في تونس، أصبح التمكن من مغادرة البلاد، والوصول إلى اسطنبول نجاحاً فعلياً، في الوصول إلى "الدولة الإسلامية، فكل أصحابي الذين سبقوني، إلى الهجرة، يرددون "الوصول إلى اسطنبول يعني الوصول إلى الرقة".

ويشير الصحافي التونسي، في كتابه إلى أنّ العالم يشهد تحولات "داعش" منذ صعود أبي بكر البغدادي، على منبر الجامع الكبير، في الموصل، وإعلان خلافته، وما لحقها من مرحلة دموية؛ تمثلت في عدد من الجرائم والمذابح الإرهابية: مذبحة سبايكر في العراق، يونيو (حزيران) 2014، تلتها مجزرة مطار الطبقة، في سوريا في آب (أغسطس) من نفس العام، ومجزرة نزل الإمبريال، في مدينة سوسة، بتونس في حزيران (يونيو) عام 2015، ومجزرة باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، ومجزرة مدينة أورلندو، في الولايات المتحدة الأمريكية، في حزيران (يونيو) 2016، ومجزرة اسطنبول، في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2016، في ليلة رأس السنة.

بدأت رحلة الفاهم بوصوله إلى اسطنبول، قادماً من مطار معيتيقة

تركيا والهجرة إلى داعش

اعتمد يحمد في منهجية كتابه، على نمط من الكتابة المركب، الذي حاول من خلاله، الجمع باستقلالية، بين المادة الأولية، التي يقدمها له، المنتسب السابق لداعش، ومحاولة تدقيقها وتفكيكها، وروايته لها، ناهيك عن بناء سرديته، وترتيب فصولها، بشكل حكائي مثير، فاستلهم نمط الهرم المقلوب، وترك الفضاء لشخصية الفاهم، المحورية في الكتاب، تروي حياتها كاملة، وتجيب عن أسئلة جوهرية، هي: كيف صنع "داعش" داخل هذه الشخصية؟ لماذا ذهب هذا الشاب التونسي إلى "داعش"؟ ولماذا فر منه؟ وما فعله في هذه "الدولة"؟

تناوب الفاهم، في شهادته على رواية تفاصيل ما عاينه، خلال رحلته، إلى "دولة الملثمين"، في الرقة، وفي مدن سورية، وعراقية أخرى، فضلاً عن، مسار هجرته السرية، التي بدأت من تونس، مروراً باسطنبول، ووصولاً إلى مدينة تل أبيض، في سوريا. وفي غضون ذلك، يقص في شهادته، العلاقة بين المقاتلين، وحياة المهاجرين، وتطبيق الحدود، والهرمية التنظيمية، وأمراء "داعش" وجنوده، والدواوين التي أسسها التنظيم، جنباً إلى جنب مع الحروب والغزوات التي خاضها.

التسهيلات التي حظي بها الفاهم في اسطنبول تؤكد أن العلاقة بين داعش والسلطات التركية كانت جيدة

بدأت رحلة الفاهم، بوصوله إلى اسطنبول، قادماً من مطار معيتيقة، في العاصمة الليبية، طرابلس، عبر الخطوط الليبية في عام 2014، والتي نزلت بهم الطائرة، في مطار أتاتورك، حيث اعترضه شرطي تركي، يقوم بمراقبة جوازات القادمين، وبمجرد ما نظر إلى صورته في الجواز، وأمعن النظر فيها، وسأله بابتسامة ساخرة: تونسي؟ فأجابه: نعم.

وعندما جاء دور الانتقال إلى الحدود مع سوريا، وتم ختم جواز سفره، من قبل الشرطية التركية، بعد أن دققت به وبوجهه، هاتفه "الأخوة"، كما يصفهم، في سوريا عبر رقم مشفر، لا يعرف مصدره، وسألوه إلى أين وصل؟ فقد كانوا على اتصال به، قبل ركوبه الطائرة، من طرابلس. فأبلغهم بأنه في تركيا، وسمع عبر الهاتف تكبيرات وحمد لله، وابتهاجاً كبيراً، لدخوله اسطنبول، وطلبوا منه الاستعداد لدخول الشام .

يعد منزلها محطة للمقاتلين الأجانب الذين يصلون اسطنبول قبل عبورهم إلى الشام

"أم المجاهدين".. المرأة الداعشية

وقبل وصوله إلى تركيا، كان ابن عمه، قد أمده برقم هاتف إمرأة سورية، من إدلب مؤيدة لداعش، ومقيمة في اسطنبول، فتحدث إليها فور وصوله، إلى أحد الفنادق عبر تطبيق "الواتساب"، وبمجرد أن عرفت هويته، طلبت مني المجيء للمبيت عندها، وأرسلت له سائقاً حمله إلى بيتها.

ويفسر الفاهم، هذا المشهد الكبير، منذ وصوله إلى اسطنبول، والتسهيلات التي حصل عليها، لعبوره إلى التنظيم في سوريا، وعندما تعرضه للإيقاف من قبل الأجهزة الأمنية وضابط المطار، بأن العلاقة بين تنظيم "داعش" والسلطات التركية، كانت جيدة، في ذلك الوقت، ومن بين تلك الحوادث التي تؤكد متانة تلك العلاقة: "إنه كان في الرقة، حينما تم نقل قبر سليمان شاه، في شباط (فبراير) 2015، إلى الأراضي التركية، من قبل الجيش التركي، من الأراضي التي تسيطر عليها داعش".

اقرأ أيضاً: ما الذي يجذب النساء اليابانيات إلى داعش؟

قضى الفاهم يومين في منزل "أم المجاهدين"، في اسطنبول، ويقول عنها، إنها أم لثلاث بنات، زوجتهن لمقاتلين من "داعش"، وثلاثة أبناء صغار، لا تتجاوز أعمارهم الـ14 عاماً تقريباً، ويعد منزلها محطة للمقاتلين الأجانب، الذين يصلون اسطنبول قبل عبورهم إلى الشام.

وبينما وصل الفاهم، إلى إدارة الحدود في "داعش"، شرعت الأخيرة، في تجريد المقاتلين من كل الوثائق التي بحوزتهم، سواء كانت جوازات سفر، وبطاقات هوية، وترك أموالهم التي جاؤوا بها، ثم يمنح لكل مهاجر هوية أخرى، اسم جديد وكنية يختارها.

الفاهم لم يترك داعش لأنه يعارض التطرف بل لأنه يحمل أفكاراً أكثر تشدداً من التنظيم نفسه

وبعد أن خرج من اسطنبول ليلاً، توجه إلى مدينة أورفا الحدودية، ومنها إلى المضافة، التي تقع في منطقة ريفية: "بعدها ركبنا سيارة يقودها سائق سوري إلى المنطقة الحدودية، التي تحت سيطرة داعش. وكان في استقبالنا مهربان تركيان بالكاد ينطقان ببعض الكلمات العربية، بلهجة تركية، ومن الواضح أنهما يعملان مع إدارة الحدود التابعة لداعش. أشار لنا المهربان إلى أضواء منبعثة من بعيد. وقال أحدهما عندما تصلون هناك، اقرعوا أي بيت يواجهكم وأخبروهم أنكم مهاجرون. وسيأتي عناصر داعش لاستقبالكم. سرنا ليلاً في اتجاه السياج الحدودي، نحمل بعض متاعنا بحقائب صغيرة وأرهقنا تعباً. كنت على بعد أمتار، من الوعد الذي سمعته عن ظهر قلب، في مساجد تونس "يا طوبى للشام يا طوبى للشام". كثيرة هي فضائل الشام التي سمعت بها وقرأت عنها. أنا على أبوابها".

خضع الفاهم لدورتين؛ شرعية وعسكرية، في الرقة، وشارك في معارك: تدمر، وتل أبيض، ومعركة فك الحصار عن مطار كويريس، الذي كانت تسيطر عليه داعش، وقد فشلت محاولات اقتحام "داعش" للمطار، أربع مرات، بسبب صمود الجيش السوري، وقوات النخبة في حزب الله بعد حصار دام عامين. وكانت تهمة الشك في معتقدات "داعش"، تؤول بصاحبها إلى القتل والصلب، بتهمة الردة أو الغلو.

اقرأ أيضاً: "داعش" إذ يحرض على قتل الآباء والأقربين..هل المسؤول ابن تيمية؟

اللافت، أنّ الفاهم، لم يترك داعش؛ لأنه عدل من أفكاره باتجاه التطرف والتشدد، لكن السبب الرئيسي لهروبه، أن الشاب التونسي، يحمل أفكاراً أكثر تشدداً من التنظيم نفسه، ويرى أن الصورة التي رسمها للتنظيم، لم تكن مطابقة للصورة التي حلم بها، والتي من أجلها قطع الصحراء التونسية هرباً، نحو ليبيا قبل الوصول إلى تركيا، وبدء رحلة أخرى للوصول إلى سوريا.

فالشاب العشريني، لا يقتنع، مثلاً، بقبول قادة "داعش" مقولة "يعذر الجاهل بجهله في الدين"، والتي تتسبب في تعطيل حدود الله، من وجهة نظره، على عامة الناس، في الرقة، وتتساهل معهم في تطبيق الشريعة الإسلامية!

اقرأ المزيد...

الوسوم: