
في أقصى جنوب القارة الأفريقية، وبعيدًا عن الرقابة الأمنية المباشرة، وجدت جماعة الإخوان المسلمين أرضًا خصبة لإعادة بناء شبكاتها المالية والتنظيمية. جنوب أفريقيا، التي تبدو من الخارج بلدًا منفتحًا وديمقراطيًا، تحولت إلى قاعدة خلفية لإدارة صراع الأجنحة داخل التنظيم الدولي، وإلى مسرح خفي لغسل الأموال وتوزيع النفوذ عبر واجهات دينية وخيرية.
الوجود الإخواني في جنوب أفريقيا لم يعد مجرد نشاط دعوي أو خيري كما تروّج الجماعة، بل صار شبكة متشعبة تدير استثمارات وجمعيات ومساجد وتستغلها في تجنيد الكوادر وتمويل أنشطتها العابرة للحدود. الوثائق المسرّبة التي نشرتها صحيفة (الدستور) بالتعاون مع الإعلامي حسام الغمري كشفت تفاصيل دقيقة عن هذا العالم الموازي، بدءًا من قيادات مثل محمد البحيري وناصر منصور ومحمد هلال الذين يسيطرون على الجمعيات والمساجد، وصولًا إلى ملفات فساد وصراعات بين جناحي لندن وإسطنبول على من يملك مفاتيح التبرعات والمشاريع التجارية.
حسام الغمري: وثائق "هموم إخوانية" تكشف تسجيل قيادات مثل البحيري ومنصور أموال الجماعة بأسمائهم في جنوب أفريقيا.
ووفقًا للغمري تضمنت الوثائق محادثات داخل مجموعة على تطبيق (واتس آب) تحمل اسم "هموم إخوانية" يديرها جناح إسطنبول، وأظهرت تسجيل قيادات بارزة ممتلكات وأموال الجماعة بأسمائهم الشخصية أو عبر شركاتهم الخاصة. في إحدى الرسائل تساءل أحد الأعضاء إن كان البحيري قد سجّل أموال الجماعة باسمه، وأكد عضو آخر أنّ ناصر منصور يوزع "غنائم" التنظيم في جنوب أفريقيا.
وأشارت وثائق أمريكية، أبرزها جلسة استماع في الكونجرس عام 2018، إلى تورط شركات مرتبطة بالتنظيم الدولي مثل الدعم الإسلامي في تحويل الأموال من لندن إلى جنوب أفريقيا، بإشراف قياديين محليين مثل عمران محمد فريد. ويبدو أنّ اختيار جنوب أفريقيا لم يكن مصادفة، فالنظام الديمقراطي يمنح مساحات واسعة للعمل الأهلي، إلى جانب وجود أقلية مسلمة نشطة وثرية توفر قاعدة طبيعية للنشاط الإخواني، فضلًا عن موقع البلاد الذي يجعلها بوابة مثالية للتمدد نحو دول أفريقيا جنوب الصحراء بالتوازي مع نفوذها داخل الاتحاد الأفريقي.
تقرير الكونغرس الأمريكي 2018: شركة الدعم الإسلامي التابعة للإخوان متورطة في تحويل أموال من لندن إلى جنوب أفريقيا برئاسة عمران محمد فريد.
وتكشف وثائق مسرّبة من أرشيف الإخوان عام 2012 عن تقسيم مكتب أفريقيا إلى (3) قطاعات: الجنوب والشرق والغرب، يقودها محمد البحيري الذي يلقبه أنصاره بـ "فاتح أفريقيا"، ومحمد هلال الذي تولى قطاع شرق وجنوب أفريقيا ونسج علاقات مع موزمبيق وزيمبابوي وجزر القمر، وناصر منصور الذي تولى لاحقًا قيادة المكتب وأصبح عضوًا في التنظيم الدولي ولعب دور الوسيط بين جبهتي لندن وإسطنبول.
من خلال هذه القيادة التنفيذية تُدار الجمعيات والمراكز، ومن أبرزها مؤسسة الإيمان التي تأسست عام 2011 في جوهانسبرج وتدير مساجد ومراكز تعليمية ويقودها حاليًا إيهاب صالح بعد رحيل محمد هنداوي، والرابطة الإسلامية في جنوب أفريقيا التي تأسست عام 2018 ويشرف عليها المحاسب المصري الأصل محمد أسلم عمر، ورابطة المحامين المسلمين التي تأسست عام 2013 وتحولت إلى أداة سياسية ضد مصر، إلى جانب منصات إعلامية مثل "ميديا ريفيو والهلال تي في وسلامة ميديا". وترتبط الجماعة كذلك بمؤسسات أخرى مثل مجلس القضاء الإسلامي وهيئة الإغاثة الإسلامية، وهو ما يمنحها شبكة واجهات يصعب تتبعها.
أبرز الكيانات الإخوانية في جنوب أفريقيا: "مؤسسة الإيمان، والرابطة الإسلامية، ورابطة المحامين المسلمين، وميديا ريفيو، والهلال تي في، وسلامة ميديا."
ومنذ أزمة 2020 انحاز فرع الإخوان في جنوب أفريقيا إلى جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين ضد جناح لندن بقيادة صلاح عبد الحق، ورغم محاولات الوساطة التي قادها ناصر منصور ظلّ الولاء للجبهة التركية واضحًا. وفي السياق ذاته رصد تقرير لمركز (تريندز للبحوث والاستشارات) نشأة ووجود تنظيم الإخوان في جنوب أفريقيا، مؤكدًا أنّ الجماعة اتخذت هذا البلد نقطة انطلاق للتغلغل في القارة السمراء من خلال المنظمات الدعوية والخيرية كغطاء للتمويه على نشاطها المشبوه.
وبحسب التقرير فإنّ وجود الإخوان في جنوب أفريقيا بدأ كتيار فكري قبل أن يتحول إلى كيان حركي منظم، ويبرز في هذا السياق اسم الإمام عبد الله هارون، رئيس مجلس القضاء الإسلامي السابق، الذي يُوصف بأنّه واحد من أشهر الرموز الإسلامية الحركية في تاريخ جنوب أفريقيا. وقد تأثر هارون بأفكار سيد قطب وأبو الأعلى المودودي، ووقف ضد نظام الفصل العنصري "الأبارتهيد"، ودعم حزب المؤتمر الوطني في نضاله، ورغم أنّه لم ينضم إلى الحزب إلا أنّ الجماعة تحتفي به وتلقبه بـ "الإمام الشهيد"، في مقاربة تهدف إلى تشبيهه بمؤسسها حسن البنا.
انحاز فرع الإخوان في جنوب أفريقيا إلى جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين ضد جناح لندن بقيادة صلاح عبد الحق.
وتشير شواهد أخرى إلى أنّ الوجود التنظيمي للإخوان في جنوب أفريقيا يعود إلى تسعينيات القرن الماضي مع انتقال عدد من دعاة الجماعة وكوادرها واستقرارهم هناك، ومن أبرزهم الداعية عبد السلام بسيوني، وذلك في إطار خطة للانتشار في القارة الأفريقية. ومنذ عام 2011 أخذ نشاط الإخوان في جنوب أفريقيا منحًى جديدًا مستفيدًا من حالة الزخم التي اكتسبتها الجماعة في مصر والمنطقة العربية، وجرى إنشاء العديد من الجمعيات والمؤسسات التي تعمل كشبكة مظلية للجماعة في هذا البلد.
واستخدمت الجماعة جنوب أفريقيا قاعدة انطلاق لنشر دعوة الإخوان في دول أخرى من جنوب القارة مثل موزمبيق وزيمبابوي ومالاوي وجزر القمر وغيرها، وذلك وفق وثائق مسرّبة من أرشيف الإخوان في مصر تعود إلى عام 2012. وأكد تقرير مركز (تريندز) أنّ الجماعة نجحت في تكوين شبكة واسعة من الجمعيات والمراكز الإسلامية، ودشنت استثمارات خاصة بها، وافتتحت مصنعًا بقيمة سوقية تقارب مليوني دولار، إلى جانب امتلاكها استثمارات عقارية متعددة.
مركز تريندز: الجماعة اتخذت هذا البلد نقطة انطلاق للتغلغل في القارة السمراء من خلال المنظمات الدعوية والخيرية كغطاء للتمويه على نشاطها المشبوه.
ورغم هذا النشاط بقيت الشبكة ظاهريًا غير مرتبطة بالإخوان بشكل مباشر، إذ تحافظ الجماعة على مبدأها التاريخي القائم على "علانية الدعوة وسرّية التنظيم"، فتنشئ كيانات عديدة يديرها أعضاؤها دون الإعلان عن تبعيتها، وهو ما يتيح لها توسيع نفوذها والوصول إلى فئات مختلفة دون الاصطدام بعائق الإيديولوجيا، ويجعلها في الوقت ذاته قادرة على تضليل أجهزة الأمن وتشتيت جهودها، لتظل هذه الشبكة أشبه بجبل جليدي لا يظهر منه للعلن سوى القمة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)