جديد الإخوان في باكستان: مزايدات سياسية وخطاب مزدوج لحشد الشارع

جديد الإخوان في باكستان: مزايدات سياسية وخطاب مزدوج لحشد الشارع

جديد الإخوان في باكستان: مزايدات سياسية وخطاب مزدوج لحشد الشارع


27/04/2026

كثّفت الجماعة الإسلامية في باكستان تحركاتها السياسية والإعلامية خلال الفترة من 11 إلى 19 نيسان/أبريل، عبر خطاب يجمع بين الانتقاد الحاد للحكومة وتوظيف القضايا الإقليمية والدينية في محاولة لحشد الشارع.

أمير الجماعة حافظ نعيم الرحمن ظهر في سلسلة من المؤتمرات الصحفية، قدّم فيها وابلاً من التصريحات، عكست توجهًا تصعيديًا قائمًا على مهاجمة المؤسسات والتشكيك في الأداء الحكومي، مع طرح بدائل ذات طابع إيديولوجي.

مزايدات سياسية

في 13 نيسان/أبريل أشاد حافظ نعيم الرحمن بالمملكة العربية السعودية، معتبرًا أنّ صبرها في الحرب أمر يستحق التقدير، متجاهلًا في الوقت ذاته ما قامت به إيران من استهداف لدول الخليج.

وقال إنّ حكومة البنجاب تُضلّل الرأي العام بشأن قضية القمح للعام الثالث على التوالي، مضيفًا أنّ الشعب لا يمكن خداعه بعرض 4 طرق و5 حدائق، وأنّ زيف الحكم الرشيد آخذ في التلاشي.

في الوقت نفسه، دعا إلى تدخل الصين وروسيا في ملف مضيق هرمز، في محاولة لتوسيع خطاب الجماعة السياسي إلى الشأن الدولي، رغم محدودية تأثيرها الفعلي.
ولم يخلُ الخطاب من الشعبوية الاقتصادية، فقد هاجم الحكومة بسبب تخفيض محدود في أسعار الوقود (12 روبية فقط للتر الواحد)، معلنًا نيته اللجوء إلى القضاء، في خطوة تبدو أقرب إلى المزايدة السياسية منها إلى حل واقعي للأزمة.

تحدي الضغوط الدولية والتقارب مع إيران

في 14 نيسان/أبريل دعت الجماعة الإسلامية الحكومة الباكستانية إلى تجاهل الضغوط الأمريكية، والمضي قُدمًا في اتفاق التجارة الحرة مع إيران، إلى جانب مشروع خط أنابيب الغاز بين باكستان وإيران.

هذا الطرح يهدد بتوريط باكستان في أزمة سياسية كبرى مع الولايات المتحدة، في وقت ليس من مصلحة البلاد الاصطفاف مع أيّ طرف، بل البحث عن مصالحها فقط.
وفي مفارقة لافتة جمعت تصريحات نعيم الرحمن في مؤتمر صحفي عقده في المنصورة بين الإشادة بالسعودية من جهة، والثناء على إيران من جهة أخرى، في محاولة لإرضاء جميع الأطراف دون تقديم رؤية واضحة.

مطالب اقتصادية مثيرة للجدل

في 15 نيسان/أبريل، وخلال مؤتمر نسائي، صعّد نعيم الرحمن من لهجته مطالبًا بإلغاء الضرائب وخفض أسعار الطاقة، ومطالبًا بخفض سعر البنزين إلى 250 روبية للتر، ومهاجمًا الحكومة، مؤكدًا أنّه في حال اكتمال خط أنابيب الغاز الإيراني، فلن تنتهي أزمة الطاقة في البلاد فحسب، بل ستنخفض أسعار الغاز أيضًا؛ وهي مرة أخرى خطابات شعبوية لا تقدم رؤية اقتصادية واضحة.

وطالب بإلغاء ضريبة البترول وخفض أسعار الكهرباء من خلال مراجعة فورية لاتفاقيات منتجي الطاقة المستقلين.

وشدد على أنّ الوضع في السند سيّئ للغاية، وأنّ العائدين من دبي يرغبون في الاستثمار في كراتشي، لكنّ المدينة "دُمرت"، معتبرًا أنّ حزب الشعب باعتباره الحزب الحاكم هو المسؤول الأول عن ذلك.

لكنّ اللافت كان استخدام خطاب تعبوي يتجاوز النقد السياسي إلى التحريض، حيث دعا إلى تشكيل تحالف إسلامي واسع يضم باكستان وإيران وتركيا ودول الخليج، ووجّه هجومًا حادًا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهو طرح شعاراتي قد يورط باكستان في معركة لا تخصها، في إطار سعي الجماعة لخدمة أهدافها الإيديولوجية.

وأعلن عن استئناف حملة استقطاب الأعضاء اعتبارًا من 25 نيسان/أبريل، على أن يتم لاحقًا إطلاق حركة واسعة النطاق من خلال مراجعة ميثاق الحقوق العامة.

تناقضات خطاب الجماعة

في 16 نيسان/أبريل انتقلت الجماعة إلى مسار قانوني بإعلان نيتها الطعن في قانون الحكم المحلي في البنجاب، واعتباره مخالفًا للدستور.

وفي حديث مع الصحفيين، صرّح حافظ نعيم الرحمن أمام محكمة لاهور العليا أنّ القانون يتعارض مع الديمقراطية ويمنع نقل الصلاحيات إلى المستوى الأدنى، ممّا يزيد من شعور الناس بالحرمان.

وأضاف أنّ حرمان السكان المحليين من اختيار ممثليهم في مثل هذه الحالة يجسد أسلوبًا مؤسفًا وغير عادل في الحكم.

لكنّ الخطاب لم يقتصر على النقد القانوني، بل امتد إلى هجوم مباشر على أحزاب سياسية مثل حزب الرابطة الإسلامية (نواز)، متهمًا إيّاها بإدارة عائلية تضر بالديمقراطية.
وتطرق إلى أزمة الطاقة، قائلًا إنّ انقطاع التيار الكهربائي المتكرر هو نتيجة لتوزيع غير عادل للموارد، مؤكدًا أنّ باكستان لديها قدرة على توليد 49 ألف ميغاواط من الكهرباء، ومع ذلك يعاني الشعب من صعوبات جمة.

هذا التناقض بين انتقاد النظام الديمقراطي من جهة، واستخدام أدواته من جهة أخرى، يعكس ازدواجية واضحة في خطاب الجماعة.

استغلال ملف التعليم لتوسيع النفوذ

في 17 نيسان/أبريل روّجت الجماعة لبرنامجها (بني قابل) باعتباره مبادرة لتأهيل الشباب وإسهامًا في بناء جيل الألفية، مع الإعلان عن تسجيل 1.4 مليون مشارك.

وقال حافظ نعيم الرحمن خلال كلمته في مدينة جوجرانوالا: إنّهم سيقدمون عبر هذا البرنامج دورات حديثة للطلاب لتمكينهم من الحصول على وظائف أفضل، وإنّهم بصدد إطلاق دورات في مجال تكنولوجيا المعلومات وغيرها، بما في ذلك ربات البيوت.
وأضاف أنّ 35 مليون طفل في باكستان لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس، كما أنّ جودة التعليم في تدهور مستمر.

ورغم الطابع التنموي الظاهر للمبادرة، فإنّها تأتي في سياق محاولة لبناء قاعدة شعبية لصالح الجماعة الإسلامية، خاصة مع التركيز على فئات الشباب والنساء.

تقية سياسية

في 19 نيسان/أبريل، صعّدت الجماعة من خطابها الخارجي، حيث اتهم حافظ نعيم الرحمن إسرائيل والولايات المتحدة بالفشل، معتبرًا أنّ إسرائيل ستحاسب على مقتل اللبنانيين، وهاجم مواقفها بشأن إيران.

وتبنّى الخطاب روايات سياسية حادة، مع تحميل أطراف دولية مسؤولية تعطيل المفاوضات، في طرح يعكس انحيازًا إيديولوجيًا واضحًا، مجددًا الدعوة لإشراك الصين وروسيا في الحرب الحالية.

وأضاف أنّ "إقامة نظام عدل وإنصاف على أرض الله" هي الهدف، مؤكدًا أنّ الجميع يمكنهم الانضمام إلى الجماعة الإسلامية، وأنّه لا وجود للقومية أو الطائفية فيها، بل ينبغي على المرء اتباع دينه والتفكير في الآخرة ليحيا.

وتقدّم الجماعة نفسها كحركة عابرة للطائفية، لكنّها في الوقت ذاته تدعو إلى إقامة نظام قائم على المبادئ الإسلامية في الاقتصاد والقضاء والإدارة؛ وهو ما يعكس تناقضًا واضحًا بين الخطاب والممارسة.

وتعكس تحركات الجماعة الإسلامية خلال هذه الفترة مزيجًا من التصعيد السياسي الداخلي، والتوظيف الإيديولوجي للقضايا الإقليمية، إلى جانب خطاب شعبوي يسعى لحشد التأييد. ورغم محاولتها تقديم نفسها كبديل سياسي قادر على إحداث التغيير، فإنّ خطابها يكشف عن تناقضات لافتة بين الشعارات التي ترفعها والممارسة الفعلية على الأرض، حيث تجمع بين انتقاد النظام القائم، والسعي في الوقت ذاته إلى توظيف أدواته والاستفادة من آلياته، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى اتساق رؤيتها السياسية وقدرتها على تقديم نموذج بديل حقيقي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية