جدلية الدولة والجماعة: أزمة الشرعية في مواجهة المشاريع العقائدية المغلقة

جدلية الدولة والجماعة: أزمة الشرعية في مواجهة المشاريع العقائدية المغلقة

جدلية الدولة والجماعة: أزمة الشرعية في مواجهة المشاريع العقائدية المغلقة


12/11/2025

في ظل المشهد السياسي والميداني المعقد باليمن الذي تتشابك فيه التحالفات السياسية مع التعقيدات العسكرية، تنبعث بين الحين والآخر اعتراضات تفضح جرائم جماعة الإخوان وذراعها السياسية (حزب الإصلاح)، وتكشف عن مسارات الحزب المشبوهة وتخادمه مع قوى إرهابية، مثل تنظيمي (القاعدة والحوثيين). وقد برز مؤخراً محافظ تعز السابق الدكتور أمين محمود، الذي اتهم التنظيم الأم للإسلام السياسي بتقويض معركة التحرير من الداخل، وتشويه مشروع الدولة الذي تشكّلت من أجله الشرعية.

هذا الهجوم، الذي جاء في لحظة مفصلية من الصراع، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد خلاف سياسي مؤقت أو تنازع نفوذ بين أجنحة السلطة، بل يعكس أزمة عميقة في بنية التحالف المناهض للحوثيين، ظاهرياً، حيث تتداخل الحسابات الإيديولوجية والمصالح الحزبية مع القضايا الملحة. ومن هنا، فإنّ قراءة تصريحات أمين محمود لا تنفصل عن جدلية الصراع بين مشروع الدولة المدنية الذي يتطلع إلى تجاوز الولاءات الإيديولوجية الضيقة، والمشاريع العقائدية التي ما تزال تسعى إلى احتكار تمثيل الشرعية تحت شعارات دينية، على حدّ توصيف الأكاديمي اليمني قاسم المحبشي. ويقول لـ (حفريات): إنّ هذه الجدلية باتت تشكّل أحد أهم التحديات أمام استعادة الدولة اليمنية وإعادة بناء الثقة في شرعيتها.

ففي هجوم يُعدّ من الأعنف منذ مغادرته المنصب، شنّ محافظ تعز السابق الدكتور أمين محمود هجوماً لاذعاً على حزب الإصلاح، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، متهماً إيّاه بشكل مباشر بـ "إعاقة معركة التحرير" و"تشويه مشروع الدولة".

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

في منشور حاد عبر صفحته على موقع (فيسبوك) اعتبر محمود أنّ "الصمت عن أخطاء الشرعية خيانة لجوهرها"، مؤكداً أنّ انتقاداته للحزب لا تنطلق من "خصومة سياسية"، بل من دافع وطني وأخلاقي يهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مسار الدولة ومشروع الجمهورية. وقد ردّ المحافظ السابق على منتقديه الذين تساءلوا عن سبب تركيزه على حزب الإصلاح وتجاهله جرائم الحوثيين، واصفاً هذا التساؤل بأنّه "ساذج"، مشيراً إلى أنّ محاسبة حزب الإصلاح تقع ضمن المسؤولية الوطنية، بوصفه مكوّناً رئيسياً في منظومة الشرعية وشريكاً في المعركة ضد الحوثيين.

وشدد محمود على أنّ كشف التجاوزات والانتهاكات داخل معسكر الشرعية لا يعني الانحياز للحوثيين، بل هو محاولة لـ "تنقية الصف الجمهوري من الشوائب" التي أضعفت الثقة العامة بمستقبل الدولة، وأثرت في تماسك الجبهة الوطنية.

في المقابل، لم يُغفل محمود توصيف خصم الشرعية، إذ أكد أنّ ميليشيات الحوثي ليست طرفاً سياسياً يمكن مساءلته، بل هي "مشروع كهنوتي سلالي يقوم على فكرة الاصطفاء الإلهي"، ويتبنّى الإقصاء والعنف كأدوات لبسط السيطرة، متهماً الجماعة بالتسبب في مقتل مئات الآلاف ورفع "شعار الموت كعقيدة مقدّسة".

واختتم محمود رسالته بالتشديد على أنّ معركة الجمهورية لا يمكن أن تُحسم إلا بصف نزيه ونظيف من الفساد والانتهاكات، يكون قادراً على تقديم بديل مقنع ووطني لنظام الميليشيات، مؤكداً أنّ إصلاح المسار الداخلي شرط أساسي لتحقيق النصر وبناء الدولة المنشودة.

خطايا الإخوان

يقول الأكاديمي اليمني قاسم المحبشي: إنّ حزب الإصلاح اليمني، أو ما يُعرف بـ "إخوان اليمن"، يحمل في تاريخه ما يكفي للدلالة على دوره التخريبي في الحياة السياسية والاجتماعية اليمنية، مستشهداً بما كشفه مؤسسه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في مذكراته حول ظروف تأسيس الحزب وأهدافه. ويؤكد المحبشي لـ (حفريات) أنّ الحزب "أدّى وظيفته كاملة في تدمير ما تبقّى من النسيج الوطني اليمني"، بدءاً من بيان تكفير الجنوب الشهير أثناء حرب 1994، التي وصفها بـ "الغاشمة"، حين شُنّت باسم الدين حرب سياسية أطاحت بما تبقى من قيم الوحدة والهوية الوطنية.

ويرى المحبشي أنّ الأحزاب اليمنية، بمختلف مسمّياتها، كانت شريكاً فاعلاً في تدمير دولة الجنوب والجمهورية اليمنية والوحدة والثورة على حدّ سواء، حتى انتهى بها الأمر إلى تسليم البلاد لـ "السيد الصغير القادم من صعدة"، في إشارة إلى جماعة الحوثي. فقد تخلّت هذه الأحزاب، بحسب تعبيره، عن صنعاء وتركتها نهباً للفوضى، بينما فرّت قياداتها إلى الخارج "بجلودها المسمومة بالفساد والثراء الحرام"، لتترك اليمن بين نارين: نار العبث الطائفي الحوثي الذي ساعدته تلك القوى على النمو، ونار التدخل الخارجي الذي فاقم المعاناة بالقصف والتجاذبات الإقليمية.

ويضيف المحبشي أنّ ما تبقى من "إخوان اليمن" لم يعد سوى "أشلاء تنظيم وقيادات مشتتة بين الرياض وتركيا وغيرها، يمتصّ بعضها ما تبقى من دم الوطن باسم أحزاب تحوّلت إلى "خردة سياسية"، فيما تواصل ميليشياتهم المسلحة إشعال الحروب الصغيرة كلما سنحت الفرصة، كما حدث في معركة شبوة التي كانت نتاج تحالف مريب بين الميليشيات الإخوانية والطائفية".

ويستعيد المحبشي مشهداً رمزياً من عام 2010 حين ألقى الرئيس علي عبد الله صالح "خطاباً عدوانياً معلناً الحرب على المقاومة الجنوبية"، بينما كان الشيخ الأحمر إلى جواره يناوله القرآن الكريم، فيرفع صالح المصحف مرددًا: "هذا هو كتاب الله، والله مع الأقوياء، ونحن الأقوى". ويرى المحبشي في ذلك المشهد تجسيداً للتحالف الأخطر في التاريخ اليمني الحديث "بين الحاكم والواعظ، بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، بين السيف والخطاب، والعقيدة والقبيلة والغنيمة"، ذلك التحالف، كما يقول، هو الذي "نخر الجمهورية اليمنية من الداخل طوال ستة عقود".

ويشير إلى أنّ قيادات من داخل حزب الإصلاح نفسها اعترفت لاحقاً بدورهم في تقويض الدولة، ومنهم الشيخ عبد الله العديني الذي صرّح في تسجيل شهير بأنّ جماعة الإخوان في اليمن حاربت ثورة 26 (سبتمبر) 1962 منذ انطلاقتها، لأنّها كانت "ثورة جمهورية ناصرية حديثة" لا تتسق مع مشروعهم الإسلامي، قائلاً بوضوح: "ثورة 26 (سبتمبر) سقطت، ونحن الذين أسقطناها ودعسناها بأقدامنا".

ويعتبر المحبشي أنّ أخطر ما ارتكبه الإخوان في اليمن لم يكن في السياسة فقط، بل كان أيضاً في السيطرة على قطاع التربية والتعليم بعد 1994، عبر إنشاء ما عُرف بـ "المعاهد العلمية"، التي انتشرت بسرعة مذهلة في أنحاء البلاد بتمويل سخي ودعم سلطوي مباشر. وقد خرج من هذه المعاهد عشرات الآلاف ممّن تلقوا تعليماً دينياً إيديولوجياً متشدداً، تحوّل بعضهم لاحقاً إلى وقود للعنف، وضحايا لفكر مغلق زرع بذور التطرف في الأجيال اللاحقة، وأسهم في تفكيك الوعي الوطني والإنساني على السواء.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية