تونس: رئيس الحكومة الجديد مستقل فعلاً أم واجهة لحركة النهضة الإخوانية؟‎

تونس

تونس: رئيس الحكومة الجديد مستقل فعلاً أم واجهة لحركة النهضة الإخوانية؟‎

مشاهدة

18/11/2019

بعد ماراثون من المشاورات، رشّحت حركة النّهضة الإسلامية التونسية كاتب الدولة للزراعة السابق، الحبيب الجملي لمنصب رئيس الحكومة الجديد، الأمر الذي أثار انتقادات كثير من المراقبين والمحللين الذين شككوا في استقلاليته، واعتبروا ترشيحه "واجهة لحركة النهضة ومشاريعها"، سيما أنّ الجملي شغل مهامه في إطار حكومتي "النهضة" اللتين ترأسهما كلٌّ من حمادي الجبالي وعلي لعريّض (2011-2014).
وسيخلف الجملي (60 عاماً)، الذي أكّدت حركة النّهضة أنّه "شخصية مستقلّة"، الرئيس الحالي يوسف الشاهد في غضون 60 يوماً، برغم كلّ المآخذ التي أبدتها الأحزاب السياسية حول مسألة استقلاليته، فيما يخشى التونسيون من أن يكون واجهة جديدة لمشاريع حركة النّهضة التي فازت برئاسة البرلمان، تحت يافطة الاستقلالية.

اقرأ أيضاً: الحبيب الجملي: تكنوقراط بلا انتماء سياسي يرأس حكومة تونس
مخاوف يبرّرها قرار مجلس شورى "النّهضة"، وهو أعلى سلطة داخل الحركة، باختيار مرشحٍ من داخلها لترؤس الحكومة، أو شخصية مقربة منها على أساس "الكفاءة والنزاهة والخبرة في مجال الإدارة".
وينص الدستور التونسي على أن يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الحزب الفائز بأغلبية الانتخابات التشريعية لتشكيل الحكومة الجديدة، في مدّة زمنية لا تتجاوز الشھرین.
الحبيب الجملي مرشح حركة النهضة لرئاسة حكومة تونس

"نهضاوي" متخفّ؟
وبالرغم من أنّه لم يُعرف عن الجملي أيّ نشاطٍ سياسي تابعٍ لنظام بن علي، الذي أطاحت به ثورة 14 كانون الثاني (يناير) 2011 ولا أيّ نشاطٍ معارض له، كما لم يبرز في أيّ عملٍ سياسي بعد الثورة، خاصّة أنّه يقدم نفسه في سيرته الذاتية على أنّه "ليس له أي انتماءات سياسية"، فإنّ متابعين للشأن الحزبي يعتبرونه "مقرّباً" من حركة النّهضة التي عيّنته في حكوماتها المتعاقبة خلال السنوات الأولى التي أعقبت الثورة أحد أعضائها، كما يرى المحلّل السياسي، باسل ترجمان.

التونسيون يخشون من أن يكون رئيس الحكومة المكلّف واجهة جديدة لمشاريع حركة النّهضة التي فازت برئاسة البرلمان

وقال ترجمان، في تصريحه لـ "حفريات": إنّه من غير المعقول أن يكون، الحبيب الجملي، مرشّح النّهضة لقيادة الحكومة والعضو فيها، مستقلاً عنها، مشيراً إلى أنّ الحركة هي من رشّحته في السابق لتولّي منصب كاتب الزراعة، حسب ما هو منشورٌ على صفحتها، وبالتالي هذه الحكومة "ستكون حكومة النّهضة وتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتوجهات من سيتحالف معها".
المحلل السياسي اعتبر أيضاً أنّ إصرار حركة النّهضة وتصريحاتها بخصوص استقلالية الجملي، "محاولة منها للتملّص من الفشل الذي تتوقّع أن تعيشه هذه الحكومة كغيرها من الحكومات التي سبقتها"، لافتاً إلى أنّ حركة النّهضة استطاعت السيطرة على البرلمان بعد انتخاب زعيمها راشد الغنّوشي رئيساً له بـ123 صوتاً، وعلى أعلى سلطة تنفيذية (رئاسة الحكومة).
وشدّد ترجمان على ضرورة أن تتحمّل الحركة هذه المرّة مسؤوليتها السياسية كاملة، وأن لا تتملّص من المسؤولية بتعلّاتٍ غير منطقية.

اقرأ أيضاً: تونس والغنوشي في انتظار صراع الدين والدولة
من جهتها، أكّدت حركة النهضة، في بيانٍ لها، على استقلالية شخصية الحبيب الجملي، وعلى كفاءته وخبرته الاقتصادية والمالية عامة وفي الشأن الفلاحي خاصةً.
حركة النهضة تشدد على أنّ الحبيب الجملي شخصية مستقلة

"خرج من عدم"
ومن بين الانتقادات التي رافقت اختيار الجملي لرئاسة الحكومة، أنّه لم يكن معروفاً لدى التونسيين، ولا في الأوساط السياسية، فضلاً عن تكوينه في مجال الزراعة الذي لا يؤهله لقيادة حكومة أمامها تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، إلى جانب وصفه بشخصية الظلّ ذات الأيادي المرتعشة التي لا تجيد إدارة الخلافات.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي، فيصل الشريف، في حديثه لـ "حفريات"، إنّ الرئيس المكلّف "خرج من عدمٍ"؛ لأنّه غير معروف لدى التونسيين، كما أنّه لم يسبق له أن ظهر إعلامياً، ولا حتّى حكومياً حين تقلّد منصباً وزارياً، ليتيح الفرصة إلى الشعب لمعرفته، ومعرفة توجّهاته وأفكاره.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
وأبدى الشريف تخوّفه من أن تتحكّم به حركة النّهضة التي رشّحته لهذا المنصب، دون التشاور مع باقي الأحزاب المكوّنة للمشهد السياسي، والتي انتخبها الشعب التونسي لتمثيله في البرلمان، وهو ما يرجّح أن يبقى الجملي تحت طائلة تجاذبات النهضة وخصومها.
وأكّد عددٌ من قيادات حزب التيار الديمقراطي، الثالث في ترتيب البرلمان، وحزب حركة الشعب الذي حلّ رابعاً، في تصريحات مختلفة لـ"حفريات"، أنّهم لم يتخذوا موقفاً بعد من إمكانية المشاركة في حكومةٍ يرأسها الحبيب الجملي من عدمها، في وقتٍ ذكرت فيه مصادر خاصّة أنّ الحزبين لديهما مؤاخذات حول انتماء الجملي أو قربه من حركة النّهضة.
وقال الجملي مباشرةً بعد حصوله على رسالة التكليف التي سلّمها إيّاه رئيس الدولة قيس سعيّد، إنّه مستقل ولا ينتمي إلى أيّ حزب، قائلاً ''أنا مستقلٌ دون أدنى شكٍ، ليس فقط عن النهضة بل عن جميع الأحزاب السياسية، لم ولن أنتمي لأي حزب والمقربون مني يعرفون ذلك''.

باسل ترجمان: من غير المعقول أن يكون الحبيب الجملي مرشّح النّهضة لقيادة الحكومة والعضو فيها مستقلاً عنها

وعن اقتراحه من قبل النهضة بخطة كاتب دولة للفلاحة خلال فترة الترويكا قال: إنّ ذلك تم على أساس أنّه شخصيةً مستقلة ذات كفاءة.
وشدّد الجملي على أنّ "الحكومة المقبلة ستُشكّل على أساس الكفاءة والنزاهة مهما كانت الانتماءات السياسية"، مؤكداً أنّه سيسعى إلى إيجاد برنامج عمل مشترك من دون التحفظ على أي حزب، كما أنّه يعوّل في هذا الصدد على مساهمات المنظمات الوطنية وهيئات المجتمع المدني واقتراحات بقية الأحزاب الأخرى.
هذا ونقلت مصادر مقرّبة من "النّهضة" أنّ مجلس الشورى اختار بعد تصويتٍ سرّي، الحبيب الجملي، من بين عشرة مرشحين، جرى اقتراحهم من أبناء وأصدقاء الحركة لتولّي مهمة تشكيل الحكومة الجديدة.
رئيس تونس يكلّف مرشح حركة النهضة بتشكيل حكومة جديدة

هل تلتقي الخطوط المتوازية مرّة أخرى في تونس؟
ويذهب محللو الشأن التونسي إلى أنّ منح الثقة لحكومة الجملي يبقى مرتبطاً بتصويت نواب حزب "قلب تونس"، مثلما حصل لدى انتخاب زعيم "النهضة" راشد الغنوشي رئيساً للبرلمان بـ 123 صوتاً، ثلثها تقريباً من ذلك الحزب الذي يتزعمه نبيل القروي (38 نائباً).

إبراهيم الرفاعي: الحكومة الجديدة قد تواجه صعوبةً كبيرةً في البرلمان وقد لا تحصل على ثقة النوّاب بسهولة

يأتي ذلك بعد إعلان حركة النهضة التونسية، عن موقفها الثابت، باستحالة التحالف مع هذا الحزب التقدّمي، انتصاراً لروح الثورة وقطيعةً مع الفساد، وفق ما روجت له في خطابٍ ثوري مفاجئ روجت له خلال حملتها الانتخابية.
وقد لا يتكرر ذلك في مسار تشكيل الحكومة الذي يراه البعض مختلفاً عن المسار التشريعي، خصوصاً أن تصويت "قلب تونس" للغنوشي قوبل بانتقاد كبيرٍ من أنصاره وناخبيه ودفع أحد مؤسّسيه، عبد العزيز بلخوجة، إلى الاستقالة.
كما تسبّب ذلك في موجة غضب كبيرة واجهتها "النهضة" من قبل أنصارها وقواعدها؛ لأنّها خذلتهم حسب تدويناتٍ انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، حتّى أنّ بعضهم اتّهمها بالانتهازية، وبازدواجية الخطاب، وتغليب مصالحها السياسية، وعدم استعدادها للتخلّي عن الحكم تحت أيّ ظرفٍ.
من جانبه، يتوقع المختص في العلوم السياسية، إبراهيم الرفاعي، أن تواجه الحكومة صعوبةً كبيرةً في البرلمان، وأن لا تحصل على ثقة النوّاب بسهولةٍ، نظراً لتركيبته الفسيفسائية، واختلاف أفكار ورؤى الكتل المكوّنة له.
وقال الرفاعي لـ"حفريات"، إنّ الرئيس المكلّف تقني، وله خبرةٌ في العمل الإداري، غير أنّه قريبٌ من حركة النّهضة التي رشّحته لهذا المنصب، في إطار القانون الذي يخوّل لها ذلك كصاحبة أغلبيةٍ في البرلمان، مشدّداً على أنّ التجاذبات السياسية ستعقّد عملية مرور حكومته بسلاسة.
جديرٌ بالذكر أنّ تعيينات رئاسة الحكومة في تونس منذ عام 2015 كانت تتم في صفوف مهندسين مختصين في الزراعة، بدءًا برئيس الحكومة الحبيب الصيد (تقلد المنصب من كانون الثاني 2015 إلى آب2016) مهندس زراعي، وكذلك يوسف الشاهد (آب 2016 حتى الآن) أستاذ جامعي في الزراعة.

الصفحة الرئيسية