تصريحات ماكرون تخيف مسلمي فرنسا.. لماذا؟

فرنسا

تصريحات ماكرون تخيف مسلمي فرنسا.. لماذا؟


23/10/2019

منذ مقتل أربعة من رجال الأمن داخل مركز رئيس للشرطة في العاصمة الفرنسية، باريس، يوم الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، على يد زميل لهم، بطعنات سكين، أكدت المعطيات من الدوائر الأمنية أنّ لديه ميولاً متطرفة، جراء احتكاكه بأوساط المتطرفين الدينيين بين المسلمين الفرنسيين، والجدل لا يتوقف في فرنسا حول الإستراتيجية التي تنهجها حكومة الرئيس الفرنسي، مانويل ماكرون، في محاربة الإرهاب، وما إن كانت تلك الإستراتيجية ستؤدي إلى نتائج معاكسة، من شأنها أن تعرّض المجتمع الفرنسي لمزيد من الانقسام.

أتاح الحادث الإرهابي الأخير دخول اليمين المتطرف على الخطّ لانتقاد الحكومة الفرنسية واتهامها بافتقارها إستراتيجية فاعلة لمحاربة ظاهرة الإرهاب

بعد ثلاثة أيام على ذلك الحادث الإجرامي، ترأس ماكرون حفل تأبين الضحايا الأربعة أمام حشد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين والسياسيين وعائلات الضحايا، ألقى فيه كلمة شديدة اللهجة، أعلن فيها عزم حكومته على ملاحقة المتطرفين ومحاربة التطرف الديني، وألقى باللائمة على ما أطلق عليه "الإسلام المنحرف"، الذي تعكسه خطابات الجماعات المتطرفة والتكفيرية، لكنّ التعبير سرعان ما انتقل إلى دائرة النقاش في وسائل الإعلام؛ حيث تمّ طرح التساؤل عما يعنيه الرئيس الفرنسي بذلك التعبير، في مجتمع متعدّد الأعراق والديانات، يضمّ أزيد من 5 ملايين مسلم.

لعلّ طبيعة الجريمة التي حصلت وظروفها ومنفّذها هي التي أثرت في توجيه هذا النقاش، ذلك أنّ الشرطي، منفّذ الجريمة، الذي يدعى ميخائيل هاربون، ينتمي إلى دائرة الأمن الفرنسي منذ عام 2003، بل إلى الخلية الأمنية التي تشتغل في مجال مكافحة التطرف، والتعرّف إلى صفحات المتطرفين المفترضين، وتلك المرة الأولى التي ينفذ فيها رجل أمني من هذا المستوى عملية إرهابية في البلاد، وقد طرح ذلك أسئلة عدة حول أهليّة تلك الخلية في محاربة التطرف ورصد المتطرفين، طالما أنّها عجزت عن التقاط الميول المتطرفة لدى عنصر من عناصرها، وحول السياسة الأمنية لحكومة ماكرون تجاه ظاهرة الإرهاب الإسلامي، والثغرات الأمنية التي سمحت بمثل هذا الاختراق.

الجدل لا يتوقف في فرنسا حول الإستراتيجية التي تنهجها حكومة الرئيس الفرنسي، مانويل ماكرون، في محاربة الإرهاب
أتاح هذا الحادث دخول اليمين المتطرف على الخطّ، لانتقاد الحكومة الفرنسية واتهامها بافتقارها إلى إستراتيجية فاعلة ومنسجمة لمحاربة ظاهرة الإرهاب، واتهمت مارين لوبين، رئيس حزب الجبهة الشعبية اليميني المتشدّد تجاه المهاجرين والمسلمين، مانويل ماكرون، بالعشوائية، كما اتهمت الأجهزة الأمنية بعدم التدقيق في هويات العاملين في مجال مكافحة التطرف والإرهاب؛ إذ إنّها لجأت في أعقاب الأحداث الإرهابية التي ضربت البلاد، عام 2016، إلى توظيف عدد كبير من الأمنيين، وإلحاق عدد آخر من دوائر أمنية مختلفة بخلايا مكافحة الإرهاب، دون اعتماد معايير محددة وفي غياب أيّة خطة واضحة.

اقرأ أيضاً: حزب معارض في فرنسا يدعو ماكرون لتصنيف الإخوان "جماعة إرهابية"
ويرى عدد من المراقبين؛ أنّ ذلك الحادث منح اليمين المتطرف فرصة جديدة للانقضاض على الحكومة الفرنسية، بدعوى الفشل في تدبير ملف الإسلام والهجرة فوق التراب الفرنسي، فطوال العقود القليلة الماضية، خاصّة منذ بروز ظاهرة التطرف الإسلامي، دأب اليمين المتشدّد على الربط بين الإرهاب والمسلمين، وخلق نوع من التلازم بين الهجرة والتطرف، واستفاد من معطيَين أساسيَّين لعبا لصالحه في الفترات الأخيرة؛ الأول: يتعلق بأعداد الفرنسيين المسلمين الذين التحقوا بتنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق، خلال الأعوام الأربع الماضية، وحجم العائدين من ميادين القتال. والثاني: يتعلق بالعمليات الإرهابية التي حصلت في الأعوام الأخيرة في باريس ونيس، وهزّت الرأي العام الفرنسي.
ويميل البعض إلى القول إنّ ماكرون، في تصريحاته الأخيرة حول "الإسلام المنحرف"، وتعمّده استخدام نوع من الخلط بين المتطرفين والمسلمين الفرنسيين، يريد الاقتراب من خطاب اليمين المتطرف، لملء ساحته وسحب البساط من تحت قدميه، ربما في نوع من المزايدة السياسية أو السعي إلى استقطاب ناخبيه في الانتخابات المقبلة، في ظلّ مناخ من التقاطب السياسي، بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف.

ماكرون في تصريحاته الأخيرة حول الإسلام يريد الاقتراب من خطاب اليمين المتطرف لملء ساحته وسحب البساط من تحت قدميه

وبسبب ما أثارته تصريحات الرئيس الفرنسي والانطباع السلبي الذي تركته لدى البعض ويمكن استغلاله من رافضي التعايش مع المسلمين والمهاجرين، بادرت تسعون شخصية فرنسية، بينهم سياسيون ومثقفون وفنانون فرنسيون ومن أصول إفريقية وعربية، إلى توجيه نداء إلى ماكرون عبر صفحات يومية "لوموند" تدعوه إلى ضرورة التمييز بين "الإسلام والإرهاب"، وتعلن رفضها أن يتعرض "مواطنونا المسلمون للقدح والتمييز والإدانة فقط لمجرد أنّهم يمارسون ديانتهم". وجاءت تلك الرسالة بالتزامن مع طرح موضوع الحجاب للنقاش داخل فرنسا، وعقب اعتداء تعرضت له مواطنة تحمل الحجاب من طرف عضو برلماني من اليمين المتطرف طلب منها نزع حجابها باسم "المبادئ الجمهورية والعلمانية"، خلال مرافقتها لعدد من التلاميذ.

دعا ماكرون مؤخراً إلى عدم "وصم" المسلمين بأي صفة سلبية بسبب انتمائهم الديني
وفي خضم الجدل الذي بات يهدد المجتمع الفرنسي بالانقسام على أساس شبه طائفي أو إيديولوجي، بادر الرئيس الفرنسي إلى التقاط الإشارات، حيث دعا مؤخراً إلى عدم "وصم" المسلمين بأي صفة سلبية بسبب انتمائهم الديني، وحث على عدم الخلط بين "الإسلام والإرهاب"، في محاولة منه لنزع فتيل التوتر، في الوقت الذي يعود فيه ملف الحجاب إلى واجهة النقاش العمومي، الأمر الذي من شأنه أن يشجع حالة الاستقطاب التي تحصل في الأوساط السياسية على خلفية مناقشة القضايا التي تتعلق بأوضاع المسلمين في البلد.

الصفحة الرئيسية