تركيا بلد منقسم رغم مظاهره كدولة مركزية قوية

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
10641
عدد القراءات

2018-04-17

هل تركيا أوروبية أم آسيوية؟ لماذا سقطت الدولة العثمانية؟ ما مكانُ الدين في تركيا؟ كيف يندرج حزب العدالة والتنمية في مجتمع تركي يعيش تحولات عميقة؟ أين وصلت مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟ تسعى دوروثيه شميد إلى الإجابة على هذه الأسئلة المختلفة، ولأن ترسمَ لنا بانوراما عن التاريخ التركي والثقافة والمجتمع والسياسة والجغرافيا السياسية في الوقت الحالي.

دوروثيه شميد متخصّصة في قضايا البحر المتوسط. وهي تترأّس برنامج "تركيا / الشرق الأوسط" التابع للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri). في عام 2011 ترأست كتاب "تركيا في الشرق الأوسط، عودة قوّة إقليمية؟"، وهو الكتاب الذي نُشر ضمن إصدارات المركز الوطني (الفرنسي) للبحث العلمي CNRS.

في هذا الكتاب الجديد الذي نشر في شباط (فبراير) العام 2017 عن دار نشر "Tallandier Editions"، تجيب دوروثيه شميد على 100 سؤال حول تركيا، بأسلوب شفاف ومكثف. ومن هنا، تُقدّم للقارئ مفاتيح أساسية لفهم هذا البلد المنقسم، على الرغم من مظاهره كدولة مركزية قوية.

دوروثيه شميد

الأناضول قبل الأتراك

في البداية تقول دوروثيه شميد إنّ "تركيا، من خلال تاريخها، وثقافتها وديموغرافيتها، أوروبيةٌ وآسيوية معاً، على مفترقِ طرقِ العديد من الحضارات. يقع إقليمها بنسبة 97 ٪ في آسيا و3 ٪ في أوروبا، ولكنّها من وجهات نظرٍ عديدة، أوروبية. ووفقاً للمؤلفة فإنّ النقاش حول ما إذا كانت تركيا أوروبية أم لا ليس سوى "تمرين سياسي".

الناتو يراقب ببعض القلق هذا التحالفَ الروسي التركي الجديد غير الرسمي، والذي كمّلته إيران مؤخراً

لأن الأناضول (97 ٪ من تركيا حالياً) قد استوطنها العديدُ من السكان من جميع الأصول، منذ العصر الحجري الحديث. الأكاديون، والآشوريون، والساعون، والحثيون، ثم الإغريق والفرس، والمقدونيون، والسلوقيون، والأرمن، والرومان، ثم الإغريق الرومانيون أو البيزنطيون، وأخيراً العرب، قبل الغزو النهائي للأتراك القادمين من الشرق الأقصى. كل هؤلاء تعاقبوا أو تعايشوا في الأناضول.

إمبراطورية السلالة العثمانية

الأتراك هم أصلُ "قبائل متناثرة من الصيادين-جامعي الثمار الذين كانوا يسكنون سهولَ شرق تركستان ومنغوليا منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، والذين بدأوا الهجرةَ إلى الغرب والجنوب، ابتداء من القرن الثاني، وانتشروا  لغاية روسيا الشرقية، وآسيا الصغرى والهند".

في بداية القرن الرابع عشر، اعتنقت عائلةُ عثمان، وهي من أصل تركماني، الإسلامَ في الأناضول. وبذلك كانت بدايةُ الإمبراطورية العثمانية. وفي غضون بضعة أجيال تم غزوُ الأناضول. وكان الاستيلاءُ على القسطنطينية في عام 1453 من قبل محمد الثاني "بدأ قيامُ سلطة الإمبراطورية، على جانِبَيْ القارّتَين". وقد رسم عهدُ سليمان الأوّل، أو سليمان القانوني (1494 - 1566) أوجَ السلالة العثمانية: لقد دفع الحدود إلى أوروبا الوسطى في الغرب، وإلى إيران في الشرق. وهكذا أخذت ثقافةُ القصر المنمّقة التي حظِيت بالإعجاب في جميع أنحاء أوروبا، تنمو تدريجياً. لكنّ الإمبراطورية ما لبثت عند وفاة سليمان القانوني، أن تدهورت تدريجياً. لقد استُنفِدت ديناميكيةُ الفتح وأُنهِكت، وواجهت السلطاتُ مشكلةَ تنظيم هذه الإمبراطورية الشاسعة. ولحقت أوّلُ هزيمة ببحرية العثمانيين ضد الأوروبيين في  عام 1571 في ليبانتو. وكانت الهزيمةُ نهايةَ الهيمنة على البحر الأبيض المتوسط ​​من قِبل الباب العالي. ثم في القرن التاسع عشر، أخفقت الإمبراطورية في تنفيذ الإصلاحات الضرورية لضمان بقائها. واندثرت الإمبراطورية في نهاية المطاف بعد الحرب العالمية الأولى.

انقلاب الشباب الأتراك على السلطان

وقد ساهم " الأتراكُ الشباب" في تعجيل نهايةِ الإمبراطورية، وهي حركةُ الإصلاح العثماني المعارِضة لانجراف السلطان المطلق، عبد الحميد الثاني، والتي استولت على السلطة في عام 1908. وبعد فترةٍ ليبرالية قصيرة، خلع الأتراكُ الشباب السلطان عبد الحميد الثاني، ثم استولوا على السلطة في عام 1913 وأنشأوا ديكتاتورية. ولكن بعد انضمامهم إلى ألمانيا في عام 1914 أدت الهزيمة العسكرية الألمانية إلى هزيمتهم هم أيضاً.

إثراء البرجوازية التركية على حساب الممتلكات الأرمينية

في عام 1915، نفّذت الإمبراطوريةُ العثمانية المحتضِرة مذابحَ واسعة النطاق ضد الأقليات الأرمينية والآشورية- الكلدانية. ووفقاً للمصادر قُدِّر عددُ القتلى بحوالي 1.5 مليون شخص. ومع ذلك، فإنّ الدولة التركية الحالية لا تعترف بهذه المجازر، متذرّعةً بأنها كانت "عملية دفاع شرعيّ عن البيروقراطية العثمانية، هدفُها تحييدُ أقليّةٍ مُتآمِرة مع العدوّ الروسي على الجبهة الشرقية". وترفض تركيا صفةَ "الإبادة الجماعية"، وتشير إلى أنّ جريمة الإبادة الجماعية لم تكن موجودة قانوناً في عام 1915. هذا الإنكارُ يشكل الآن أحدَ النزاعات الرئيسية بين تركيا والاتحاد الأوروبي. ويفسّر بعضُ المؤرخين الأتراك "استحالةَ الاعتراف بالإبادة الجماعية من خلال الآليات التأسيسية للجمهورية الكمالية؛ حيث أدّى الاستيلاءُ على الممتلكات الأرمنية إلى إثراء البرجوازية التركية الجديدة. هوسُ النّقاء الوطني حال دون أيّ تأمّلٍ رجعيٍّ حول الإمبراطورية المتعددة الثقافات".

ولادة الجمهورية

الحدودُ الحالية لتركيا ليست تلك المنصوص عليها في معاهدة سيفر (1920)، التي فكّكت الإمبراطورية العثمانية. لقد ضَيّقت هذه المعاهدةُ بشكلٍ كبير حدودَ تركيا؛ حيث قلّصت مساحتَها إلى 420 ألف كيلومتر مربع، في حين بلغت مساحةُ الإمبراطورية العثمانية في ذروتها أكثر من 5.2 مليون كيلومتر مربع. لقد قاد مصطفى كمال أتاتورك، مؤسّسُ تركيا الحديثة، "حرب التحرير" ضد الأوروبيين، مما أدى في عام 1923 إلى توقيع معاهدة لوزان التي أقامت الحدودَ الحالية لتركيا، والتي تُؤطر إقليماً تبلغ مساحته 783562 كيلومتر مربع.

بعد مرور 80 عاماً تقريباً على وفاة أتاتورك، ما تزال الكمالية تؤثر في السياسة التركية

كان مركزُ أتاتورك مركزياً في تاريخ تركيا. لقد أسس الجمهورية في عام 1923 "، التي ظل يجسّدُها مدى الحياة، بفضل عبادةِ شخصيته المتجدّدة بانتظام". لقد أعلن رمزياً القطيعةَ مع الإمبراطورية العثمانية عن طريق ترسيخ عاصمة الجمهورية الجديدة، أنقرة. لقد أصلح تركيا وأصبح زعيماً أبويّاً للشعب التركي. توفي في عام 1938 دون وريث.

صراع المدنيين والعسكريين

ومنذ ذلك الحين، أعاقت الصراعاتُ على السلطة ما بين المدنيّين والعسكريين إقامةَ الديمقراطية. فما بين عامي 1960 و 2016 حدثت 4 انقلابات عسكرية فعلية، وتحذير ومحاولة. وكان الانقلابُ الأخيرُ الفاشل في 15 تموز (يوليو) 2016 ، وأسفر عن مقتل 300 شخص، وعشراتِ الآلاف من الاعتقالات، وعملياتِ تطهير واسعة النطاق على جميع مستويات الدولة.

إرث أتاتورك يتحوّل إلى أيديولوجية الدولة

تتّسمُ السياسةُ في تركيا اليوم بعددٍ من النزعات الأساسية، أقدمُها وأهمُّها هي الكمالية. فبعد مرور 80 عاماً تقريباً على وفاة أتاتورك، ما تزال الكمالية تؤثر في السياسة التركية. ففي دستور عام 1937، سجّل مصطفى كمال ستّة مبادئ: الجمهورية، والقومية، والعلمانية، والشعبوية، والدولية (بمعنى الدولة)، والثورية (أو روح الإصلاح). وعلى الرغم من الانجراف الاستبدادي، واستبعاد الجماهير وقمْع الأقليات، يظل هذا التراث مركزياً في السياسة التركية. "ورثة كمال أتاتورك حوّلوا تفكيره تدريجياً إلى أيديولوجية دولة".

حبّ الوطن يبرّر كل شيء

من ناحية أخرى، من الواضح أنّ الأتراك قوميّون وطنيّون، منذ تأسيس الجمهورية. لقد قام كمال بتحقيق تجانس السكان (تطهير المسيحيين واستيعاب الأكراد). "حب الوطن يبرِّر كلّ شيء، من المظاهرة البسيطة إلى معاداة الأكراد أو مناهضة العلاهيين (أو العَلويين)، مروراً بتحريفية مسألة الحدود". إنّنا نشهد اليوم تشنجاً وطنياً جديداً منذ عام 2015، الذي يُقلق الأوروبيّين كثيراً.

هيمنة اليمين وضعف اليسار

وهناك حقيقة أخرى ذائعة، وهي أنّ المشهد السياسي مهيمَنٌ عليه من قِبل اليمين منذ عدّة عقود. الأحزاب المحافظة (بما فيها حزب العدالة والتنمية القوي والذي يرأسه أردوغان)، بل وحتى الحركات اليمينية المتطرفة (مثل "الذئاب الرمادية")، هي أحزابٌ ذات الأكثرية في الفضاء السياسي. أمّا اليسارُ فهو موجود، لكنّه ضعيف.

مظاهرات كردية في لبنان

تطرف مُوالٍ للأكراد

وهناك تطرف يساريّ يرتكب من حين لآخر هجمات ضد قوات الأمن. واليوم، اندمج اليسار البديل في حزب الشعب الديمقراطي، الحزب السياسي الموالي للأكراد، وهو حزب تقدميٌّ اجتماعياً، مما يؤكد ويعزز تحوّل القضية الاجتماعية في اتجاه القضية الكردية.

المعيار اللغوي هُوية الأتراك   

وتتناول دوروثيه شميد جوانب مختلفة من الحياة الثقافية التركية. أوّلاً، تمتلك الأناضول تراثاً أثرياً استثنائياً، حيث يشمل 10 آلاف سنة من الحضارة دون تدمير كبير.

الخطاب التقليدي الجديد يرفض الإنجازات النسوية الماضية، ويعيد المرأة إلى مهمّة الأم، مع دورها في حراسة القيم

من وجهة النظر اللغوية يتحدث اللغةَ التركية من الناحية النظرية 75 مليون شخص (من إجمالي عدد السكان وهم حوالي 80 مليوناً). وتنبثق اللغة التركية من عائلة اللغات الألطية. واللغةُ عنصرٌ مركزي في هُوية الأتراك، وخاصة أتباع حركة المذهب الداعي لوحدة شعوب تركيا سياسياً، الذين يعتمدون على المعيار اللغوي لتحديد إقليم "مجتمعهم الخيالي". ويجدّد حزبُ العدالة والتنمية هذا الفخرَ اللغوي، الذي يقع بالفعل في قلب السياسة الثقافية الكمالية.

مظاهرات كردية في ألمانيا

النموذج البطريركي ورفض الإنجازات النسوية

يعمل المجتمع التركي وفقاً لنموذجٍ بطريركي ملحوظ. في الوقت الحالي، أصبحت عودةُ التيار المحافظ أكثر وضوحاً، من خلال ارتداء الحجاب الذي أصبح واسعَ الانتشار، في حين كان العِلمانيون قد حظَرُوه في وقت أتاتورك. لقد قاد حزب العدالة والتنمية الكفاحَ من أجل الحجاب في مؤسسات الدولة والجامعات والشوارع. ويرافق هذه العودة للدين المحافظ، من ناحية "الخطاب التقليدي الجديد الذي يرفض الإنجازات النسوية الماضية، ويعيد المرأة إلى مهمّة الأم، مع دورها في حراسة القيم"، ثم من ناحية أخرى "عودةُ فحولةٍ عُدوانية شديدة في الفضاء العام، والتي كشفت عنها العديدُ من حالات الاغتصاب المروّعة التي أعقبها القتل، وفضائح متكررة للتحرش في وسائل النقل".

مجتمع منقسم

يظهرالمجتمع التركي كمجتمع مُنقسم بشكلٍ جذري بين "الأتراك البيض" و"الأتراك السود". يشير "الأتراك البيض" إلى "البورجوازية الحَضَرِيّة الغنيّة والغربية والعلمانية، وهي طبقةُ النخبة التي هي نتاجُ تاريخِ الكمالية، وتتركز في المقام الأوّل في غرب البلاد"، في مقابل "تركيا السوداء"، البلد الريفي؛ حيث السكانُ أقلّ تعليماً وأكثر دينيّة، وينتَمون إلى فئاتٍ مهنيّة أكثر تواضعاً: "المزارعون وصغارُ التجار والحرفيون". الطبقة الأولى تحتقر الثانية. لكنّ "الأتراك السود" هم الذين يستفيدون بشكل كبير من ااإنطلاقة الاقتصادية، وهي تزدهر اليوم.

الأتراك الرماديون

على مدى عشرين عاماً، لاحظ علماءُ الاجتماع ظهور "الأتراك الرماديين"، وهم السكان الهُجناء الذين وُلدوا من "الطبقات الوسطى والعليا الجديدة، القادمة من الريف لتستقرّ في المدينة".

رقابة إعلامية بلا حدود

وأخيراً، تُقدّم تركيا مشهداً إعلامياً خاضعاً للرقابة: فهي في المرتبة 151 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود. فالرقابة هناك سارية منذ القدم. ففي السنوات الأخيرة، وخاصة منذ تموز (يوليو) 2016 تدهور هذا المناخ أكثر فأكثر، حيث العديد من الصحفيين في السجون، فيما الشبكات الاجتماعية مراقَبَة ومسيطَرٌ عليها إلى حدّ كبير.

العلمانية تعني السيطرة على الدين

منذ تأسيس الجمهورية من قِبل أتاتورك، أدّت عمليةُ التطهير التدريجي بالمجتمع التركي إلى أن يصبح 99.5 ٪ مسلماً، بما في ذلك 10 إلى 20 ٪ من الشيعة. أمّا حركات الإسلام الأخرى، بما في ذلك العلاهيون Alevis فهي غيرُ معترَف بها رسمياً. الأقلياتُ غير المسلمة (خاصةً المسيحيين واليهود، رغم أنّ هذه المجتمعات قليلة العدد اليوم) فهي "تتمتّع رسمياً بوضعٍ قانونيّ استثنائي منذ معاهدة لوزان، لكنّها تتعرّض للتمييز في الواقع.

الأتراك البيض ينتمون إلى البورجوازية الحَضَرِيّة الغنيّة والغربية والعلمانية، وهي طبقةُ النخبة التي هي نتاجُ تاريخ الكمالية

ثم إنّ العِلمانية التي نادى بها بها أتاتورك "لا تعني الفصل، بل السيطرة على الدين من قبل الدولة". وعلاوة على ذلك  فقد دَمجت "الكمالية العنصر الإثني والسنّي في تعريف الهُوية الوطنية التركية، لدرجة أنّ الدين ما انفك يعمل كعامل للتعبئة". ومنذ تولّيه السلطة ضاعف حزب العدالة والتنمية بعشرة مرات ميزانيةَ رئاسة الشؤون الدينية.

تأثير الأخوِيات وجماعة فتح الله غولن

لطالما تأثر الدينُ الإسلامي في تركيا بالأخَوِيّة. أهمُّ الأخَوِيات جماعةُ فتح الله غولن الذي نجح في التسلل إلى الدولة على أعلى المستويات. في الأصل كان حليفاً لأردوغان، واليوم يَعتبِره هذا الأخير "متآمِراً ميكيافيلياً يسعى لهزيمة الديمقراطية التركية". لقد توزّعت شبكتُه من المدارس ضمن المنظمة غير الحكومية Hizmet ("الخدمة") في جميع أنحاء العالم لنشر اللغة التركية وإسلام الأخوية المؤسِّسة، متشبّثة بالقومية التركية. ومنذ عام 1999 يدير غولن شبكته من بنسلفانيا حيث يقيم في منفاه.

علاقات دولية متوترة

خُصِّص الجزءان الأخيران من الكتاب لعلاقات تركيا الدولية، أوّلاً من وجهة نظر جيوسياسية إقليمية وعالمية، ثم بشكل أكثر تحديداً حول علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.

تتمتّع تركيا بعلاقاتٍ ساخنة مع جيرانها منذ عدة عقود. وقد حاولت سياسةُ أحمد داود أوغلو "صفر مشكلة" مع الجيران" منذ نهاية عام 2000 إلى عام 2016 تهدئةَ هذه التوترات.

فمع اليونان أولاً لِتركيا علاقاتٌ جدّ معقّدة. الدولة التركية تستعيد الماضي اليوناني للأناضول. التبادلات بين السكان في أوائل القرن العشرين والمذابح ضد اليهود أدّت إلى إراقة الدماء بين الدولتين. ثم تصادمت اليونان وتركيا في سباقِ التسلح داخل حلف الناتو. ولا يزال هناك نزاعات بين البلدين: احتلالُ تركيا لشمال قبرص، وترسيم المياه الإقليمية لكلّ من الدولتين في بحر إيجة. وقضيةُ قبرص تحديداً، وهي الجزيرة التي يحتل الأتراك الجزء الشمالي منها منذ عام 1974 (والتي كانت في السابق مُلكا عثمانياً، قبل أن تسقط في حضن الإمبراطورية البريطانية)، قضيّةٌ معقّدة الآن بعد اكتشاف احتياطيات غاز هامة في المياه الإقليمية للجزيرة. والواقع أنّ الملف القبرصي هذا يعزِل تركيا اليوم على الساحة الدولية.

العلمانية التي نادى بها بها أتاتورك لا تعني الفصل، بل السيطرة على الدين من قبل الدولة

من ناحية أخرى، لا تزال الحدود بين أرمينيا وتركيا مغلقة بسبب نزاع ناغورنو كاراباخ. لقد خفّفت المفاوضات من توتر العلاقات، لكن في العامين الماضيين تدهور الوضع أكثر في القوقاز، مما سيؤدي إلى تأخير الموعد النهائي لفتح الحدود.

ولا تزال الحدودُ بين أرمينيا وتركيا مغلقةً بسبب نزاع ناغورنو كاراباخ. لقد خفّفت المفاوضات توتر العلاقات، لكن في العامين الماضيين تدهور الوضع أكثر في القوقاز، وهو ما أدّى إلى تأخير الموعد النهائي لفتح الحدود.

أحمد داود أوغلو

سياسةُ أحمد داود أوغلو، القريب من أردوغان، والذي كان أوّلاً وزيراً للخارجية ثم رئيساً للوزراء، أتاحت لتركيا بأن تصبح قوّة على الساحة الدولية. "إنه يحاول أن يجعل من تركيا لاعباً مركزياً في جميع القضايا المتعددة الأطراف، في الأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، وصندوق النقد الدولي. ومع الاتحاد الأوروبي تحديداً شنّ أوغلو مواجهة غير معلنَة، دفاعاً عن فكرة أنّ الحلف لا يلعب لعبةً صريحة مع شريكه المسلم". لكنه فَقَدَ حُظوتَه في النهاية، وأقيل من منصبه في أيار (مايو) 2016.

الصراع مع سوريا

لم تستفد سوريا بالكامل من سياسة داود أوغلو. لقد كانت العلاقاتُ بين تركيا وسورية سيّئة لعقودٍ، بسبب ثلاثة خلافات: اقتسامُ مياه نهر الفرات، ودعمُ الرئيس الراحل حافظ الأسد لحزب العُمّال الكردستاني في التسعينيات، ومسألةُ هاتاي/ لواء اسكندرون الذي لا يزال ضمُّه من قِبل تركيا غيرَ مُعترفٍ به من قبل سوريا. فمنذ بداية الصراع في سوريا اتخذت تركيا موقفاً قوياً ضد بشار الأسد. "فتحت تركيا حدودَها أمام المدنيّين السوريين الفارّين من القتال، إذ تؤوي قرابةَ ثلاثة ملايين لاجئ حتى الآن. وبِدعمِها العلني للجيش السوري الحر يُشتبَه أيضاً في توفيرها الأسلحة لجماعاتٍ جهادية مختلفة ذات فعالية عسكرية أكبر، والتي تشترك في قَرابةٍ أيديولوجية مع حزب العدالة والتنمية".

بعد تقاربه أكثر فأكثر مع الروس وهو لا يزال عمودًا إقليميًا لحل أولويّاته حيث أن إسقاطُ بشار الأسد لم يعد على رأسها

إسقاطُ الأسد لم يعد من أولويات تركيا

وفي صيف عام 2015 انضمّت تركيا إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش، بسبب عدّة هجمات على أراضيها. ولمواجهة استيلاء الأكراد على مناطق مهمّة في سوريا، أطلقت السلطات التركية عملية "درع الفرات" في آب (أغسطس) 2016. "والآن وبعد تقاربه أكثر فأكثر مع الروس، وهو لا يزال عمودًا إقليميًا لحلف الناتو، يقوم طيب أردوغان بمراجعة أولويّاته: إسقاطُ بشار الأسد لم يعد على رأس أجندته".

الأتراك حلفاء أمريكا

ظلّ الأتراكُ حلفاءَ الأمريكيين منذ انضمامهم إلى حلف الناتو في عام 1952. لقد استفادوا من خطة مارشال وكانوا سدّاً منيعاً ضد تقدّم الشيوعية نحو الجنوب. لكنّ العلاقة بين طيب أردوغان وباراك أوباما تدهورت في السنوات الأخيرة. وعلاوة على ذلك فإنّ الشعب التركي معادٍ لأمريكا بشكل علني، ولجوءُ فتح الله غولن إلى الولايات المتحدة كثيراً ما يتم شجبه بشكل منتظم في الخطاب السياسي التركي. وأخيراً فإنّ دور تركيا في حلف الناتو أصبح موضوعَ نزاع اليوم، في ظروف الأزمة السورية التي تضع تركيا في خط المواجهة. وعلى هذا النحو ستستفيد تركيا من مساعدة المنظمة (الناتو) إذا لزم الأمر، لكنّ تقاربها الحساس مع موسكو في صيف عام 2016 يقود أعضاء الناتو إلى التساؤل عما إذا كان لا يزال لتركيا مكاناً في داخلها.

التحالف مع روسيا وقلق الناتو

يندرج التقارب مع روسيا في سياق ماضٍ من المنافسات الروسية التركية الممتدة عبر عدة قرون. كانت روسيا القيصرية والإمبراطورية العثمانية في حالة حربٍ منتظمة منذ القرن السادس عشر. وقد شكلت الطموحاتُ الإقليمية لكلّ منهما، واختلافاتهما الدينية، اِسمَنْت الصراعات. رسوُّ الجمهورية التركية في الغرب عام 1952 رسّخ هذه المعارضة. ومع ذلك فإنّ علاقاتهما التجارية مهمّة الآن، ومنذ صيف عام 2016 تحسّنت العلاقات الدبلوماسية. ولكنّ "الناتو يراقب ببعض القلق هذا التحالفَ الروسي التركي الجديد غير الرسمي، والذي كمّلته إيران مؤخراً".

ظل الأتراكُ حلفاءَ الأمريكيين منذ انضمامهم إلى حلف الناتو

الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أصبح قضية سياسية 

مسألةُ انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي جدّ معقّدة. تركيا عضوٌ مؤسِّسٌ في مجلس أوروبا. منذ عام 1963، وقّعت مع الجماعة الاقتصادية الأوروبية على "اتفاق الشراكة" " الذي ينص، فيما وراء هدف الاتحاد الجمركي (الذي أنجز في عام 1996)، على احتمالِ الانضمام الكامل. "بدأت مفاوضاتُ الانضمام الفعلية في عام 2005 وهي تتعثر منذ عام 2006." في الاتحاد الأوروبي أصبحت القضية سياسيةً مع خطابِ معاداة الإسلام الذي يغذي رفضَ اندماجِ تركيا في الاتحاد الأوروبي. وكما تشير إليه دوروثي شميد "يبدو أنّ لا أحد يؤمن الآن بالعضوية، ولكنْ لا أحد يجرؤ على المخاطرة بقطع المفاوضات القائمة".

عن lesclesdumoyenorien

//0x87h

اقرأ المزيد...

الوسوم: