تديّن بلا ضجيج .. الصمت والتأمل الروحي

تديّن بلا ضجيج .. الصمت والتأمل الروحي

مشاهدة

29/01/2018

رغم أنّ الدين في جوهره يدعو إلى السكينة والسلام، إلّا أنّ من يعظون به، ربّما هم الأكثر صخباً، حين يتحدثون عنه، سواء بصوت جهير، أو عبر استخدام كلمات قاطعة حادة لها وقع شديد على الآذان، تتقلّب بين وعد ووعيد، مع أنّ الأول، على الأقل، يحتاج إلى الهدوء. ويزداد الأمر سوءاً في مجال توظيف الأديان في القتل والتدمير والتوسع والاستغلال، فيحمل للكلام الديني صليلاً كالسيوف، وفرقعة كالرصاص، وهديراً كطلقات المدافع، يصير قصفاً مروّعاً.

ويعتقد هؤلاء الواعظون، أنّ ذروة البلاغة تتمثّل في الصراخ، المفعم بالطنين والرنين والرطانة والسجع، ويتوهّمون أنّ هزّ القلوب الظمأى يحتاج إلى هذا الصخب المدوّي، أو أنّ جذب الأتباع للجماعات والتنظيمات، التي توظّف الدين في تحصيل السلطة السياسية، يتطلّب صوتاً مرتفعاً يلفت انتباههم، ويشعرهم بأنّ من يناديهم قويّ الحجة، راسخ البيان، عظيم القوة، وأنّ نصره آتٍ لا محالة.

يعتقد الواعظون أنّ البلاغة تتمثّل بالصراخ والطنين والرنين والسجع ويتوهّمون أنّ هزّ القلوب يحتاج إلى هذا الصخب 

ولو أنّنا عرضنا صوت هؤلاء الخطباء على شاشة حاسوب، سنرى كيف أنّها تتحوّل إلى ذبذبات كثيفة، وخطوط ملونة تتراقص على الشاشة، تضيق وتتّسع، تنصع وتبهت، وتصنع، في النهاية، ما يجعلنا ندرك حجم التلوث السمعي الذي يجري، ونفهم أنّ "تيار الصمت المنساب تحت ألفاظنا، يمكّننا من تقطيع ما نسمع من كلام ذي معنى؛ لأنّ الفجوات الصامتة المتأصلة في هذه الأصوات، هي التي غالباً ما تجعل منها إشارات تواصل، بدلاً من جعلها ضوضاء، أو على الأقل، هذا ما يفترض حدوثه. فالصمت انقطاع وراحة، وتجديد وسبيل للتأمل، وهو حقاً وقفة خصبة"، كما يقول جورج بروشنيك، في كتابه المهم: "سعياً إلى الصمت والإصغاء لتحصيل المعنى في عالم الصخب".

وقد غدا العالم لا يتوقف عن الكلام، ولا يُقدّر الصمت، ويُصفّق دائماً لمن يتحدّث أكثر، ويصفه بالانفتاح والحضور، والاجتماعية، وسعة الأفق؛ بل أصبحت الانطوائية، والميل إلى السكوت، مرض يتنصّل منه البعض، وتنهال على صاحبه الأوصاف السوداء تارة، والساخرة تارة أخرى، من معقد ومغلق، ومحدود الفكر، وكئيب، وهناك من يعدّون تمرّد البشر نوعاً من رفض "صمت التاريخ".

وربما لم يقف المصرّون على الصراخ على "حكمة الإنصات"، التي ضمّتها تلك التجربة العميقة التي خاضها رجل أصيب بصمم لعدة أشهر، وعاد يحكي عن فوائد الصمت، قائلاً: "الصوت يفرض عليك حكاية، وهي دائماً حكاية الآخر، أما تجربة الصمت التي خضتها؛ فهي أشبه بكوني يقظاً في حلم أستطيع توجيهه". أو يقرؤون أي شيء عن "الأرامل الصامتات"؛ حيث تصمت كلّ امرأة من إحدى القبائل الأسترالية الأصلية، سنتين كاملتين حين يموت زوجها، وكذلك أمّه وحماته وبناته وأخواته، ويكون عليهنّ التواصل مع الموجودين حولهنّ بالإشارة، اعتقاداً منهنّ في أنّ هذا يساعد على التخلص من أرواح الأزواج الراحلين".

تصمت كلّ امرأة من إحدى القبائل الأسترالية سنتين حين يموت زوجها وكذلك أمّه وحماته وبناته وأخواته

إنّ المرء، إن سعى إلى إيجاد نقاط التقاء جوهرية بين الأديان، بعيداً عن مساحات التشابه والاختلاف، في العقائد وبعض الشرائع، فقد يجد الصمت أرضية مشتركة بينها، في مقابل الأرضية العرقية. وهنا، ينبغي أن نقدر جميعاً على اللحاق بقائمة الأسباب التي تجعل الصمت يستحضر ما هو مقدّس، كصلة قربى مع السلام والتأمل، ليصير الصمت طريقاً إلى الله، وانعكاساً لطبيعته.

وحين أدرك البعض هذه الحقيقة، عملوا إلى تخصيص أماكن معزولة هادئة، تُعرض باسم كلّ نظام عقيدي، ويوجد هناك أيضاً معتزل واحد لكلّ الأديان في فرجينيا، يعتكف به واعظون وكهنة ومرشدون، يوجّه كلّ منهم أتباع ديانته إلى ما يجلب له السكينة والسلام الداخلي، والبهجة والوحدة الروحية الموجودة في كلّ الأديان.

ففي كثير من الأديان والفلسفات، يأتي الصمت كنوع من العبادة؛ لأنّه يساعد في مقاومة شرور النفس، ويساهم في تعزيز التحلي بالصبر والسكينة، فالصمت باب من أبواب الحكمة، وهو ذلك الشيء الهيّن الليّن الذي لا يكلّف الجسد والنفس تعباً ولا نصباً، وهو عبادة من غير عناء، وزينة من غير حلي، وهيبة من غير سلطان، وحصن من غير حائط، وفيه ستر للعيوب وجلب للحسنات، وكفّ عن الإساءة لأحد. والصمت يمنح الإنسان فرصة للتفكير العميق، وقد يساعده في السيطرة على من أمامه بغير كلام، ويمكن أن يبعث رسالة إلى الآخرين بأنّهم واقعون تحت هجوم مستتر من قبل الصامت، وهو يولد الاحترام في المواقف الصعبة، وينال من أسلحة الغير وقت الشجار من غير كلفة ولا عناء.

اليوجا تقوم على تحرير النفس من ارتباطها بالمادة وتجعل الصمت جزءاً أصيلاً من تكوينها وجوهرها

وقد حدثنا القرآن الكريم عن الصمت، كنوع من الصيام على لسان مريم البتول، وذلك في الآية الكريمة:{فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}، ويطلب القرآن من المؤمنين ألّا ينخرطوا في ثرثرة ممقوتة:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، ويقول للمؤمن أيضاً: {أَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.

وهناك ما هو منسوب للرسول محمد، صلّى الله عليه وسلّم، في حديث يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"، وآخر يقول: "من صمت نجا"، وثالث يقول فيه: "يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرها؟ قلت: بلى قال: طول الصمت، وحسن الخلق فو الذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما"، ورابع يقول: "رحم الله امرئ تكلم فغنم، وسكت فسلم"، وخامس يقول: "إنّ أكثر خطايا ابن آدم في لسانه"، وسادس يقول: "مقام الرجل للصمت أفضل من عبادة ستين سنة"، وسابع يقول: "لا تتكلّم بكلام تعتذر منه غداً".

وقد تجلّى الصمت في صلاة المسلمين؛ في "الركعات السرية"، التي إن كان قد تمّ إرجاعها إلى أول عهد الإسلام؛ حيث كان المسلمون قلة، وكانوا يخشون الجهر بدينهم، فإنّ استمرارها بعد دخول أهل جزيرة العرب في الإسلام أفواجاً، يرسّخ الاعتراف بقيمة الصمت في العبادة، وحتى لو كان النطق فيه يتم همساً أو تمتمة، فإنّ الصلاة الخاشعة تتطلب صمتاً بين الآية وأختها، وبين التسبيح وأخيه، والصمت وسيلة عند المتصوفة الإسلاميين للتأمل الروحي العميق.

تجلّى الصمت في صلاة المسلمين في الركعات السرية التي قد تمّ إرجاعها إلى أول عهد الإسلام

وتعطي المسيحية الصمت مكانه في العبادة أيضاً؛ إذ يقول المزمور 131: "لقد هدأت وسكنت نفسي.. ترجي الرب من الآن وإلى الأبد". ويخبرنا الإصحاح الأول من سفر الملوك: إنّ الله سيتجلى ليس في عاصفة هوجاء أو في زلزال رهيب، بل يأتي بعد الطوفان والجائحة الكاسحة في صوت من الصمت رقيق. ولذا قال أحد الرهبان: "نأتي إلى الدير لنواجه أنفسنا مواجهة فطرية أصيلة، فالصمت هو من أجل أن تلتقي بنفسك، لذلك يسعى إليه الرهبان". ويقول رجل كاثوليكي ورع: "عندما أكون أحياناً صامتاً ووحيداً، ينتابني إحساس بوجود طبقات من هويتي تتقشر عني، وتفرّ إلى أن يبقى مني الجوهر فقط". لكن للأسف؛ إنّ أغلب الناس لا يريدون مواجهة أنفسهم، ولذا يحرصون على أن يبقوا الضجيج حولهم، ويفرون من الصمت.

وقام صوفي يهودي يدعى إسحاق لوريا، عاش في مصر خلال القرن السادس عشر، بسلسلة من الاعتزالات الانفرادية في بعض جزر النيل، واشتهر بأنّه قادر على تفسير لغة الطيور، وحفيف النخيل، ووميض الجمر المتوفد، وكان يرى فيها أسراراً كونية عميقة، وكان عليه أن يصمت طويلاً حتى يصغى بإمعان لهذه الأصوات ويفسرها.

وبعض الطقوس الروحانية تعلي من قيمة الصمت ومكانته. فاليوجا التي تقوم على تحرير النفس من ارتباطها بالمادة، وهي قاسم مشترك في بعض ديانات شرق آسيا، تجعل الصمت جزءاً أصيلاً من تكوينها وجوهرها؛ إذ تطلب ممن يؤديها أن يسكت صوت المتعدّد، الخارج من الجسد والنفس والغريزة والرغبة والفعل، حتى يتسنّى له أن يسمع صوت الواحد في داخله، وتقول للواحد منّا: "إذا استطعت إسكات كلّ شيء، فسوف تسمع من أعماق الصمت في داخلك صوت الواحد، عليك بالإصغاء إلى صوت الصمت".

ويمعن الكهنة البوذيون في الصمت، للوصول إلى "النيرفانا"، ويقيمون لهذا معتزلات صمت للوصول إلى هذا المستوى الروحي العميق، لا يضنيهم في هذا كلّ ما حولهم من ضجيج، وذات مرة شكا فيها راهب شاب إلى راهب عجوز من الضجيج الذي يقتحم الدير، فلا يمكنه من التأمل الصامت، فقال له: أيها المحترم، الضجة تقطع عليّ تأملي، لا أستطيع التفكر والتأمل، مع كلّ هذا الضجيج"، فأجابه: "الضجة لا تزعجك، بل أنت الذي تزعج الضجة".

الصفحة الرئيسية