تخريب تمثال "عين الفوارة" وعبثية التحجر الظلامي

الجزائر

تخريب تمثال "عين الفوارة" وعبثية التحجر الظلامي

مشاهدة

20/12/2017

أعاد تخريب تمثال "عين الفوارة" أول من أمس في مدينة سطيف الجزائرية على يد متطرف، الجدل حول دور التيارات الإرهابية في هدم التراث العالمي، والعقول الأصولية التي لم تتحرر من سياقات التحريم الدائم، والعقول المنحدرة من قرون الظلام والتحجر.
وأثار تخريب التمثال استنكاراً واسعاً وسط الجزائريين، لا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث كسّر ملتحٍ أجزاءً من تمثال المرأة الرخامية، على مستوى الوجه والصدر والأطراف السفلية، وهي ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها لهذا الأمر، إذ طالته محاولات أخرى في عام 1997و2006، رغم أنّه أحد أهم المعالم التاريخية لمدينة سطيف في شرق الجزائر؛ حيث يعود تاريخ بناء النافورة إلى عهد الاستعمار الفرنسي؛ إذ تمّ رفعه وسط المدينة العام 1899 بتوقيع من النحات الفرنسي "فرانسيس دو سانت فيدال"، وثُبّت في  قلب المدينة القديمة وسط ثلاثة معالم دينية؛ المسجد العتيق والمعبد اليهودي والكنيسة، وسط ساحة الاستقلال.
الأمن الجزائري ألقى القبض على مخرّب التمثال، الذي ظهر في فيديو تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي وأعلن أنه "مختلّ". أما من استنكروا الفعل فوصفوه بـ"صاحب عقل متحجر"، محمّلين الفتاوى المتشددة المسؤولية.

يعود تاريخ بناء النافورة إلى عهد الاستعمار الفرنسي؛ إذ تمّ رفعه وسط المدينة العام 1899 بتوقيع من النحات الفرنسي "فرانسيس دو سانت فيدال"

وفي هذا السياق، وجّه الشاعر الجزائري علي مغازي، وفق ما كتبه على صفحته عبر الفيسبوك، أصابع الاتهام إلى مشايخ أفتوا في وقت سابق بـ"عدم جواز ترك التمثال على حاله"، كما حمّل الفنان التشكيلي النحات محمد بوكرش، المسؤولين على قطاع الثقافة في الجزائر مسؤولية تخريب تمثال عين الفوارة، مشيراً إلى أنّ فعل التكسير "لا يخرج عن إطار (احتجاج) أو (غضب)، في ظل عدم قيام المؤسسات الثقافية بمهمتها بتثقيف المواطنين وبناء وعيهم المعرفي الثقافي بالفن التشكيلي".

فتنة التماثيل بمصر
إن التكلس السلوكي المتطرف، لم يكن وليد هذه الحادثة فحسب؛ بل إنّ بعض السلفيين غطوا التماثيل الفرعونية بالشمع، في مدينة الإسكندرية المصرية، وفي مدينة سوهاج حطموا رأس تمثال الزعيم المصري الراحل عبد الناصر، كما أحرقوا تمثال المخرج السينمائي محمد كريم، وحاولوا تحطيم تمثال الكاتبة عائشة عبدالرحمن المعروفة ببنت الشاطئ، وكل هذا جرى عقب ثورة 25 يناير عام 2011، مستندين لفتوى للشيخ السلفي يوسف البدري، تطالب بـ"هدم الآثار والتماثيل الموجودة في مصر".
وفي العام 2011 أيضاً نادى القيادي بتنظيم القاعدة، مرجان سالم الجوهري بتحطيم نصب أبي الهول والأهرامات والتماثيل، وأكّد أنّ "المسلمين مكلفون تطبيق تعاليم الشرع الحكيم، ومنها إزالة تلك الأصنام كما جرى في أفغانستان".

بعض السلفيين غطوا التماثيل الفرعونية بالشمع في مدينة الإسكندرية المصرية وفي مدينة سوهاج حطموا رأس تمثال الزعيم المصري الراحل عبد الناصر

في 3 من تشرين الأول (أكتوبر) العام 2017 أفتى الداعية الأزهري، الشيخ خالد الجندي، على فضائية مصرية، بـ"تحريم التماثيل المنحوتة، التي تثير الغرائز!"، في رده على الدكتور خالد منتصر، الذي نشر صوراً على حسابه لمنحوتة رخامية في إيطاليا.
وكان منتصر، نشر بصفحته منحوتة "اغتصاب بروزربينا"، وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من الرخام الإيطالي المنحوت من قبل الفنان الإيطالي جيان لورينزو برنيني، نُفذت بين عامي 1621 و1622، تصور اختطاف بروزربينا، من قبل بلوتو- إله العالم السفلي- في الإغريقية القديمة، عندما كان يحاول اغتصاب فتاة في ريعان شبابها.
الجندي قال إنّ نشر تلك التماثيل "إباحة للفاحشة" في المجتمع، الأمر الذي اعتبره منتصر، في تصريح نشرته صحيفة "اليوم السابع" المصرية، تحريضاً مباشراً من الشيخ لقتله؛ مبيناً أنّ من قتل فرج فودة ومن حاول اغتيال نجيب محفوظ "لم يقرأ لهما حرفاً واحداً".

تماثيل بوذا الأفغانية
وكان منتصر أشار إلى تماثيل بوذا التي تم تحطيمها في أفغانستان، وهي التي أثارت جدلاً كبيراً، وقت حكم طالبان، حين أعلن عبد الواحد، أحد قادة الحركة في المنطقة، عن نيته تدمير تماثيل بوذا العام 1997، وذلك قبل سيطرته على الوداي.
بعد سيطرة طالبان على وادي باميان العام 1998 دمرت الحركة رؤوس التماثيل بحجة أنها مخالفة للشريعة الإسلامية، وفي تموز (يوليو) العام 1999 أصدر الملا عمر مرسوماً لصالح الحِفاظ على تماثيل بوذا؛ لأن السكان البوذيين في أفغانستان لم يعودوا موجودين، وبذلك لم تعد تعبد التماثيل.
رغم دعوة الملا عمر للحفاظ على تماثيل بوذا، إلا أنه في عام 2001 أصدر أمراً آخر بمحو الآثار، وبدأت حركته التي كان يقودها قبل وفاته، حملة منظمة لتحطيم التماثيل الأثرية الموجودة في مقاطعات البلاد التي تسيطر عليها، ونقلت وسائل الإعلام تصريحاً صحافياً عن الملا قدرة الله جمال، وزير الثقافة والإعلام في طالبان قال فيه: "إن تحطيم التماثيل بدأ في مقاطعات كابل وباميان وهرات وقندهار وننجرهار وغزنة، وإنه سيتم تحطيم كل التماثيل في كافة أنحاء البلاد".

 

داعش والتماثيل
في 26  شباط (فبراير) العام 2016 نشر تنظيم داعش شريط فيديو خاصاً بمحو جزء ثمين من الإرث الحضاري في العراق، من خلال تدمير تماثيل متحف الموصل، وكان التوقيت في منتهى الرمزية؛ إذ إنّه كان في اليوم نفسه من العام 2001، حين أصدر زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر أمره الشهير بمحو كل الآثار غير الإسلامية في أفغانستان.
ونقلت مواقع التنظيم، في الشريط المصوّر تدمير الآثار القديمة في متحف مدينة الموصل؛ حيث ظهر عناصره وهم يهدمون تماثيل ضخمة باستخدام المطارق وأدوات الحفر، ومن بين ما دمروه تماثيل لآلهة تعود إلى حضارات بلاد الرافدين، وتمثال للثور الآشوري المجنح داخل المتحف، يعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وآخر منتصب في "بوابة نركال" الأثرية، بحجة أنها أصنام تعبد من دون الله.

طبّق داعش في سعيه لمحو الإرث الحضاري، فتاوى لسلفيين كثر، ومنهم؛ ياسر برهامي في مصر

لقد طبّق داعش في سعيه لمحو الإرث الحضاري، فتاوى لسلفيين كثر، ومنهم؛ ياسر برهامي في مصر، وتلك الفتوى التي نشرها موقع "إسلام ويب"، في التاسع عشر من آذار (مارس) العام 2001، بعنوان "وجوب إزالة الأصنام"، وهي الفتوى التي صدرت في نفس الوقت الذي أعلن فيه الملا عمر، زعيم طالبان دعوته لعناصره بمحو الآثار.
على هذا المنوال، أفتى القيادي في "الدعوة السلفية" في مصر مرجان الجوهري، الذي اعتقل فيما بعد، ومات بسجن العقرب، بهدم الأهرام وتحطيم أبو الهول، في مقابلة تلفزيونية عبر قناة "دريم"، موجودة باليوتيوب، باعتبار أن "كل صنم أو تمثال أو وثن يعبد أو يُخشى أن يعبد ولو من فرد واحد في العالم، يجب أن يحطم وهذا واجب على من يمتلك القرار''.

كما أفتى الداعية الكويتي ابراهيم الكندري بأن "إزالة الأصنام والأوثان ضرورة شرعية"، وإن "التعلل بأن الصحابة دخلوا مصر ولم يحطموا الأهرامات وأبا الهول لا يجوز؛ لأن التماثيل الفرعونية كانت مدفونة تحت الأرض ولم تخرج وتظهر إلا في القرون المتأخرة".
في فيديو داعش أثناء هدمه لآثار تدمر، قال أحد أفراد التنظيم "مادام أمر الله قد نفذ في تكسير هذه الأصنام، فيجب أن ندمرها، حتى لو تساوي بلايين الدولارات عند العالم.. هذه الأصنام لم تكن موجودة في عهد الرسول محمد، عليه السلام، لقد استخدمها الناس لعبادة الشيطان".

أفتى الداعية الكويتي ابراهيم الكندري بأن إزالة الأصنام والأوثان ضرورة شرعية

إن هذه الذهنية التكفيرية، التي لا تقبل الآخر، أخذت هذا الأمر بحدية غريبة؛ إذ إنّه في حديث لأبي دواد والنسائي، أنه كان لعائشة تمثال على شكل خيل مجنحة، وذلك ضمن تماثيل أخرى، تتسلى بها أحياناً، وعندما سألها الرسول "فرس له جناحان؟ قالت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك النبي".
وفي حديث آخر، أنّ النبي -عليه الصلاة-  وجد يوم الفتح في جوف الكعبة تمثالاً كبيراً مزوقاً لمريم العذراء، وفي حضنها عيسى، فمسح عليه بيديه الشريفتين، ونهى الصحابة عن تحطيمه، كما حطمت بقية الأصنام، وبقي داخل جوف الكعبة، إلى أن حطم زمن عبد الله بن الزبير.
ما تجب الإشارة إليه أنه في شهر آذار (مارس) العام 1904، كتب مفتي الديار المصرية آنذاك الإمام محمد عبده، باسمه المستعار "سائح بصير"، مقالاً في مجلة "المنار" التي كان يصدرها محمد رشيد رضا، عن زيارة قام بها لجزيرة صقلية، وقد جاء فيه: "لا تبخس أهل سيسليا (صقلية) حقهم، فإنّهم فهموا مسألة لا بأس بفهمها، وأظنهم عرفوا ذلك من إخوانهم أهل شمالي إيطاليا وبقية الأوروبيين، وهي المحافظة على الآثار القديمة والجديدة".

الآثار من القيم التاريخية والإنسانية التي ينبغي عدم مسها بسوء، وهي إرث إنساني يجب الحفاظ عليه

في السادس من آذار (مارس) العام 2015، قال الأزهر كلمته، بعد طول انتظار: "ما يقوم به تنظيم داعش الإرهابي من تدميرٍ وهدمٍ للآثار بالمناطق الخاضعة لنفوذه بالعراق وسوريا وليبيا بدعوى أنها أصنام، يعد جريمةً كبرى في حق العالم بأسره".
وأضاف الأزهر أنّ "تدمير التراث الحضاري أمر محرم شرعاً، ومرفوض جملة وتفصيلاً، وكذلك التعامل بالتهريب والبيع والشراء للآثار"، وأنّ "الآثار من القيم التاريخية والإنسانية التي ينبغي عدم مسها بسوء، وهي إرث إنساني يجب الحفاظ عليه، ولا يجوز الاقتراب منه أبداً".
لقد أبان حادث تشويه وتخريب التمثال الجزائري، عن عقل متطرف متكلّس، لا  تطمس في ذهنه الإنسانية، والضمير، والمعاني الجمالية.

الصفحة الرئيسية