تأطير التسامح ومأسسة التواصل بين الثقافات في ملتقيات الخليج

تأطير التسامح ومأسسة التواصل بين الثقافات في ملتقيات الخليج


19/05/2022

محمد برهومة

ما تزال مقولات التسامح والتعايش والاعتدال وقبول الآخر المختلِف بحاجة إلى مزيد من التأطير واجتراح مبادرات وسياسات دينية وتعليمية وإعلامية وفنية لتوطين هذه المفاهيم وترسيخها لدى الأجيال الصاعدة، وبناء قواسم مشتركة واسعة حولها، ونشرها بين شرائح متعددة، عمودياً وأفقياً. والحقيقة أننا ما نزال نشهد فراغاً في هذا الحقل، وتبدو أي مساعٍ منهجية بنّاءة لملئه في غاية الأهمية؛ في إطار سياسات مواجهة التطرف ومحاربة الإرهاب ودعم التنمية الإنسانية، وتكريس التواصل بين الثقافات والأمم والأديان.

هذه المقولات تحتاج من أجل تمكينها وترسيخها في المجال العمومي إلى جهودِ وقرارات وأفكار السياسيين والقيادات الدينية والتعليمية والنخب الإعلامية والفنية وغيرهم من رجالات الدولة ونسائها وشرائح المجتمع المختلفة، على مستوى الدولة الواحدة، وفي إطارٍ إقليمي ودولي أوسع.

من المواقف الإيجابية في هذا المضمار، مثلاً لا حصراً، التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي، جو بايدن، الذي استنكر بعبارات شديدة أصحاب نظرية تفوق العِرق الأبيض ومن يساعدون على نشرها؛ بعد مذبحة عنصرية راح ضحيتها عشرة أشخاص في الرابع عشر من مايو الجاري في بافالو في ولاية نيويورك. وقد تابعنا هذا الشهر أيضاً انطلاق مؤتمرين وملتقيَيْن في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية يدعوان إلى اعتبار الهُوية الدينية مشروطة بقيم الدولة الوطنية ومعاييرها، ويركزان على أنّ "أطروحة الصدام الحضاري الحتمي، ومحاولات تحقيق ميزة دينية وثقافية وسياسية واقتصادية دون احترام الحقوق أو الأخلاق، هي أشكال من التطرف والغطرسة وتجسيد للعنصرية مدفوعة بعقدة التفوق".

الهُوية الدينية والدولة الوطنية

في الملتقى الأول، شدد الشيخ عبدالله بن بيّه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، على أهمية التعاون والمحبة والتآزر بين الناس. وقال خلال كلمته في مؤتمر "الوحدة الإسلامية.. المفهوم، الفرص والتحديات"، الذي انعقد بأبوظبي في الثامن من مايو الجاري: "يجب تحديد وتوضيح مفاهيم مثل الوحدة الإسلامية أو الأمة الإسلامية؛ حيث تمّ استغلالهما لأغراض إجرامية تحاول الانتقاص من شرعية الدول الوطنية". وأكّد أن الهوية الدينية مشروطة بالدولة الوطنية، وأن الوحدة الإسلامية امتداد للوحدة الإنسانية، على خلاف الفكرة الرائجة سابقاً، والتي فحواها أن المسلمين أمة دون غيرهم، وأنَّهم أعلى ممن سواهم.


ويجادل بن بيه بأن الوحدة الإسلامية غير ممكنة «وغير مفيدة» خارج إطار الوحدة الإنسانية أو على الضد منها. فكلا الوصفين ينطلق من قيمة واحدة، من أراد هذه سيصل إلى تلك والعكس صحيح. أما دعاة الوحدة الإسلامية المنفصلة، فسينتهون إلى تشريع الانفصال المؤدي - في نهاية المطاف - إلى تفكيك مجتمع المسلمين نفسه. وقد تحدَّث العلامة بن بيه أيضاً عن «المشترك الإنساني» كوسيط رئيسي لنشر السلام والإيمان. وينبّه الباحث السعودي توفيق السيف إلى أن الذين دعوا في العقود الخمسة الأخيرة، إلى وحدة إسلامية منفصلة عن بقية خلق الله، تحولوا في النهاية إلى جماعات صغيرة ترتاب في الجميع حتى ضمن مجتمعها الصغير.

ويشير السيف، في جانب آخر، إلى أن المفاصلة وكراهة التواصل مع العالم لها جذور عميقة في التراث الديني، وتجسدت في قواعد عقيدية (الولاء والبراء)، وفي مسلمات عامة (مثل الاعتقاد بأنَّ الحق يعلو ولا يُعلى عليه، الذي يفسر بأنَّ المسلمين هم الأعلَون على أي حال)، ودعمتها مأثورات عرقية شهيرة عند العرب «مثل تفضيل جنس العرب، وبشكل مطلق، على بقية الأمم»، ثم لحقت بكل ذلك أحكام فقهية، أجمع عليها الفقهاء، نظير اعتبار ديَّة الكافر نصف ديَّة المسلم، والتمييز في عقوبة القتل بين الاثنين... ووصلت إلى حد تحريم بعضهم الترحم على الأم والأب والزوج، إن ماتوا على غير الإسلام، أو على مذهب مختلف. وقد وجدنا جدلاً حول ذلك هذا الشهر، عند مقتل الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، وقبل سنوات لدى وفاة الممثل الكويتي عبد الحسين عبد الرضا.

تغيير في رؤية العالم 

هي دعوةٌ، إذن، للتغيير في رؤية العالم، وهو تغيير بالتالي في رؤية الذات والآخر، حافزه تعزيز قيمة المواطنة المتساوية والدولة الوطنية، وتأكيد القيم الإنسانية المشتركة، ومأسسة مفهوم التسامح والتعايش. وهذه المأسسة تقتضي:

تجاوز مستوى من التسامح يتمّ فيه منحه ممن هو أعلى وأقوى إلى من هو أدنى وأضعف.

تأطير الهويات الدينية بقواعد وقوانين واعتبارات الدولة الوطنية الحديثة وحقوق الإنسان والأعراف والمواثيق الدولية.

إعادة النظر في الأحكام والرؤى التي وضعت على خلفية الميل للمفاصلة أو كانت تخدمه، وفي هذا الصدد ينوّه السيف إلى أن "المفاصلة واعتزال المخالفين ليسا من نوع العبادات التوقيفية، بل من المصالح المتغيرة بحسب الزمان والمكان، التي يصحُّ الاجتهاد في أصلها وفي تفصيلها، كي تستجيب لحاجات الزمان ومصالح أهله".

توسيع دائرة المشتركات

وفي الملتقى الثاني، الذي عقدته رابطة العالم الإسلامي في العاصمة السعودية (الرياض) في الثالث من مايو الجاري، تحت عنوان "القيم المشتركة بين أتباع الأديان" بحضور قيادات دينية إسلامية ومسيحية ويهودية وهندوسية، جرى بحث فرص إقامة شراكات عبر الثقافات بين الأديان، وكما أشرنا سابقاً، فقد قال القادة الدينيون في ختام الملتقى: "إن أطروحة الصدام الحضاري الحتمي، ومحاولات تحقيق ميزة دينية وثقافية وسياسية واقتصادية دون احترام الحقوق أو الأخلاق، هي أشكال من التطرف والغطرسة وتجسيد للعنصرية مدفوعة بعقدة التفوق". كما أكَّد الملتقى التعاون مع الجميع حول تعزيز المشترَكات الإنسانية من أجل عالم أكثر تعاوناً وسلاماً، ومجتمعاتٍ أكثر تعايشاً ووئاماً. وفي ضوء هذا التعاون تمَّ إيجاد المنظومة الدولية الحديثة تحت مظلة الأمم المتحدة، مشتملة على منظمات وهيئات وبرامج عالمية يلتقي حولها الجميع، ومن بينها منظمة الأمم المتحدة لتحالف الحضارات، والتي أسهمت فيها الدول الإسلامية من خلال علمائها ومفكريها بدورٍ فاعلٍ.


الاستنتاجات

مُلتقيا "الوحدة الإسلامية... المفهوم، الفرص والتحديات" في أبوظبي، و"القيم المشتركة بين أتباع الأديان" في الرياض قدّما فرصتين مهمّتين استهدفتا دعم النقاش العلمي والمنهجي الساعي إلى تأطير مفاهيم التسامح ودعم التواصل بين الثقافات، ومحاولة السير في مسار مأسسة هذه المفاهيم وضبطها في سياق الحقائق الجديدة لعالمنا، وأولوية التواصل والتعاون والتعاطف الإنساني على الانعزال والمفاصلة وخلق الحواجز بدلاً من بناء الجسور.

ومن المهم للقيادات السياسية والدينية وصُنّاع السياسات أن يُراهنوا كثيراً على دور المجتمعات الجوهري في تأسيس وترسيخ هذه المفاهيم. فعفوية غالبية الجمهور، داخل المنطقة العربية وخارجها، في الترحم على الصحفية شيرين أبو عاقلة كانت نقطةً مميزة للبناء عليها في سياق مساعي تمتين رابطة المواطنة المتساوية، وتعزيز المشترك الإنساني، وربط الهوية الدينية بمعايير الدولة الوطنية، وكل ذلك تجلَّى، على سبيل المثال، في صلاة المسلمين في القدس لأجلها، عقب أدائهم لصلاة الجمعة؛ حيث أدّوا صلاة الغائب على روحها أمام المستشفى الفرنسي في القدس، وهو سلوك تسامحي أصيل، يعكس روح المنطقة التي احتضنتْ الأديان والثقافات والحضارات والتنوّع على مدى قرون، ولعل هذا ما حاول ملتقيا أبوظبي والرياض التذكير به.

عن "مركز الإمارات للسياسات"

الصفحة الرئيسية