تأسيس "منتدى الإسلام في فرنسا": هل يتأثر النفوذ الإخواني؟

تأسيس "منتدى الإسلام في فرنسا": هل يتأثر النفوذ الإخواني؟

مشاهدة

25/01/2022

أُعلن رسمياً في فرنسا عن تأسيس "منتدى الإسلام في فرنسا" والذي من المفترض أن يعوض مؤسسة "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" الذي يشهد خلافات مستمرة داخله بعد 20 عاماً على تشكيله، وتستهدف هذه المبادرة الجديدة تمثيل الإسلام مؤسساً على فسح المجال لمسؤولين جدد، بما يشكل استكمالاً لاجتماعات عقدت على صعيد المقاطعات الفرنسية طيلة السنوات الأخيرة.

اقرأ أيضاً: اليونان وفرنسا توقعان خارطة للتعاون العسكري... ما علاقة تركيا؟

جاء ذلك بناءً على قرار للحكومة الفرنسية، بتعليمات من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مباشرة بعد لقاء جمعه بالمؤسسات الإسلامية بقصد التوصل إلى تمثيل للإسلام يحظى بمصداقية لدى الجالية المسلمة التي لم تعد تجد نفسها في أداء المجلس، حتى إنّ رئيس المؤسسة نفسه، محمد موسوي اعتبر في مقال له نشرته صحيفة "لوموند" أنّ مؤسسة "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" لم "تعد قابلة للاستمرار وينبغي أن تحل نفسها"، معرباً عن تأييده مبادرة الحكومة تنظيم "منتدى الإسلام في فرنسا" في الأسابيع المقبلة بمشاركة 80 إلى 100 شخص من مسؤولين ثقافيين وأئمة وأفراد من المجتمع المدني في باريس للبحث في أربعة مواضيع منها إعداد الأئمة وتنظيم الديانة والأعمال المناهضة للمسلمين، وقد تأكد شروع أربع مجموعات في العمل منذ النصف الثاني من الشهر الجاري في عقد لقاءات عن بعد، وهو المعطى الذي أكدته وزارة الداخلية الفرنسية.

ومع أنّ "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" يعتمد نظرياً على ما يُشبه إدارة مستقلة موزعة على ولاءات ذات صلة بثلاث دول أجنبية، وهي المغرب والجزائر وتركيا، إلا أنّ الهيئة المقترحة من طرف الحكومة الفرنسية ترتكز أساساً على عشرات الأئمة والنشطاء المسلمين؛ تختارهم المقاطعات في كل ولاية فرنسية، وضمن هذه الأسماء نعاين الحضور الإخواني لأنّه متشعب في أغلب الولايات والجهات، إضافة إلى اشتغاله بعقلية الترويج للأدبيات الإسلاموية.

 أُعلن رسمياً في فرنسا عن تأسيس "منتدى الإسلام في فرنسا" المفترض أن يعوض مؤسسة "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية"

تكفلت صحيفة "لوموند" بنشر بعض مضامين المبادرة الجديدة، وفي مقدمتها التصدي لمعضلة "الانفصالية الإسلاموية" التي سبق للرئيس الفرنسي أن تحدث عنها في خطاب 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، والذي تحدث فيه حينها عن حتمية مواجهة النزعة الإسلاموية في فرنسا، بما تسبب له في حملة إدانة تزعمتها الحركات الإسلامية في أوروبا والمنطقة العربية، تسببت في تأليب الرأي العام والدعوة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية ودخول الرئيس التركي رجب طيب أوردوغان على خط القضية، إلى درجة المسؤول الفرنسي ينشر لاحقاً توضيحاً في صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية يؤكد فيه أن تصريحاته تعرضت للتحريف وأنّه كان يقصد بـ"الانفصالية الإسلاموية"، التيارات الإسلاموية التي تنسب نفسها للإسلام، وليس الدين الإسلامي، وأنّ فرنسا تواجه "أولئك الذين نخشى أن يأخذوا سكيناً ويقتلوا الناس في أي لحظة، وتكافح مخططات الكراهية والموت التي تهدد أطفالها، وليس الإسلام".

اقرأ أيضاً: كيف ستنعكس رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي على تركيا؟

وسبق هذا الخطاب تحذير آخر للرئيس الفرنسي، مؤرخ في نيسان (أبريل) 2019 مفاده أنّ "الإسلاموية تهدد الجمهورية وتسعى إلى الانعزال عنها"، مضيفاً أيضاً أنه طلب من حكومته ألا تُظهر هوادة مع الحركات الإسلامية، وأن تحول بينها وبين الحصول على أي تمويل من الخارج، وهذا عينُ ما تتضمنه قرارات منتصف الشهر الجاري، إلى درجة أنّ يومية "لوموند" اعتبرت أنّ مواجهة الإسلاموية ستكون من الأهداف الرئيسية في السياسات الحكومية الفرنسية المقبلة، من خلال تبنّي مجموعة من الإجراءات السياسية والدينية أعدتها طوال العام الماضي، لتصبح بمثابة قوانين جديدة ضابطة للحياة الدينية في البلاد مستقبلاً بمجرد دخولها حيز التطبيق.

ومعلوم أنّ "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" تأُسّس العام 2003 في حقبة تولي نيكولا  ساركوزي منصب وزير الداخلية؛ لأنّه كان المشرف على الإخراج الرسمي لهذه المؤسسة في سابقة إسلامية من نوعها هناك، وكانت المؤسسة تعتبر أحد المحاور الرئيسية للسلطات الفرنسية، وتتكون من حوالي عشرة اتحادات مساجد غالبيتها محسوبة أو مقربة من الدول الأصلية لمسلمي فرنسا؛ أي المغرب والجزائر وتركيا، لولا أنّ أداء المؤسسة منذ تلك الحقبة حتى مرحلة رئاسة ماكرون كان عنوانه الفشل، لاعتبارات عدة، وتأتي المبادرة الجديدة أعلاه، في سياق تفادي هذا الفشل.

نشرت صحيفة "لوموند" بعض مضامين المبادرة الجديدة وفي مقدمتها التصدي لمعضلة "الانفصالية الإسلاموية"

انتقل أداء المؤسسة من فشل إلى فشل آخر، لاعتبارات عدة؛ منها ما هو خاص بالساحة الفرنسية؛ أي خاص بأداء ممثلي المسلمين أمام السلطات الإدارية، ومنها ما هو خاص بعوامل خارجية، من قبيل صراع عدة دول مغاربية وعربية في الصراع على تمثيل مسلمي فرنسا، ودخول الإسلاموية على خط الصراع المؤسساتي والرغبة في تمثيل مسلمي فرنسا أمام السلطات الفرنسية، نتيجة عمل ميداني كانت منخرطة فيه منذ ثلاثة عقود على الأقل.

اقرأ أيضاً: في تقرير غير مسبوق: 7 أسباب تصنع الإرهابيين في فرنسا

بالعودة إلى الأسباب المركبة التي أفضت إلى فشل أداء ومشروع "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية"، فيجب التذكير بداية أنه في فترة سابقة، كان الصراع قائماً بين المغرب والجزائر، وبدرجة أقل تركيا، بخصوص تدبير هذه المؤسسات، إلى درجة أنّ الدولة الفرنسية لجأت إلى خيار التوافقات واستعمال ما يُشبه الحصحصة من أجل إرضاء أغلب الفرقاء. لكن الأمر ازداد تعقيداً خلال السنوات الأخيرة؛ خصوصاً مع ارتفاع مؤشر تدخل جهات خارجية من جهة، وارتفاع أسهم الإسلاموية الإخوانية والسلفية من جهة ثانية، ومعها ارتفاع أسهم الخطاب السياسي اليميني في فرنسا، بالصيغة التي تلخصها نسبة المرشحين السياسيين من ذوي المرجعية اليمينية للانتخابات الرئاسية للسنة الجارية، وفي مقدمتهم المرشح إريك زمور الذي يتوعد الإسلاميين بجملة قرارات صارمة في حال فوزه بكرسي الرئاسة، وإن كان احتمال فوزه متواضعاً مقارنة مع احتمال فوز إيمانويل ماكرون.

أداء الإسلاموية والقلاقل الصادرة عنها في مقدمة الأسباب التي ساهمت في إعاقة أداء مؤسسة "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية"، والتي عجّلت بتدخل صناع القرار في قصر الإليزي من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه، وجاءت أول مبادرة رسمية صريحة في غضون 2021 عندما وجهت الحكومة الفرنسية إلى جميع الفرقاء، سواء تعلق الأمر بالفرقاء التابعين للجزائر والمغرب وتركيا أو الفرقاء الإسلاميين، دعوة للمصادقة على "ميثاق مبادئ الإسلام الفرنسي" والذي تضمن عدة بنود تقوض التدخل الخارجي لدول المنطقة، إضافة إلى دفاعه عن قيم إسلامية متصالحة مع مبادئ الجمهورية الفرنسية، لولا أنّ الميثاق قوبل برفض علني لثلاثة اتحادات، اثنان منها تركيان، مما ساهم في تكريس أزمة المؤسسة، ومن تبعات ذلك، الإعلان عن أول انقسام تميز بانسحاب أربعة اتحادات، تتقدمها إدارة مسجد باريس، التابعة للسلطات الجزائرية.

 سبق أن حذر ماكرون العام 2019 من أنّ الإسلاموية تهدد الجمهورية وتسعى إلى الانعزال عنها

ومن الأسباب الأخرى، الصراع بين دول المنطقة العربية والمشروع الإخواني على تمثيل الإسلام، في دولة تتميز بنمط خاص وصارم في التعامل مع المسألة الدينية، بمقتضى قانون 1905، ومن نتائج هذه الصراعات، أنّها أثرت سلباً على صورة هذه المؤسسات لدى الجالية المسلمة التي لم تعد تأخذ أداءها مأخذ الجد، وتتعامل مع أحوالها حسب ما هو متاح لديها في الساحة، في المدن والجهات والأقاليم، وحسب أداء الجمعيات والمنظمات المحلية، والتي تتنافس في ما بينها هي الأخرى؛ إما لاعتبارات مصلحية، وإما لاعتبارات أيديولوجية كما هو الحال مع الجمعيات الإخوانية، وإما لاعتبارات أخرى مرتبطة بالولاءات السياسية والأيديولوجية للخارج، بما فيها الولاء الإخواني للدول العربية الراعية أو المتحالفة مع المشروع.

اقرأ أيضاً: فرنسا تفتح أرشيفها عن حرب الجزائر... ما القصة؟

منذ 2003 حتى مطلع 2022، تراجعت آمال مأسسة العمل الإسلامي في فرنسا، وتراجع معها رهان الدولة الفرنسية على الدور المنوط بمؤسسة "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" الذي أصبح هيكلاً مؤسساتياً صورياً وغارقاً في صراعات إدارية وسياسية، ومقابل هذه التحولات، كان العمل الميداني الخاصة بالتفاعل مع مطالب الجالية المسلمة، في جزء منه على الأقل، تحت أعين وتدبير الإسلاموية، وهذا أحد أهم أسباب تدخل صناع القرار في سياق الاشتغال على مرحلة ما بعد الإعلان الرسمي عن فشل مهام "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية".




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية