
إنَّ كل بحث، وخاصة البحث الذي ينطلق من فهم العالَم على نحو النظريَّات والمناهج، العِلميَّة والفلسفية، الحديثة وما بعد الحديثة، إنَّما هو إمكانٌ موضوعيٌّ لإعادة بناء سبل الولوج إلى المفاهيم، والأفكار، والتصوُّرات التي من شأننا، في ضروب التساؤل عن العالَم، والتفكير به، وفهمه.
إنّ البحث، في معنى الإضافة العِلميّة في المفهوم، أو كيف يمكننا فهم العلاقة مع العالَم من جديد؟، ضمن سياقات وقواعد الأكاديميا العالَميّة، إنّما هو في تواشج بِنيوي مع العالَم، وتصوُّر العالم، وفهمه، من أجل تقديم إمكانات جديدة لثلاثية [إدراك العالَميّة- وفهم العالَميّة- والوعي بالعالَميّة]؛ في معنى أمبيريقي يخصُّ الإدراك، وهدف عقلانيّ (نسبة إلى العقلانية Rationalism، لا العقلية ولا المعقولية)، وفعل يقوم على الفهم الحاكِم (نسبة إلى [الحكم- على- الأشياء- في- العالَم]).
من هذا المنطلق، تأتي دراسة الدكتور سامح خضر، والمعنونة بــ: "صناعة التهديد"، لتطرح جملة من التساؤلات الإشكالية التي تؤكد أنّ البحث العلمي لا يتجدد من دون منظورات وافتراضات وفرضيات تُقَوِّمُ، في كل الأحايين، التساؤلَ من جديد. لأنّه يجب، في كل مرّةٍ، أن نفهم العالَم، وفقَ المفاهيم القائمة، التي كانت قد خضعت للتحقُّقِ والتأكُّد، وتم الاتفاق عليها، في مجتمع المعرفة العلمية، بين الباحثين والعلماء والفلاسفة، بحيث إنّ عمليّة بنائِها وإعادة بنائها قد أنتجت المفهوم من جهة كونه ماهيّة، وبنية، وصيرورةEssence- (Substance)- Structure- Progressive Process .
أن نفهم العالَم لا يعني أن نصف العالَم انطلاقًا من مفاهيم كانت قد صارت، وقد انتصبت برأسها في تمثيل العالَم وأشيائه. إنّ تمثُّل العالَم شيءٌ، وفهمه على نحو علمي، من جهة الإمكانات الموضوعيّة التي فيه، شيءٌ آخر. قد يظهر أنّ فهم العالَم، أو القيام بهذه المهمة، إنّما هو ضربٌ من الذِّهاب إلى العالَم بوصفه الموضوعَ هناك؛ وقد يتجسَّدُ تمثيله على أنّه ضرب من الوَحدة بين المفهوم والواقع، بين الفكرة والممارسة، بين الذَّات والموضوع، بين جملة العالَم وجزء منه، وهكذا دواليك. لكنّ العالَم وفهمه انطلاقًا ممّا بلغه مفهوم العالَم، والمفاهيم التي تعيِّنُه على أنّه هذا الذي نوجد فيه، ونسعى كي نكون، على نحو جديد، فيه، إنّما هو العالَم وقد صار شبكة مفاهيم إجرائيّة فاعلة في العالَم، معيِّنةً إيّاه في كلِّ مرة.
ومن وحي الكتاب يمكن القول إنّ [السابق- إلى- العلاقة- بـ - العالَم] إنّما هو السابق على فهم العلاقة الدولية؛ وعلاقات الدول فيما بينها. فيما، من جهةٍ أخرى، يكون السابق إلى المفهوم، المفهوم في المعنى ما بعد الحديث الذي من شأنه، أي وحدة التصوُّرات والافتراضات والأفكار العِلميَّة التي من شأنه في وَحدة إبستيمولوجيّة- ميثودولوجيّة واحدة، ليس كما يظهر بأنّ القيام ببنائه أو بناء مضامينه النظريّة ومنظوراته النظريّة، إنّما هو جملة النظريّات والمناهج العمليّة- الإجرائيّة التي تُغذِّي عمليّة بناء التّساؤل عنه في كلِّ مرة؛ لا؛ إنّ السابق إلى مفهوم العالَم، إنّما هو أنماط الوجود الجديدة في العالَم. ويأخذ مفهوم الوجود هنا معنى ثقافيّاً، ووِجهةً اِقتصاديّةً، وتَعَيُّنًا سياسيّاً، جديدًا. هذه الثلاثة، وما تنتجه من حقول وجود مختلفة، بحدود وتعيُّنات، هي الجديدُ، في كلِّ مرة.
عالم ما بعد السايبر وهيمنة الذكاء الصناعي
إنّ الجديد في عالَم ما بعد السايبر وتطبيقات الذكاء الاِصطناعي، هو العالَم نفسه إزاء ذاتِ نفسه العميقة. وهذا معناه أنّ منظور فهم العالَم إنَّما هو: إنّ العالَم لم يعد مفهومًا إلاّ بقدر ما يمكن أن يُتصوَّر على نحو الشبكة- الماتريكس Matrix. وهكذا، يجب أن نجعل العالَم مفهومًا- منظورًا إليه، هذه المَرَّة، من جهة عنصر بنيوي أصليّ فيه، هو الشبكة- الماتريكس. ولكن بِنيَة هذه الشبكة- الماتريكس، أي شبكة العلاقات والروابط بين العناصر والمُكَوِّنات، أخذت تتحول من كونها شبكة علاقات داخل البِنيَة، بِنيَة مفهوم واحد، أو بِنيَة فعل واحد، أو بِنيَة مجتمع واحد، أو بِنيَة دولة واحدة، ... إلى آخِره؛ إلى كونها شبكة علاقات بين بُنى قائمة، بحدود فهم ذاتها، على نحو فهم الذَّات على أنّها علاقة. وهكذا، متى فُهِمَت الذَّات على أنّها علاقة، أي متى وُضعت ضمن إطار وحدة [أنطولوجيّة- ميتافيزيقيّة]- التي قد انتهى العمل عليها، ما بعد الحرب العالَميّة الثّانية، من خلال المؤسسات العالَميّة التي أسَّسَت أنماط الوجود في العالَم، وشروط إمكانه- التي تخصُّ ضروب الانوجاد Existing (بوصفه فعل الذَّات، مأخوذةً على نحو مفهوم الكُلِّيَّة، في أن توجد، وتكون، والبحث عن الوسائل التي تتناسب مع بلوغ الأهداف التي من شأنها) هي وحدة [الهُويَّة- والذَّات]، على نحو التحليل القائم على الماكرو Macro- Analysis؛ أي وفقًا لـ [المجتمعيّ The Societal]، في المعنى الشامل للمفهوم، أي على نحو [بنيَة الثقافة- وبنية الاقتصاد- وبنية السياسة]، والحقول المجتمعيَّة التي من شأنها، فإننا نواجه استحالة أن نكون في العالَم، بوساطة مفاهيم سابقة إلى الوجود، لا تعي شروط إمكان التكامل مع العالَميّة، ولا تفتح إمكانات الفكر، والفعل، والبناء في العالَميّة.
إنَّه في عصر هيمنة أدوات الذكاء الاِصطناعي، وأنماط مختلفة من الوجود في العالَم ما بعد السايبر، التي تجد قِوامها المنطقيِّ في التحوُّل البراديغمي في مفهوم الواقع؛ علينا الحذر، كل الحذر، متى أردنا إضافة شيء جديد، إلى النظريّات والمناهج العِلميّة، وضمنها، وصولاً إلى بناء مفاهيم قائمة على فهم عميق للواقع، أو محاولة ذلك؛ أو تفسير له؛ أو تأويل بشأنه، أو التساؤل عنه من جديد. إنّ كل ضرب من ضروب بناء معرفة تقع ضمن منطق الفهم في أدوات الذكاء الاصطناعي، والتعريفات الجاهزة التي يقدّمها، يبقى ضربًا من تراكم معرفي لا معنى له تقريبًا. لماذا؟ لأنّ ما يأتي به، ويحاول تقديمه، يمكن أن تقدمه أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي وعلى نحو تفصيلي، وأكثر دقة، وعمقًا، وتخصيصًا. ماذا نفعل، والحال هذي، إذن؟ لا يمكننا، إلى الآن، ونحن في أوَّل الطريق إلى الشكل الجديد للعالَم، إلاّ أن نتساءل من جديد.
لربّما كان علينا، انطلاقًا من سيادة الذكاء الاِصطناعي ومنطق الفهم فيه، وبدءًا من بزوغ عصر السايبر والتغيُّر في العالَم الذي أعقبه، أن نتساءل ثانية، ومرّةً أخرى، في كل مرّةٍ، بأرضية فلسفية- سوسيولوجيّة عن مفهوم التحالف الدولي، ومعنى ذلك في علاقة دولنا العربيَّة بالعالَم. أو كان علينا، على الأرجح، أن نفهم التحالفات الدولية بين الدول الأخرى، من أجل إعادة فهم علاقتنا، نحن العرب والمسلمين، بالعالَم. ولكن، بعد الوعي الأوَّليِّ بأننا كائنات عالَمية، وعلينا أن نكون، على هذا النحو أو ذاك، مواطنين عالَميِّين؛ أو لا نكون من جذرنا. فإذن، بأيّ معانٍ وطرق أشكلة، ودروب استشكال Problematization يمكننا أن نتساءل عن مفهوم التحالف الدولي؟ وعلى أيّ أرضيات فهم علينا أن نفهم العلاقات المختلفة بين الدول في العالَم؟ أو، أساسًا، لماذا علينا أن نفهم العلاقات بين الدول في العالَميّة الجديدة؟
ماهية التساؤل
علينا أن نقف طويلاً عند ماهيّة التساؤل، و[حقل- الفهم] الذي ينطلق منه. متى تساءلنا انطلاقًا من حقل العلوم السياسية عن مفهوم التحالف الدولي نكون أمام جملة الوقائع والأحداث التاريخيّة، التي تتطلَّب تفسيرًا فاهمًا، وفهمًا مفسِّرًا، يشير بدلالاته المختلفة، وفق النظريّات والمناهج في حقل علم السياسة؛ أي علم الدولة مأخوذةً كمؤسِّسَةِ المؤسَّسات المجتمعيّة. وحينما نتساءل عن المفهوم من منطلق الفلسفة السياسية نكون أمام أرضية ابستيمولوجيَّة توفِّر مضامين وتصوُّرات وافتراضات حول مفهوم الدولة، ننطلق منها في بناء الموضوع على أنّه الدولة في ما تكون، وفي ما كيف تكون.
ومتى تم بناء تساؤل سوسيولوجي عن المفهوم نعثر على تلك الروابط والعلاقات التي تنتج عن ثُلاثيّة [المجتمع- والدولة- والعالَم]، في صميم مفهوم التحالف الدولي، والاحتمالات المنطقيّة، والإمكانات الموضوعيّة التي من شأن الثُلاثيّة، في التّساؤل عن المفهوم، والتفكير به، وضروب بناء الفهمِ The Understanding Construction التي من شأنه.
وإذا ما قام التساؤل بالانطلاق من حقول الفلسفة الستة، الأساسيَّة في العالَم، والمتَّفق عليها بين الفلاسفة والعلماء والمفكرين، في الأكاديميات العالَميّة، يمكننا أن نقول إنّنا أمام ميتافيزيقا التحالف الدولي، أوّلاً، ولوجيكا التحالف الدولي ثانيًا، وإبستيمولوجيا الحالف الدولي ثالثًا، وإثيقًا التحالف الدولي رابعًا، وبولتيكا التحالف الدولي خامسًا، وصولاً إلى اِسثتيكا التحالف الدولي سادسًا؛ بوعيٍ يتضمَّنُ موضوع كل حقل من الحقول الستة، ومحطات أوَّلِيّة في المنهج الذي من شأن كل حقل من الحقول الستة.
ومن جهة أنّ الفلسفة، وحقول التفلسف سابقةٌ إلى فهم، وإعادة فهم النظريّات والمناهج العِلميّة، في أيّ علم من العلوم الحديثة وما بعد الحديثة، فإنَّه علينا أن نقدِّم للتساؤل العلميّ، في كلِّ مرة ومن جديد، أرضيَّته الإبستيمولوجيّة- والميثودولوجية، التي، عليها، يمكن للتساؤل أن يستمد ماهيَّـتَه، وبنيَتَه، وصيرورةَ بنائه وإعادة بنائه.
اشتباك مفاهيمي
إنَّ مفهوم التحالف الدولي، على الرَّغْمِ مِن أنَّه مفهوم سياسي بامتياز، ورغم أنّ علم الدولة، أي العلوم السياسية، تضطلع ببنائه وإعادة بنائه، إلاّ أنّه، في أغلب الأحايين، يصطدم بجملة مفاهيم مجتمعية وفكرية وإيديولوجية. وإنَّ، فيه، إنَّما يمكن أن نقف عند جملة المفاهيم التي، بعد الوعي بمضامينها ومنظوراتها، تتطلَّب إعادة التَّساؤل عنها من حقل فهم يقوم على الوحدة بين علم السلطة، أي سوسيولوجيا السياسة، وعلم المجتمع، أي السُّوسيولوجيا وحقولها المختلفة، وعلم العقل والحقيقة، أي الفلسفة وحقول الفهم الستَّة الأساسيَّة فيها.
إذن، لا يمكن أن نقدِّمَ للتساؤل عن مفهوم التحالف الدولي، بمعزل عن فرضيَّة أساسيَّة واحدة، على أقلّ تقدير، قائمة برأسها، هي الآتية: نحن، في المجتمعات العربيَّة، لا يمكننا أن نفهم التحالفات الدولية، من دون التَّساؤل السُّوسيولوجيّ، أوَّلاً، وتساؤل سوسيولوجيا السياسة، ثانيًا، وحقول الفهم المختلفة في الفلسفة العالَميَّة، ثالثًا. إنَّها الفرضيَّة الأساسيَّة في تقديم أيّ عمل جاد يريد أن يُقدِّمَ لنا فهمًا جديدًا، وتفسيرًا عالميَّاً، على نحو علمي، لإعادة فهم علاقتنا بالعالَم.
إنَّ [علاقةً- تخصُّنا- بـ - العالَم] تتطلَّب ضربًا من الحذر العلميّ والفلسفي. لأنَّ فيها، خلافًا لما هو سائد في علاقات الدول ببعضها بعضًا، ثَمَّةَ عقبات تحول دون بناء علاقات طبيعية- تأخذ من المصلحة المجتمعيَّة العليا هاديًا لها- على مستوى الاقتصاد والسياسة، مع الدول الكبرى، ونماذج السيطرة العالَميَّة الأساسيَّة. وبالطبع، علينا أن نأخذ، على محمل الفهم، بأنّ علاقة تخصُّنا بالعالَم، في مستطاعنا، إنَّما هي واقفة على وعيِ عالَميَّةٍ تخصُّنا بالعالَم. وفي عبارة مباشرةً: لم تعد العالَميَّة طرفًا من طَرَفَيْ ثُنائيَّة [العالَميَّة- والخُصوصيَّة]. بل هي، بعد فترات طويلة من الديالكتيك، في التاريخ والمجتمع والهُويَّة، أصبحت أرضيَّة قيام الخُصوصيَّة، أو لا تكون- أو لا تُتوفَّر للخصوصيَّة إمكاناتُ الإتيانِ إلى الواقع- من جذرها. إنَّ وعيًا جديدًا بالعالمية، على هَدي مفهوم التحالف الدولي، صار مسألة قائمة برأسها؛ بعدَ هذا الانتقال البراديغمي الصارم: الانتقال من كوننا دولاً- مراكز، إلى كوننا دولاً تتوفَّر على شروط إمكان قيام الدولة الحديثة كما تعيِّنها، على الدوام، مؤسسات العالَميَّة بالنظر إلى فلسفة جديدة في التحالف بين الدول في العالَم.
إذن، إنَّنا أمام إشكاليَّة جديدة: لم تعد الدول قائمة بحد ذاتها، بمعزل عن ضروب التكامل مع الدول الأخرى؛ ولم تعد مفاهيم علميَّة سادت منذ مفهوم الدَّولة- الأمَّة Nation- State، كالشرعية المجتمعيَّة للسلطة، والمشروعية القانونية للسلطة، وشبكة علاقات السلطة، وعلاقات الدول بالخارج، ... وإلى آخَره من المفاهيم المقوِّمة لمفهوم الدولة، وعلاقاتها المختلفة، ثقافيَّاً واقتصاديَّاً وسياسيَّاً، بالعالَم، من قبيل مفاهيم ميثودولوجية هادية للبحث عن العلاقة بين مفهومَيْ الدَّولة، ومفهوم العلاقة مع الخارج، بتوسُّطه. لربما علينا أن نعيد بناء تساؤل العالَميَّة من منظار العنصر البنيوي، المؤسِّسِ لها، والمؤسَّسِ بها.
إنَّ العالَميَّة اليوم، متى فُهمت من منظار الانتقال البراديغمي في العلاقات الدولية، والتحالفات بين الدول، والتكامل الاِقتصادي- والسياسي- والعسكري بين الدول، إنَّما هي الأكثر مجهوليّة إزاء التَّساؤل عن مفهوم الدَّولة. إنَّ الـ [مجهوليّةَ] هذه، إنَّما هي أوَّل التساؤل عن التواشج البِنيويِّ العميق بين أن نفهم دور الدولة في العالَميّة، وبين أن نفهم تعيين العالَميّة لمفهوم الدولة من جديد.
أن نفهم العالَم وفقَ ثنائيات، في الفلسفة السياسية، ما قَبلَ عصر السايبر والذكاء الاصطناعي، من قبيل: شرق وغرب، والمركز والأطراف، والمراكز والأطراف، والدول الكبرى والدول الصغرى، والدول الرأسمالية المنتجة والدول التي تستخدمها الرأسمالية كسوق استهلاك لسلعها وخدماتها ... وإلى آخِره من الثُنائيّات التي سادت إلى قَبل العصر هذا، إنّما هي لا يمكن لها أن تتوفَّر على إمكان فتح الأفق إزاء الظفر بفهم العالَميَّة الجديدة. إنَّ العالَميَّة الجديدة، من دون مفاهيم جديدة، تبقى في الـ [مجهوليَّة]، قاطنة فيها، وحاجبةً لكل ضرب من ضروب فهمها من جديد.
نحو فهم جديد للعلاقات الدولية
وهكذا، فإنَّ الإضافة المعرفيَّة، على نحو فلسفي أو علمي، في مفهوم العلاقات الدولية، إنَّما هي تستند إلى منظور جديد لفهم العالَميَّة. إنَّه ذاك الذي، بعد الوعي بهُوِيَّةِ العالَم الجديدة، أي العالَم وقد أصبح شبكة- ماتريكسًا من مفاهيم عالَميَّة، تؤسِّسُ لمنظورات فهم جديدة، وتنتشر فيها. إنَّه ذاك المنظور الذي يعيد فهم العالَميَّة، وفقًا لـ [النموذج- المثال Ideal-Type] الذي من شأن البراديغم الجديد للعلاقات الدولية. ولكنَّ [النموذجَ- المثال] هذا كما أنَّه يتشكَّلُ في كل مرَّةٍ، وفقَ تصوُّر جديد للعالَـميَّة، هو ينهدم، ويتلاشى، فيتحطّم، من خلال قابلية إعادة بناء العالَم التي من شأن العالَميَّة. وإنَّ هذه، أي علميَّةَ [الهدم- البنَّاء] تتوقف على ثلاثة مفاهيم جذرية، داخلة في تحديد كل ضروب العالَميَّة، وحقل العلائقيَّة Interdependence (حقل العلاقات الدولية في العالَم، يؤكِّد ويعيِّنُ الاعتماد المتبادل والتكامل بين الدول). هي وحدة العالَم، والتعدُّد في العالَم، وإمكانات العالَميَّة في بناء وإعادة بناء ذاتها. وإنَّه، وفقَ معيار إبستيمولوجي- ميثودولوجي قائم على الإجابة عن تساؤل وحدة الدولة المحليَّة والدولة العالَميَّة، ينهض على منظورات هي، على أقلّ تقدير، الآتية:
- I العالَميَّة مأخوذةً كضرب من وحدة العالَم، وتجاوز نظرية العوالِم: يستخدم مفهوم العالَم، في هذا الضرب من تناول العالَميَّة، على أنَّه جملة الدول التي تؤدي وظيفة تجاه بعضها بعضًا، ولا يمكن تَصوُّر دولة، ضمن منظار العلائقيَّة Interdependence، إلاّ كونها عنصرًا مكمِّلاً في بِنيَة العلاقات بين الدول. وقد أخذ تَصوُّر الدولة بالتطوُّر، بعد الحرب العالَميَّة الثَّانية، على نحو بحيث إنَّه يفهم الدَّولة، أي دولة، على أنّها ضرب من ضروب العالَميَّة، في فهمها وممارستها. في هذا السياق تأخذ التحالفات بين الدول معنى حضور العالَميَّة في بناء السياسات، وصنع وَحْدات التعاون، على المستويات الثقافية والاِقتصادية والسياسية، على مستوى العالَم بأسره.
- II العالَميَّة من جهة كونها تمثّل الكلَّ في كُلِّيَّة الأجزاء... أو في تجسُّدِ المركز في مركزية الأطراف: إنَّه اِنطلاقًا من حقل التشابه بين الأجزاء القائم على حضور العالَميَّة في كل جزء من الأجزاء، من جهة، وحقل الاِختلاف بين الأجزاء القائم على خُصوصيَّة كل جزء من الأجزاء، وفرادته وتميُّزه، يمكن أن نفهم العالَم على أنَّه، بالاِستناد إلى المنظور هذا، يُفهم، وتُستخدم العالَميَّة فيه، بوصفها سمة ملازمة، ونمطَ وجود خاصّ، لمفهوم الدولة ما بعد الحديثة؛ وليست تؤخذ كسمة للعاَلم والمجتمع العالَمي في المعنى الشائع الذي من شأنهما؛ أي مجموع الدول والمجتمعات والشعوب والجماعات والهويات والإيديولوجيات. وعلى الرَّغْمِ مِنْ اِختلاف هذه المفاهيم، والتعدُّد الذي من شأنها في العالَميَّة، تُضبط حدود التحالفات، من هذا المنظار، على نحو سياسة متحركة- متغيِّرة وفقَ الشروط الموضوعيَّة، في كل مرَّة ومن جديد.
- III تقسيم العالَم إلى عالَم الشمال، وعالَم الجنوب وفقَ إيديولوجيا مؤسسة العالَميَّة: اِرتبطت ماهيَّة التحالفات الدولية، بعد الحرب العالَميَّة الثَّانية، واِنطلاقًا من معاهدة حلف الشمال الأطلسي 1949، بضرب جديد من تَصوُّر العلاقات بين الدول؛ الذي نهض على اختلاف الثقافات، وتعدد الإيديولوجيات، والتنوع الإثني والعرقي والمجتمعي، وقد بلغ مستوى الاِختلاف الإيديولوجي بين المجتمعات والدُّول. وقد دخلت الإيديولوجيا والهُويَّة والتاريخ كعناصر محدِّدةٍ لشكل العلاقات بين الدول، وبالتالي التحالفات فيما بينها. في هذا السياق، أصبح تفحُّص الإيديولوجيات السائدة، والسياسات التي تقوم عليها، في مجتمعات العالَم، مربط الفرس، ضمن إطار الاستراتيجيات طويلة الأمد، المتغيِّرة في سياساتها وأدوات فعلها والمُكَوِّنات الداخلة فيها، في تكوين مفهوم التحالف العقدي، أو الدفاع العقدي.
- IV العالَميَّة بوصفها عالَميَّات: وفق منظور القوة في العالَم، وسيادتها، يُتصوَّر العالَم من جهة الدول العظمى، على نحو عالميات متصارعة على الثروة والنفوذ بعامَّةٍ، وعلى السايبر والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الاِقتصاد والعسكر والأمن، بخاصَّة. وباِعتبار أنّ العالَميَّة، التي سادت في فلسفة ما بعد الحداثةPostmodernism : التَّعدديَّة، وعالَميَّة أمريكا، أوروبا المأزومة؛ وما بعدها: أي بدءًا من المئوية الجديدة، وعصر السايبر والذكاء الاصطناعي؛ أصبحت بِنيَة الاِقتصاد العالَميَّة، ومؤسساته، وجملة ما يرتبط بالتجارة والتقنية والطاقة، متعيِّنةً من خلال الوعي بالإيديولوجيَّات التي تقع على الضدِّ من الولايات المتحدة، أو هي تبني سياسات واستراتيجيات منافسة تشير إلى ذلك، أو تحاول ذلك.
عَبرَ الوعي بالمنظورات العالَميَّة، تلك التي تُقدِّمُ لنا صورة عن العالَم، ضمن عمليات بناء وإعادة بناء الأفكار والتصورات والافتراضات الأوَّلِيَّة عنه، يستمد مفهوم التحالف الدولي معناه، وهدفه، ودلالته الذاتيَّة. ولكن، علينا أن نتساءل، على هَدي تلك المنظورات، عن مفهوم التحالف الدولي من زاوية بِنيويَّةٍ واعيَةٍ لإطار العلاقة مع العالَم على نحو متعدِّد. في الطريق إلى التساؤل عن التحالف الدولي وأوليَّته، أو لماذا علينا أن نفهم التحالفات بين الدول؟ نصطدم بجملة المنظورات المحليَّة التي، كانت وما زالت، تفهم العالَم على نحو ثُنائيَّات جامدة ساكنة متخشِّبة من نوع [شرق- وغرب]، و[داخل- وخارج]، و[نحن- وهُم]، و[مفاهيمنا- ومفاهيمهم]، و[علمنا- وعلمهم]، ... وإلى آخِره. لربما، كان علينا أن نعني أن مفاهيم التحالف الدولي قد أصبحت خارجة عن إطار المفاهيم التي يمكن بنائها عَبرَ ثُنائيَّات إبستيمولوجيَّة- ميثودولوجية كلاسيكية.
إنَّ تجاوز ثُنائيَّات من نوع [المجتمع العالمي- والمجتمع المحلي]، و[الدولة العالَميَّة- والدولة المحليَّة]، إلى ميتافيزيقا الدولة العالَميَّة، وبناء هُويَّة الدولة العالَميَّة، على أساسَيْ خط الانتظام البنيوي بين الدول، باِنفصال على مستوى الشكل، على نحو وعي الصراع بين الأضداد، واِتصال على نحو التكامل، وفقَ سياق الوعي بوحدة الأضداد، وسيادة المعلومة في بناء هُويَّة الدولة العالَميَّة؛ لهو أوَّل المنظور إلى العالَم وقد صار شبكة- ماتريكسًا.
إنَّ ميتافيزيقا الدولة العالَميَّة- أي جملة التصوُّرات والأفكار والنظريات والمناهج، التي تُحدِّدُ المعرفةَ القَبليَّةَ Priori Knowledge، أو كذلك المعرفة المُسبَّقة Pre- Knowledge، التي تؤسس لكل ضروب فهم الضبط العالمي الذي تمارسه المؤسسات العالَميَّة- تتوفَّر على ذاتها، من خلال فلسفة علاقة جديدة بين الدول، تقوم على أنّ الدول والمجتمعات والبلدان، ليست في وحدة واحدة فحسبُ، بل هي لا تتوفَّر على إمكان القيام في العالَم إلاَّ بعد أن تكون ممثِّلَةً إيّاه؛ وإنَّها في طور من بناء العالَم، في كل الأحايين. إنَّ العالَميَّة لا يمكن أن تُفهم إلاّ لأنّها تعيِّن الدُّول على أنّها ضروب مختلفة من العالَميّة؛ أو لا تكون. وعلى ذلك، لا يمكن تَصوُّرُ فَـكاكٍ في العلاقة الأنطولوجيَّة- والوجودية بين الدولة والعالَميّة.
ولكن، من منظار القوة والسيطرة، تفهم الدول ذاتَها على نحو الاِختلاف في السياسات والاِستراتيجيات التي تعدها لممارسة وجودها في العالَم. وفي هذا السياق، تُفهم ضروب التعدُّد والاِختلاف والتنوع، متى بلغت مستوى الخلاف، على نحو تعيينٍ جديد للعالَميَّة، ولسياسات الدول فيما بينها، للتحالف والتكتل، أي التكامل الوظيفي الذي من شأنها، بوصفها محدِّدًا من محدِّدات مفهوم التحالف الدولي.
تعقيدات الهوية
في هذا المضمار تُصبِح عمليَّة بناء هُويَّة الدولة العالَميَّة، منظورةً من ناحيتين: منظور داخلي يسعى لبناء الدولة من الداخل، يفهمها كوَحدة متكاملة مع العالَم، عَبرَ كل ضروب التعدُّد والاِختلاف والتنوع؛ ومنظور خارجي يُحدِّدُ الدولة على أنّها ضربٌ من ممارسة العالَميَّة في الداخل، يفهمها كتجسُّدٍ لفكرة وَحدة العالَم، في إطار المفاهيم الجامعة.
وهكذا يمكننا أن نجد ماهيَّة العلاقة مع العالَم، والإشكاليَّة الضابطة فيها، ومعنى تأسيس التحالف على أساس المصلحة العالَميَّة العليا، من خلال ماتريكس المفاهيم التي تتوفَّر على إمكان بناء العلاقات بين الدول في العالَم؛ مؤسِّسةً للدولة العالَميَّة. إنَّها مفاهيم من نوع "اللا- مركزية"، و"العُقَد"، أو الدولة مأخوذةً كعُقدة، بوصفها مركزًا من نوع جديد.
إنَّ ثُلاثيَّة [التحالف- والتحكُّم- والتهديد] وصولاً إلى مستوى الردع، والتهديد بممارسته، إنَّما هي الثُلاثيَّة الإبستيمولوجيَّة الضابطة، في فلسفة العلاقة الدولية، فيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، على أقلّ تقدير. تتضمَّنُ هذه الثُلاثيَّة ضربًا من ضروب التهيئة للولوج إلى صراع الأضداد في العالَم، في المرتبة الأولى، ووحدة الأضداد في العالَم، في المرتبة الثَّانية، وتصوُّر العالَم على أنَّه وَحدة واحدة، في المرتبة الثَّالثة.
وإذا كانت التحالفات الدولية، بالاستناد إلى ثُنائيَّة [أخذ العالَم كوحدة- وأخذ العالَم كوحدات، مستقلة نسبيَّاً في إطار قومي وثقافي بعينه، متكاملة مع بعضها البعض]، وإذا كانت التحالفات تختلف من كونها تحالفات ثُنائيَّة، مرورًا بكونها تحالفات متعدِّدَة الأطراف (ثُلاثيَّة، أو رباعية، أو خماسية)، وصولاً إلى كونها تحالفات عُقَديَّة؛ فإنَّ الإشكاليات الضابطة لفهم التحالف الدولي- بمعيار إبستيمولوجي يقوم على التحوُّل البراديغمي في ماهيَّة مفهوم التحالف الدولي: من كونه مؤسِّسًا لوحدة العالم، إلى الوعي بالتعدد في العالَم- تقوم على منظورات فهم مختلفة، هي أربعة على أقلّ تقدير:
المنظور الإبستيمولوجي الأوّل: التحالف والتحكُّم: يرتبط هذا المنظور بعامَّةٍ بإشكاليات سياسية في المجتمع العالَمي، وإشكاليات اِقتصادية في مؤسسات الاقتصاد العالَميَّة (مجموعة البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالَميَّة، منظمة العشرين... وإلى آخِره)، في تحديد وتعيين مفهوم الدولة، المتجدِّد في كلِّ مرة على نحو ما تعيِّنهُ العالَميَّة بعامَّةٍ، والشروط الموضوعيَّة التي من شأن الداخل المحلي، وهو يقوم على تساؤل الاِنطلاق الآتي: إذا كانت، وقد وقعت، الأشكالُ الجديدة للتحكم في السوق العالَميَّة، وقد أنتجت شكلاً من أشكال الدولة القومية الجديدة، المعروفة بشعبها والجغرافيا الخاصَّة بها، والسيادة التي لها، وإذا كانت هذه الدولة تمثّل في الأساس، ضربًا من ضروب ممارسة العالَميَّة داخل مفهوم الدولة؛ فإنَّه علينا أن نتساءل عن مدى إمكاناتها في تحقيق المصلحة المجتمعيَّة العليا (القومية في الغالب)، بالتزامن مع تأديتها لوظيفة التكامل مع مؤسسات الاقتصاد العالمي (العالَميَّة في الغالب). يمكننا أن ننهض، وفقَ المنظور هذا، بتساؤل صريح: كيف يمكن لمفهوم الدولة أن يتَّسع بحيث هو يُصبِح مكوِّنًا تكامليَّاً مع المُكَوِّنات العالَميَّة الأخرى، ضمن المجتمع العالَمي، وعلى أي نحو هو ينكمش كي يغدو مؤسسة عالَميَّة تؤدي وظيفة ضمن كيان قومي مستقل، ذات سيادة، وسلطة؟
المنظور الإبستيمولوجي الثّاني: التحالف بوصفه قوة الدولة: لقد قام هذا المنظور من أوَّلِيَّة وضرورة العلاقة بين الدولة، وأسَّس قيامَها في العالَم، بعد الحرب العالَميَّة الثَّانية؛ بعدما أصبحت الأمم المتحدة (1945)، التي قامت على معنى ومغزى وهدف واضح وصريح، هو الأهم، تمثَّل في منع نشوب حرب عالَميَّة ثالثة. فما السَّبيل إلى ذلك؟ إنَّه علاقة الدول ببعضها بعضًا، على هذا النحو أو ذاك، بمنظورات المصلحة هذه أو تلك. وفي هذا السياق نفهم قوة الدولة بقدر ما لديها من علاقات وتحالفات مع دول أخرى. كيف؟ ولماذا؟
بعد حرب الثلاثين عامًا (بين 1618-1648)، أسَّست معاهدة ويستفاليا (1648) مفهومًا جديدًا للدولة، أصبح، في ما بعد، المفهوم الحديث الذي من شأنها، والسائد إلى الآن؛ ولم يكن ذلك ممكنًا إلاّ عَبرَ انتقال براديغمي في مفهوم السيادة. لقد أصبحنا، لأول مرة في تاريخ الأمم، أمام دول ذات حدود جغرافية بعينها، وسيادة على تلك الجغرافيا، بعد أن كانت الدولة، بمعية شرعية دينية، لها سيادة على مذهب ديني، أو جماعة دينية، أو مجتمعات دينية. وعلى ذلك، لم تكن السيادة، في معنى قوة الدولة في أراضيها، وعلى شعبها، بقانون أساسي قائم بحد ذاته، ممكنةً؛ إلاّ حينما غدت حقيقة السيادة مفهومةً بقدر ما تعيِّنُ العلاقاتُ مع الدول الأخرى، والتحالفاتُ معها، والاتفاقيَّاتُ والمعاهداتُ في ما بينها، القدرةَ على فرض السيادة، وبسطها في حدود جغرافية بعينها؛ وذلك مقابل الأمن والاستقرار في الدولة، وكذلك التنمية والتنمية المستدامة فيها. إنَّ التوافق، من جهة كونه عنصرًا بنائيَّاً في السلطة، وعلى الأرجح العنصر الحاسم لقِوام السلطة في الداخل، إنَّما هو يأخذ شكلَ التكامل مع الخارج، من قِبَلِ الدول، كعنصر بِنيويٍّ محدِّدٍ لـ [الوجود- في- العالَم] الذي من شأن الدول. إنَّ بِنيَة الدولة، وبناء الدولة، وهوية الدولة؛ إنَّما هي ثلاثة أشياء ترتبط، على نحو جذري وفريد، بالتكامل بين الدولة والدول الأخرى، وبالتوافق داخل الدولة الواحدة، وبالمعاهدات والاتفاقيات التي يمكنها أن تميِّز الدولة في العلاقات الدولية. بَيْدَ أنَّهُ، ومن جهة أنَّه علينا أن نبحثَ في الهُويَّة العالَميَّة للدولة، أي دولة، فإنَّ ضروب التحالف بين الدول، تبقى ضروب توافق- تكامل، على نحو الوحدةِ، من جهة، وعلى نحو الاِتفاق على حدود الاِختلاف في العالَم، في ما بينها، على هذا النحو أو ذاك، من جهةٍ أخرى.
المنظور الإبستيمولوجي الثّالث: التحالف والتهديد: لكن متى يُصبح تهديد الدولة من قبلَ الدول الأخرى، مسألة قائمة برأسها؟ وفي أيّ معانٍ يمكننا أن نتصوَّر ضروب التهديد، وصناعته، وبالتالي ممارسته؟ إنَّه وفق اختلاف السرديات في العالَم، والإيديولوجيات السائدة في الداخل المحلي الذي من شأن الدول، واِنطلاقًا من إيديولوجيا مؤسسة العالَميَّة، وقابلية الإيديولوجيات المحليَّة للتكامل مع الإيديولوجيا العالَميَّة السائدة، أو عكس ذلك، تقوم جملة تصوُّرات واِفتراضات عن الدول، وطبيعة علاقتها ببعضها بعضًا، وطريقة مواجهة ما يقع منها كعقبة في وجه الدول الكبرى، أو في وجه العلاقات التكاملية التي بين البلدان والدول والمجتمعات. ولكنَّ، ثَمَّةَ إيديولوجيات، محليَّةً، في الغالب، تقوم على جملة مفاهيم وتصوُّرات تتناقض وضروب التكامل مع العالَم. وهي، في أغلب الأحايين، تؤسس لنمط من الصراع الهُوَوِيِّ الذي، بدوره، يفتح إمكان المواجهة بين الدول في العالَم. سواء كانت اِقتصادية، أو تجارية، أو تقنيَّة أو عسكرية. تُحدِّدُ العالَميَّةُ العلاقةَ مع هذه الدول، على نحو تحديد التهديد الهُوَوِيِّ الذي تشكله، والوعي به، وضبطه ضمن معاهدات وتحالفات وتكتلات جديدة متغيرة في كل مرَّة. أو حتَّى يمكننا الإشارة إلى تلك التهديدات التي تُفهم عَبرَ سياسات الدولة المحليَّة إزاء العالَم، أو، أيضًا، المفاهيم المجتمعيَّة السائدة، التي تتوفَّر على إمكان بناء خطاب سياسي- عالَمي يقع على الضدِّ من مصالح الدول الأخرى.
المنظور الإبستيمولوجي الرّابع: التحالف والحرب، أو التهديد بها: يقع التحالف لهدف واحد صريح يتمثَّل بتفكيك إمكانات نشوب الحروب بين الدول. وإنَّ واقعة الحرب يمكن أن تُصنَّف، على نحو إبستيمولوجيا السياسة، على أنَّها فشل التحالف أو انهياره، أو تفكُّكُه ضمن إطار الوسائل المتصوَّرة (وحتى الموضوعة- المحدَّدة) لبلوغ الأهداف فيه. بحيث إنَّ تَصوُّر نشوب الحروب يقوم بالأساس، في ضرب جذري من تناوله، على تَصوُّر فشل التحالفات، أو شكل من أشكالها، بين الدول. وبالتالي يُصبح التهديد الذي تشكله الدول في علاقتها ببعضها بعضًا، والتهديد بممارسة الضغوطات والعقوبات من قِبَلِ الدول الكُبرى حجز الأساس في فهم الأشكال الجديدة من التحالفات بين الدول. وهي على نحو التحالفات الثُنائِيَّة، أو المصغرة، أو متعدِّدَة الأطراف.
المعرفة وسياق بناء الإنسان
درجت العادة عندنا، في المجتمعات العربيَّة، على التساؤل عن أهـمية المعرفة بمفاهيم عالَميَّة جديدة، وضرورة ذلك، في سياق بناء الإنسان والمجتمع، وبالتالي الدولة. يمكن أن ترتبط هذه الضروب من التساؤل، وتشير إلى إشكالات وإشكاليات تعمل عليها الجامعات والآكاديميات في العالَم، وفي الدول العربيَّة، اِنطلاقًا من كونها فاتحة لأفق جديد للعلاقة مع العالَم. إنَّ ما هو أهم، في إطار علاقة المجتمعات العربيَّة بالعالمية الجديدة القائمة بالأساس على السايبر والذكاء الاصطناعي، ومحاولات بسط السلطة عليها، يندرج ضمن سياق التساؤل عن ذاتِ أنفسنا العميقة، وإمكاناتها في بناء علاقات جديدة، أو تجديد العلاقات القائمة، وإعادة بنائها. إنَّ فهم التحالفات بين الدول، وفهم الانتقالات البراديغمية التي حدث، وتحدث، في طبيعة التحالفات وأهدافها ووسائل ببلوغ أهدافها، إنَّما هي أوَّل الطريق نحو التَّساؤل عن دولة وطنية- مواطنية في المجتمعات العربيَّة.
ولكن كيف نعي إعادة بناء العلاقة بالعالمية من موقع الدول العربيَّة؟ وكيف نمارسها؟ ولماذا علينا أن نتحالف؟، أو حينما نتساءل عن وحدة العالَم الجديد، أو ما يمكن أن يقدمه التحالف من خلال ما لا يقدِّمه؟، إنَّها آفاق فهم- إشكالات، بها، نحن نشير، بتوسُّطِ التَّساؤلات هذه وما يقع على شاكلتها، من تساؤلات وإشكالات وإشكاليات، إلى تلك الإمكانات التي تتوفَّر عليها المجتمعات العربيَّة، والدول فيها، في اِرتسام أولي لها كونها تمارس العالَميَّة في الداخل المحلي، من أجل بناء الدولة، على نحو بناء بِنيَة الثقافة- وبنية الاِقتصاد- وبنية السياسة، وإعادة بنائها، في كل مرَّة، من جديد.
هذا الكتاب يقع في حقل [النقد- والنقد المضاد]، الذي من شأن مفاهيم الدولة بعامَّةٍ، ومفاهيم التحالفات الدولية بخاصَّةٍ، يفتح أفق فهمنا للعالَم، ولذاتِ أنفسنا العميقة، من جديد. إنَّه يؤسِّسُ لأرضية إبستيمولوجيَّة، قائمة على براديغم العالَم الجديد، تفهم العلاقات بين الدول، والمجتمعات، والثقافات، والإيديولوجيات، وفق منظور في العلاقات الدولية، علينا التوقف عنده طويلاً.
إنَّ المعرفة والحقيقة، في كلِّ مرَّة، مع أيّ تساؤل جديد ناهض، تأخذ شكل الفهم والوعي متى اِنتقلتا إلى كونهما فرضيات [فاهِـمة- مفسِّرة- دالة] بشأن موضوعهما؛ من خلال كونهما واعيَتَيْن بإمكانات موضوعيَّة لإنتاج المعرفة، وإعادة إنتاجها.
ومن جهة أنّ فلسفة ما بعد الحداثة، إلى يومنا هذا، تقوم على تَصوُّر للمعرفة يقوم على [التعدُّد- في- الفهم]، وممارسته ضمن حقل مفهوم الحقيقة، ولأنَّنا في بلدان تنتقل المعرفة العِلميَّة والفلسفية الحديثة وما بعد الحديثة إليها، ومن ناحية أنّ معرفة مفهوم التحالف والتعرف إليه، وصيرورة مفهوم التحالف والتعريف بها، وضرورة مفهوم التحالف في قيام الدولة، أو الحفاظ عليها، أو إعادة بنائها، تُعتبران أساسًا لا يمكن تجاهل إمكانيَّة تغييرها لبنى مجتمعيَّة أساسيَّة في المجتمعات والدول، على صعيد التاريخ- والهُويَّة- والإيديولوجيا، فإنَّ هذا الكتاب ينتزع موقعه المعرفيّ في حقل بناء الإنسان والمجتمع، وبالتالي الدولة، في البلدان العربيَّة؛ ولكن من موقع العالَميَّة. إنَّه كتابٌ أصليٌّ في العالَميَّة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_0.jpg.webp?itok=m6OAb2DG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_0.png.webp?itok=veLM0KG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_1_0_0.jpg.webp?itok=IzzqJrNy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_28_0_2_2.jpg.webp?itok=q-0Er-5y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bd_3_0.jpg.webp?itok=2AIUpTU2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=nFtlfckI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_0.jpg.webp?itok=M28--bfZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)