بين "ضغوط الغرب" و"غضب الجهاديين"... "الشرع" في مأزق تصفية حلفاء الأمس

بين "ضغوط الغرب" و"غضب الجهاديين"... "الشرع" في مأزق تصفية حلفاء الأمس

بين "ضغوط الغرب" و"غضب الجهاديين"... "الشرع" في مأزق تصفية حلفاء الأمس


23/10/2025

في تحول استراتيجي مفصلي، يُنهي أعواماً من التحالفات الضمنية والصريحة، بدأت السلطات السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع أولى خطواتها العملية لتصفية ملف المقاتلين الأجانب على أراضيها؛ استجابةً لما يبدو أنّها ضغوط غربية متصاعدة.

ففي عملية أمنية هي الأولى من نوعها منذ التحولات السياسية الكبرى أواخر 2024، شنت قوى الأمن العام السورية، ليل أمس، هجوماً واسعاً على "مخيم الفرنسيين" في مدينة حارم بريف إدلب الغربي. وأسفرت العملية، التي وُصفت بـ "العنيفة"، عن سقوط قتلى وجرحى، واعتقال عناصر يحملون الجنسية الفرنسية، وفق وكالة (فرانس برس).

 

يحاول الشرع تقديم نفسه كـ "شريكٍ أمنيٍّ يمكن الاعتماد عليه" في مكافحة الإرهاب، وليس كدولة حاضنة له.

 

هذا التحرك الميداني المباشر، الذي استهدف كتيبة "الغرباء" بقيادة الجهادي الفرنسي السنغالي الأصل عمر أومسين (المعروف بعمر ديابي)، يمثل اختباراً داخلياً وخارجياً بالغ الحساسية للرئيس الشرع، الذي بات مطالباً بالتخلص من إرث ثقيل لجماعات قاتلت إلى جانبه لأعوام، لكنّها تقف اليوم حجر عثرة أمام أيّ تقارب محتمل مع المجتمع الدولي.

إرث "المهاجرين" الثقيل

شكّل ملف المقاتلين الأجانب، أو "المهاجرين" كما يُعرفون محليّاً، إحدى أكثر القضايا تعقيداً طوال أعوام  الحرب السورية. هؤلاء المقاتلون، الذين تدفقوا من عشرات الدول (بما في ذلك فرنسا، وبريطانيا، والشيشان، وأوزبكستان، والصين)، انخرطوا في فصائل متشددة مختلفة، أبرزها تنظيم "القاعدة" وفروعه، ولاحقاً تنظيم "داعش".


شنت قوى الأمن العام السورية هجوماً واسعاً على "مخيم الفرنسيين" في مدينة حارم، ممّا أسفر عن عن سقوط قتلى وجرحى، واعتقال عناصر يحملون الجنسية الفرنسية.

بالنسبة إلى أحمد الشرع، الذي قاد لسنوات "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً)، كان هؤلاء المقاتلون جزءاً لا يتجزأ من النسيج العسكري الذي واجه نظام بشار الأسد. لكن مع التحول السياسي الأخير وسقوط دمشق، تحوّل الشرع من قائد فصيل إلى رئيس دولة يسعى للحصول على شرعية دولية ورفع العقوبات، وفق موقع (ميديل إيست أون لاين).

وهنا برز التناقض؛ فالغرب، وتحديداً بعض الدول مثل فرنسا، يطالب دمشق منذ أعوام بضبط هؤلاء العناصر وتسليم المطلوبين منهم لمحاكمتهم.

المفارقة أنّ مجموعة عمر أومسين، المستهدفة اليوم، كانت قد انضمت قبل أشهر فقط إلى "الفرقة 82" التابعة للجيش السوري الجديد، في خطوة فُهمت حينها على أنّها محاولة لـ "دمج" هؤلاء المقاتلين وتأطيرهم ضمن بنية السلطة الناشئة. لكنّ قرار الشرع الأخير بضمّ جهاديين أجانب للجيش، أثار انتقادات دولية واسعة، ويبدو أنّ عملية حارم هي بداية التراجع عن هذا القرار تحت ضغط خارجي.

تفاصيل العملية: "خطف فتاة" أم "صفقة سياسية"؟

الروايات حول سبب الاقتحام تباينت بشكلٍ حادٍّ، كاشفةً عن صراع بين السردية الأمنية الرسمية، والتفسيرات السياسية العميقة.

فقد أصدرت قيادة الأمن الداخلي في إدلب بياناً رسمياً اتهمت فيه عمر ديابي (أومسين) بقيادة "مجموعة مسلحة خارجة عن القانون".

 

المفارقة أنّ مجموعة عمر أومسين، المستهدفة اليوم، كانت قد انضمت قبل أشهر فقط إلى "الفرقة 82" التابعة للجيش السوري الجديد.

 

وذكر البيان، الذي نشرته وكالة (سانا)، أنّ ديابي أقدم على "خطف فتاة من والدتها"، وعندما حاولت السلطات التفاوض معه لـ "تسليم نفسه طوعاً"، رفض وتحصّن داخل المخيم، وبدأ بإطلاق النار "وترويع الأهالي"، وبناء عليه، كان التدخل الأمني ضرورياً لإنهاء هذا الوضع.

هذه الرواية الرسمية قوبلت بتشكيك كبير، فقد نفى جبريل، نجل عمر أومسين، قصة الخطف تماماً في تصريح لوكالة (فرانس برس)، مؤكداً أنّ الاشتباكات المستمرة سببها "رغبة فرنسا في تسلّم فرنسيين اثنين من المجموعة".

وما يعزز رواية "الصفقة السياسية" تقرير أصدره "المرصد السوري لحقوق الإنسان" قبل أسبوع واحد فقط من الحادثة. التقرير انتقد "التقاعس التام" للسلطات الجديدة حيال ظاهرة خطف النساء المتزايدة، متهماً إيّاها بـ "التنصل من المسؤولية"، و"حماية الجهات الممارسة لهذه الانتهاكات". وهو ما يطرح سؤالاً بديهياً: لماذا تحركت السلطات بهذه القوة الآن، وفي ملفٍ يخص مقاتلين فرنسيين تحديداً؟

"ورقة ضغط" و"خيانة" محتملة

ويرى محللون أنّ عملية حارم تتجاوز كونها حادثاً أمنياً معزولاً، لتمثل "رسالة سياسية متعددة الاتجاهات"، ومحاولةً من دمشق لاستخدام "الملف الجهادي" كورقة مساومة نشطة.

والتحرك ضد "مخيم الفرنسيين" بالتحديد يُقرأ على أنّه "بادرة حسن نية" مباشرة تجاه باريس. ووفقاً للمرصد السوري كان الرئيس الشرع قد "وعد فرنسا بإنهاء تواجد الجهاديين الفرنسيين في سوريا وتسليمهم لباريس".

 

ديابي أقدم على "خطف فتاة من والدتها"، وعندما حاولت السلطات التفاوض معه لـ "تسليم نفسه طوعاً"، رفض وتحصّن داخل المخيم.

 

يقول الكاتب والمحلل السياسي السوري، درويش خليفة، لمنصة (المشهد): إنّ التوقيت يشير إلى "مساعٍ سورية لفتح قنوات تفاوض غير معلن مع باريس"، خصوصاً في ظل رغبة دمشق في رفع أسماء شخصيات من قوائم العقوبات الأوروبية.

بهذا المعنى يحاول الشرع تقديم نفسه كـ "شريكٍ أمنيٍّ يمكن الاعتماد عليه" في مكافحة الإرهاب، وليس كدولة حاضنة له، في محاولة لقلب المعادلة التي استُخدمت ضده لسنوات.

وفي السياق يرى الكاتب السوري شيار خليل أنّ إدلب تدخل مرحلة "التعقيم الأمني". فالمقاتلون الأجانب، الذين فقدوا الغطاء الشعبي والتمويل، باتوا "عبئاً حتى على النظام الحالي".

هذه العملية، وفقاً لخليل، هي "تطهير للساحة" من العناصر الأجنبية لكسب "شرعية" داخلية ودولية، تمهيداً لـ "مساومات دولية لاحقة" تتعلق بمصير المنطقة وإعادة الإعمار.

 

الرواية الرسمية قوبلت بتشكيك كبير، فقد نفى نجل أومسين قصة الخطف، وأكّد أنّ الاشتباكات سببها رغبة فرنسا في تسلم فرنسيين اثنين من المجموعة.

 

وهذا الانفصال عن الجهاديين الأجانب لا يمرّ دون ثمن باهظ. هذه الجماعات، التي قاتلت بضراوة إلى جانب فصائل الشرع، ترى في هذه العمليات "انقلاباً" و"خيانةً" للتحالفات.

والدليل على هذا التوتر هو الاستنفار الفوري لفصائل أجنبية أخرى؛ فقد أفاد المرصد السوري بأنّ "المهاجرين الأوزبك" أعلنوا في شريط مصوَّر "دعمهم ومساندتهم للمهاجرين الفرنسيين"، ورفعوا الجاهزية القصوى.

وهذا يضع الشرع أمام معضلة حقيقية؛ فبينما يحاول كسب الغرب، قد يُشعل حرباً داخليةً جديدةً مع حلفاء الأمس.

اختبار الشرعية بين باريس وإدلب

يمثل اقتحام "مخيم الفرنسيين" نقطة تحوّل في مسار سوريا ما بعد 2024. الرئيس أحمد الشرع، الذي بنى سلطته جزئياً بالاعتماد على هذه الكتائب الأجنبية، يجد نفسه اليوم مضطراً لتقديمها "قرباناً" على مذبح الدبلوماسية الدولية.

 

المرصد السوري: "كان الرئيس الشرع قد وعد فرنسا بإنهاء تواجد الجهاديين الفرنسيين في سوريا وتسليمهم لباريس."

 

العملية ضد مجموعة أومسين، التي لا تحظى بنفوذ كبير مقارنةً بالمقاتلين التركستان أو الأوزبك، تبدو كـ "بالون اختبار" محسوب. لكنّها تفتح الباب أمام أسئلة أكبر: هل تنجح دمشق في استخدام ورقة "مكافحة الإرهاب" لكسب الشرعية ورفع العقوبات؟ أم أنّ تصفية "الحلفاء" ستؤدي إلى تفجير الوضع الأمني من جديد في الشمال السوري، وإدخال البلاد في دوامة فوضى جديدة، يكون فيها التمرد الداخلي أخطر من العزلة الخارجية؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية