بين الجهل والمعرفة: الأمّي والمتعلم في خندق واحد!

بين الجهل والمعرفة: الأمّي والمتعلم في خندق واحد!

مشاهدة

02/04/2018

ما يُميّز المثقف في أي مجتمع، بتعبير هشام شرابي، صفتان أساسيتان؛ الوعي الاجتماعي الذي يمكّن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، والدور الاجتماعي الذي يمكّن وعيه الاجتماعي من أن يلعبه، وانتماء ثقافة علمه إلى الجماعة الإنسانية الممَثَلة بالمجتمع والبشرية على حدٍّ سواء، ليَنتج عن ذلك سلوك إنساني أصيل إزاء جميع الناس باختلاف أنواعهم وأعمالهم. بناءً على ذلك فإنّ المدرسة يجب أن تكون منتِجة للثقافة وللمتعلم المثقف الذي يتميز عن سواه في الإدراك الذاتي والمعرفة النقدية والوعي الاجتماعي فهماً وعملاً وإدراكاً، فمن أبرز مهامها التربوية ومحتواها التعليمي: ترسيخ ثقافة الإيجابية والتكامل والحوار في سلوك الأفراد وممارساتهم اليومية، والعمل على تحويل المبادئ الثقافية إلى ممارسات عملية، وتوجيه المتعلم للاختيار الواعي في مساره الدراسي والمهني، وفي اختيار هواياته وبناء طموحاته، والنقد البنّاء والتعاون والحب والتكاتف وتحمل المسؤولية والشراكة وتقاسم المسؤوليات مع المجتمع، وفتح المجال له للتعلم الذاتي والممارسة التأملية في الحياة، بالإضافة لما تولّده من قيم التعددية والتسامح والتعارف واحترام الذات والآخر. بالطبع هذا ما يجب أن يكون، ولكن واقع غالبية مدارسنا وسياساتها التعليمية يشير إلى غير ذلك.

على الرغم من الاهتمام الظاهري بالعلم، لكنه لم ينجح حتى الآن إلّا في الحدود الدنيا من الإيفاء بمتطلبات المجتمعات المادية والروحية، كما أنّ هذا العلم لم يرفع من منسوب الوعي الإنساني للفرد، طالما أنّ التّلقين مايزال الأداة الأهم في إنتاجه؛ فالقيمة التي تضفيها مجتمعاتنا على العلم تجعل منه غايةً لا وسيلةً، وتجعله أيضاً مفارقاً للواقع. هذه المفارقة التي تغذّي الطبيعة التلقينية للأفراد، تصادر ملكة النقد وتهدم الوعي لديهم، من ثمّ تتحمل المدرسة والأنظمة التي تغذيها المسؤولية الأكبر في تكريس الصورة النمطية لعلم منفصل عن الواقع.

تتحمل المدرسة وكذلك الأنظمة المسؤولية الأكبر في تكريس الصورة النمطية لعلم منفصل عن الواقع

مجتمعاتنا التي تمتاز باستيرادها لكل شيء تقريباً، أدخلت العلم إليها مفصولاً عن شروطه؛ فالتفكير داخل قوالب جاهزة يجعل من أي قيمة غريبة عن المجتمع مُهدِّدة للمجتمع نفسه، والقيم المعرفية التي يتم قبولها بحكم ضرورات التطور العفوي تبقى مفارقة للوعي، ولا يتم تداولها إلّا بمستواها النظري البعيد كل البعد عن تفاعلات الواقع. لهذا لم يلعب العلم فعلياً أي دور في تطور الوعي الاجتماعي؛ إذ ما تزال القيم الاجتماعية المبنية أساساً على تراتبيات ضيقة تُفرغ العلم من محتواه، وتنظر إليه على أنه الحاصل الكمي لمعلومات أُنتِجت أغلبها في مجتمعات ننظر إليها شزراً، وننعتها بالانحطاط الأخلاقي، هذه القيم ما تزال قيماً مسيطِرة في المجتمع كونها المشرّع الوحيد لعلاقة الفرد بالعالم.

لنبتعد عن التعميم قليلاً، ولنحاول أن نمس هذا الجانب ميدانياً. يرتبط مصير طلابنا النهائي بمعدلات تقيس المعرفة كمياً؛ أي بعدد العلامات التي يحرزها الطلاب والطالبات، هذا يجعل من العلامة هدف التعلّم وليس المعرفة، طالما أنّ معدّلات القبول الجامعي ترتكز عليها، بالتالي إنّ المعلومات تبقى في إطارها النظري دون أن تحظى بفرص التعيين واقعياً. المصادرة التي يمكن أن تنشأ عن هذه المفارقة أنّ غالبية الطلاب والطالبات يختارون فروعاً لا تمليها الرغبة؛ بل تمليها العلامة من جهة، والمنظور الاجتماعي للأهم والأفضل من جهة أخرى، ما يجعل من طلاب الفروع الأدبية الجامعية غالباً وعلى سبيل المثال مثار سخرية وتندّر، كون هذه الفروع تتطلب معدلات أدنى من معدلات الفروع العلمية.

العلوم التي تنطوي عليها الفروع العلمية ذات المعدلات الأعلى يتم التعامل معها ضمن واقعنا العربي داخل فضاء المسلمات الغيبية نفسها؛ حيث إنها تبقى في الفضاء النظري دون محاكمتها وربطها في الواقع فيتم استقبالها دون تحليلها؛ أي كإجابات معدة سلفاً، وبهذا لن يكون غريباً أن نجد نسبة التعصب في الفروع العلمية أكثر بكثير منه في الفروع الأدبية؛ إذ يشير "آل جور" في كتابه "ستة محركات للتغيير العالمي أنّ "بعض أسوأ الفظائع التي سُجلت في التاريخ البشري نظّمها وارتكبها الأشرار المتعلمون جيداً".

التفكير داخل قوالب جاهزة يجعل من أي قيمة غريبة عن المجتمع مُهدِّدة للمجتمع نفسه

لا يمكن للأفكار أن تتحكم في الفرد إلا إذا صادفت جهلاً أو وجدت عقله خاوياً من القدرة على التفكير النقدي السليم، ومجتمعاتنا رغم إصرارها على تجفيف منابع الأمية، لم تردم الهوة بين الفرد واستعداده للتطرف، هذا لأن العلم تم تكريسه كأيديولوجيا فارغة من المحتوى الإنساني، تختصر الإنسان إلى صيغ وضعية عقيمة، تبقيه على الهامش الذي يضاعف حسّه بالاغتراب، ولن يتبقى أمام الفرد سوى إمكانيتين اثنتين تنطويان على رفض الواقع، وذلك إمّا بالنكوص اتجاه الماضي أو الهروب نحو المستقبل، وفي كلتا الحالتين يبقى مجال تعيّن الفرد نظرياً، خارج التاريخ والواقع، وهذا ربما يفسر انضمام المتعلم للجماعات المتطرفة إلى جانب الأمي، المتعلم والأمي اللذان يلتقيان في خندق واحد هو خندق الجهل، فدول كتونس والسعودية والأردن والمغرب ما الذي يجعلها في مقدمة الدول العربية حسب الإحصاء الذي قدمته مجلة "إيكونوميست" الأمريكية عن أكثر الجنسيات المكوِّنة لتنظيم داعش، رغم التباينات الواضحة فيما بينها من حيث التشدد الديني والفقر والبطالة والأمية والتعليم؟

الإحصائيات في العالم العربي تشير إلى أنّ واحداً من كل خمسة بالغين يعاني من الأمية، وأنّ الأمية ستصل إلى 49 مليون فرد معظمهم من الإناث بحلول عام 2024، إذا لم تتغير البرامج التعليمية في الدول العربية. فإذا كانت الأمية في هذه الإحصائيات مؤشراً على نسبة الجهل في مجتمعاتنا، فإنّها غير دقيقة ما لم ترصد جميع الأفراد؛ أميين ومتعلمين، ومقياسها لذلك هو المعرفة وليس أمية القراءة والكتابة، وإلا فالتحصيل العلمي سيبقى قضية اجتماعية ولا فرق بين الأفراد في نظرتهم للعالم؛ فالعصر الراهن بتعبير دوستويفسكي هو عصر فقدان التسامي وفقدان الحساسية، هو عصر الجهل.

الصفحة الرئيسية