بعد سجن القروي: هل يخسر الغنوشي رئاسة البرلمان؟

بعد سجن القروي: هل يخسر الغنوشي رئاسة البرلمان؟

مشاهدة

28/01/2021

تزايدت مؤشّرات انهيار تحالف حركة النهضة الإسلامية وحزب قلب تونس (ليبرالي) من جهة، وحركة النهضة وائتلاف الكرامة (إسلامي) من جهة أخرى، ما قد يعجّل بسقوط كرسي البرلمان من رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، الذي يترأّس البرلمان منذ أواخر 2019، وذلك بالتزامن مع إيداع رئيس حزب قلب تونس ورجل الأعمال، نبيل القروي، بالسجن، بسبب ملفات تبييض الأموال.

اقرأ أيضاً: سياسيون تونسيون: "الإخوان" جوّعوا الشعب وأفقروه

يأتي ذلك بعد أن دعا الحزب الدستوريّ الحرّ المعارض، من جديد، النواب المستقلّين والكتل المعارضة في البرلمان إلى التوقيع على لائحة جديدة لسحب الثّقة من الغنوشي، إضافة إلى المطالبة بالتصويت على سحب الثقة من الحكومة برئاسة هشام المشيشي، على خلفية الاحتجاجات الشعبية، التي عاشت على وقعها تونس منذ 14 كانون الثاني (يناير) الحالي.

وفاقم بيان رئاسة البرلمان التونسي الوضع، بإدانة العنف والبلطجة، التي مارسها نواب ائتلاف الكرامة (حليف النهضة) ضدّ نواب الكتلة الديمقراطية المعارضة، الذين دخلوا في اعتصام مفتوح تحت قبة البرلمان، وهو ما عدّه رئيس كتلة الائتلاف، سيف الدين مخلوف، في تدوينة على حسابه في الفيسبوك، "بمثابة الطعن من الخلف"، وهي بداية إعلان القطيعة بين كتلته وحركة النهضة.

الدعوات لسحب الثقة تحمل رسائل سياسية مهمة، تتمثل في فقدان راشد الغنوشي لمشروعيته لرئاسة البرلمان، باعتبار ارتفاع عدد النواب المطالبين برحيله

 في المقابل؛ رأى محللون أنّ هذا القرار المتأخر من قبل رئاسة البرلمان يأتي بعد اتهامات للغنوشي بالتستر على جرم حلفائه، وأنّ كرسي الغنوشي بات مهدداً بالسقوط، في ظلّ الدعوات التي تطلقها مختلف الكتل النيابية بالبرلمان.

يأتي ذلك في ظلّ تشديد الخناق على حلفاء الغنوشي، خصوصاً بعد اتهام ائتلاف الكرامة بالتحريض على العنف، إلى جانب قضايا الفساد التي تلاحق حزب قلب تونس، فيما تشير معطيات صادرة من البرلمان إلى إمكانية إعادة طرح عريضة سحب الثقة من الغنوشي، مع ارتفاع عدد الداعمين لها، حتى أنّ بعضهم كانوا من مساندي بقائه على رأس البرلمان.

هل تخسر النهضة حلفاءها الجدد؟

سجن رجل الأعمال، نبيل القروي، الحليف السياسي لحركة النهضة، يجعلها مكرهة على لعب دور المحامي عن جرائم القروي، الذي سبق أن رفضت التحالف معه، وهو ما كلفها خسارة كثيرين من أنصارها، فضلاً عن موجة انقسامات في المواقف بين الغنوشي وإخوته بمجلس الشورى.

اقرأ أيضاً: سعيد يسبق المشيشي بخطوة في احتجاجات التونسيين

وتحيط بحركة النهضة الإسلامية شبهات فساد كثيرة، وفق ما أعلنه السياسي محمد عبو، الذي رأى أنّ النهضة باتت تستثمر في آلام التونسيين أكثر من نظام الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، مشيراً إلى أنّ هذه الحركة الإسلامية تتعمّد التستر على نواب وقيادات مقرّبة منها، مستغلّين الحصانة البرلمانية للإفلات من العقاب.

اقرأ أيضاً: التيار المدني يواجه اتحاد القرضاوي في تونس

ويرى في هذا السياق، السياسي والأكاديمي، طارق الكحلاوي؛ أنّ التصويت على التحوير الحكومي الذي أجراه الرئيس هشام المشيشي جاء استجابةً لضغط النّهضة، هو الذي سيحدّد مستقبل الحزام البرلماني والتحالفات السياسية في المشهد السياسي الحالي، ولفت، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ تهم الفساد وُجّهت في الحقيقة إلى حركة النهضة، وغيرها من الأحزاب، خاصّةً التي لها علاقة بالنظام البائد.

السياسي والأكاديمي، طارق الكحلاوي

وبالتزامن مع ذكرى الثورة، في 14 كانون الثاني (يناير)، تعيش تونس تحركات شعبية، طالب خلالها المتظاهرون حكومة المشيشي وحلفاءها الجدد بالرحيل، لأنّ أولويات البلاد والشعب ليست في تغيير الوزراء في كلّ فترة، بل في حلّ أزمة البطالة، ومعالجة المشكلات الاجتماعية التي أثّرت في مستوى عيش التونسيين.

أعداء الأمس حلفاء اليوم

التحالفات السياسية لحركة النهضة من أجل ضمان مصالحها ونفوذها السياسي جعلتها تغيّر مواقفها المبطنة بالكراهية تجاه الكثير من الأحزاب، خاصّةً بعد أن خسرت ثقة من كانت تعدّهم الخط الثوري (حركة الشعب والتيار الديمقراطي)، ورغم أنّ كلّ الذين تحالفوا مع النهضة خسروا رفاقهم بعد خلاف في المواقف، وانقرضوا من المشهد السياسيّ، بدءاً من حكومة الترويكا وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وصولاً إلى نداء تونس، غير أنّ أحزاباً كثيرة لم تستوعب هذه القاعدة السياسيّة، رغم أنّها تجاهر بها علناً في الصالونات الإعلامية.

المحلل السياسي عبد الجبار المدوري لـ"حفريات": انتهاج حركة النهضة سياسة الهروب إلى الأمام سيجعلها  تدور في حلقة مفرغة للخروج من الأزمة

كما سبق أن أشار نبيل القروي إلى أنّ التحالف مع النهضة هو مجازفة أفقدت أحزاباً كثيرة ثقلها السياسيّ، وذلك خلال حملته الانتخابية الأخيرة، قبل أن يغيّر موقفه السياسيّ، بعد أن غازل الشيخ الغنوشي حزب قلب تونس.

ويقول رئيس حركة تونس إلى الأمام، عبيد البريكي، في تصريح لـ "حفريات": إنّ تحالفات حركة النهضة مبنية على البحث عن المواقع والاستمرار بالحكم، معتبراً أنّ الحركة لم تؤمن  تاريخياً بمبادئ الدولة أو حقوق المرأة، لكنّها تغيّر من خطابها من أجل الإيهام بأنّها حركة تساير الواقع في تطوره وترفع شعارات طبقاً لما تمليه عليها طبيعة المرحلة".

اقرأ أيضاً: هل تونس حقاً بخير بعد الثورة؟

ويرى البريكي أنّ تصريحات النهضة ليست نابعة من شعورها بالمسؤولية، بل كدهاء سياسيّ من قادتها، الذين يبحثون عن تنفيذ برنامج دولة الخلافة، مشيراً إلى أنّ تحالفات النهضة تُبنى عادةً على نقيض ما تصرّح به، "وهو ما لاحظناه خلال تصريحات قادتها القطعية مع نداء تونس والاتهامات لحزب الباجي القايد السبسي بالفساد، لكن بعد الانتخابات تحالفت معه".

رئيس حركة تونس إلى الأمام، عبيد البريكي

ويضيف البريكي؛ أنّ النهضة فكّكت حزب الرئيس الراحل، السبسي، بعد مساندة شقّ رئيس الحكومة آنذاك، يوسف الشاهد، بعد أن كانت القوة السياسية الأولى بالبلاد، وللأسف، يتكرّر هذا التاريخ اليوم على شكل مهزلة، من خلال التحالف مع قلب تونس، الذي سبق أن اتّهمته بالفساد، وهو ما يعني نهاية نبيل القروي وحزبه.

سحب البساط من الغنوشي

ولم يتنفس الغنوشي الصعداء بعد المصادقة على بقائه في البرلمان، في آب (أغسطس) الماضي، بفارق عدة أصوات، ليبادر الحزب الدستوري الحرّ المعارض، ونواب مستقلّون، والكتل المعارضة بالتوقيع على لائحة جديدة لسحب الثقة من رئيس البرلمان، لا سيما بعد تزايد منسوب العنف بالبرلمان، وعدم اتخاذ  الشيخ موقفاً واضحاً، إضافة إلى المطالبة بالتصويت على سحب الثقة من حكومة هشام المشيشي، على خلفية الاحتجاجات الشعبية الأخيرة.

اقرأ أيضاً: هدوء حذر في الشارع التونسي.. هل يطوي صفحة الاضطرابات؟

ويقول الناشط السياسي (اليساري)، فيصل العليمي، في تصريح لـ "حفريات": إنّ "تحالف حركة النهضة وائتلاف الكرامة التكفيري، هو تحالف ضرورة، وذلك بسبب حاجة حركة النهضة إلى 9 نواب، لضمان استقرار الحكومة،  في المقابل؛ لا يعتقد أن تجد لائحة عبير موسي وحزبها التأييد الواسع داخل المشهد البرلمانيّ، لكن يتوقّع أن يساند نواب قلب تونس التحوير الوزاري الذي أدخله المشيشي على حكومته، دعماً لحركة النهضة.

اقرأ أيضاً: أراد التونسيون حواراً فهددهم الغنوشي بالحرب.. هل يؤمن الإخوان بغير العنف؟

ويرى العليمي؛ أنّ الدعوات لسحب الثقة تحمل رسائل سياسية مهمة، تتمثل في فقدان الغنوشي لمشروعيته لرئاسة البرلمان، باعتبار عدد النواب المطالبين برحيله، بسبب التجاوزات التي ارتكبها في  البرلمان، مؤكداً أنّ الرئيس التونسيّ، قيس سعيّد، هو المستفيد الأبرز من الصراع الأيديولوجي الذي تغلب فيه مصالح الأحزاب على المصلحة الوطنية، وهو ما يعزّز شعبيته في كسب مزيد من الثقة، خاصّةً بعد فشل المنظومة الحاكمة في إدارة مقاليد الحكم.

اقرأ أيضاً: أزمة تونس: حلول تصطدم بالاستقطاب والمناكفات

من جهته، يرى المحلل السياسيّ، عبد الجبار المدوري، أنّ الدعوات المتجددة لسحب الثقة من الغنوشي ستكون لها تداعيات مفصلية على المشهد السياسي والتحالفات السياسية مع حزب قلب تونس، معتبراً أنّ انتهاج حركة النهضة سياسة الهروب إلى الأمام، خاصّةً في ظلّ تزايد الدعوات من داخل قواعدها، ومن الأحزاب المعارضة لسياستها، سيجعلها  تدور في حلقة مفرغة للخروج من الأزمة.

المحلل السياسيّ، عبد الجبار المدوري

ويشير المدوري، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ حركة النهضة الإسلامية تسعى للإفلات من الضغوط السياسية، وسط دعوات متجددة من طيف واسع من الطبقة السياسية، لإبعاد رئيسها، راشد الغنوشي، عن رئاسة البرلمان، بعد أن أثبتت اصطفافاته أنّه الطرف الرئيس في إطالة أمد الأزمة؛ حيث أصبح الغنوشي يهدّد السلم الاجتماعي.

الصفحة الرئيسية