بعد ثلاثة قرون.. كيف دخل سبينوزا الصراع العربي الإسرائيلي؟

بعد ثلاثة قرون.. كيف دخل سبينوزا الصراع العربي الإسرائيلي؟

مشاهدة

16/12/2019

قد يبدو من الغريب أنّ تكون لفلسفة سبينوزا (1632 – 1677) دلالة بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، فقد وُلِد قبل ظهور الحركة الصهيونية بثلاثة قرون، لكن فلسفته تحمل بالفعل دلالات كثيرة، لا بالنسبة للصراع نفسه وحسب، بل كذلك بالنسبة لما هو معروف في إسرائيل نفسها على أنّه صراع بين العلمانيين والأصوليين.
سبينوزا هو المؤسس الأول للعلمانية الحديثة؛ إذ نجد في فلسفته كل المبادئ الأساسية للعلمانية؛ مثل الفصل بين الدين والدولة، ودولة المواطنة والحريات، وحياد الدولة تجاه الأديان، وهو كذلك اليهودي المنشق، المارق، المهرطق، الذي تم طرده من الجماعة اليهودية في أمستردام العام 1656، نظراً لآرائه الراديكالية الثورية في الدين والتراث الديني.

كان الصهاينة على وعي تام بما تمثله فلسفة سبينوزا من خطر فكري على مشروع الدولة اليهودية

شكلت فلسفة سبينوزا اعتراضاً صارخاً في وجه الأصوليات الدينية التي تسعى لتحويل الدين إلى مشروع سياسي وتأخذ شرعية سياسية من أصول دينية؛ وجّه سبينوزا ضربة مزدوجة، للأصولية الدينية من جهة، وللطموح السياسي للجماعات الدينية من جهة أخرى، وذلك بأن أوضح أنّ الشريعة اليهودية ذاتها لم تكن سوى قانون مدني يهودي، نظم شؤون الجماعة العبرية الأولى التي كانت تسعى لتكوين كيان سياسي بعد الخروج من مصر، ثم نظم شؤون هذه الجماعة عندما انضمت في اتحاد سياسي بعد ذلك؛ مما يعني أنّ هذه الشريعة لم تكن صالحة ولا فعالة إلا في وجود الكيان السياسي اليهودي القديم، أما بعد انتهاء هذا الكيان عن الوجود، فلا يجب الاحتفاظ من هذه الشريعة إلا بجانبها الأخلاقي الصرف الذي يتفق مع المبادئ الأخلاقية الإنسانية العامة المشتركة لدى كل الشعوب.

أما عن المصدر الإلهي للشريعة اليهودية فإنّ سبينوزا لا ينكره، ولكنه ينظر إليه على أنّه كان نتيجة عقد اجتماعي بين العبرانيين والنبي موسى والإله، أو "عهد" كما يقال في اللغة الدينية، وهو اتفاق بين العبرانيين وموسى بأن يعبدوا إلهاً واحداً وينفذوا أوامره، وفي المقابل ينعم الإله عليهم بالبركة ويرزقهم ويدافع عنهم في حروبهم ويعطيهم الأرض.
يرسم التراث الديني صورة لاهوتية خالصة للشريعة؛ أي لمجموعة الأوامر والقواعد والتوجيهات الدينية المذكورة في الكتب المقدسة؛ فحسب هذا التراث، تأتي الشريعة من السماء، من الإله نفسه، ويقبلها أصحاب الدين المعنيِّ بإيمان وتسليم وإخلاص وخضوع وطاعة.

لكن يقدم لنا سبينوزا نظرة مختلفة تماماً للشريعة اليهودية؛ لقد نشأت لديه نتيجة عقد اجتماعي، بين اليهود والإله، بتوسط موسى، قد تكون هذه الفكرة غريبة، لكن سبينوزا يدعمها بشواهد من العهد القديم ومن تاريخ اليهود، إن كلمة "عهد" ذاتها تعني "عقد"، أو تعاهد، بين الإله واليهود، والكلمة مذكورة كذلك في القرآن الكريم فيما يخص بني إسرائيل: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) البقرة (40)، كذلك ترد كلمة "ميثاق" لأكثر من مرة في الآيات الخاصة ببني إسرائيل، الشريعة اليهودية وفق هذا التفسير السبينوزي كانت لاهوتاً سياسياً، ولذلك وضع لكتابه الشهير عنواناً يجمع المصطلحين معاً: "البحث اللاهوتي السياسي" Tractatus Theologico-Politicus.

شكلت فلسفة سبينوزا معارضة للأصوليات الدينية التي تسعى للتحول إلى مشروع سياسي

قصد سبينوزا من كتابه أن يؤسس لدولة المواطنة التي يتساوى فيها كل مواطنيها في الحقوق والواجبات، والتي تحمي كل الأديان على السواء وتحافظ على حق ممارسة الشعائر الدينية، دون أن يعيق هذا الحق الدولة عن القيام بوظائفها.
كان سبينوزا على وعي بأنّ مشكلة اليهود في أوروبا باعتبارهم أقلية مضطهدة هي أن شريعتهم ذات الأصل السياسي تعزلهم عن المجتمع المحيط بهم، وتصنع منهم دولة داخل الدولة، وتجعل المجتمعات المحيطة بهم تعاملهم على أنّهم كيان غريب لا يمكن استيعابه نظراً لتناقض طبيعة الشريعة اليهودية مع المبادئ التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وهذا هو أصل "المسألة اليهودية" التي كان سبينوزا أول من تعامل معها بتقديم حلول، تعالج المسألة من جهة الجماعة اليهودية المنغلقة على نفسها والتي تريد من الدولة المحيطة معاملتها كطائفة دينية – سياسية، ومن جهة الدولة التي يجب أن تكون محايدة تجاه كل الأديان.
إنّ "المسألة اليهودية" إذن، وحسب سبينوزا، تتضمن الطرفين اليهودي وغير اليهودي، وهي تعالَج بعلمنة اليهود وعلمنة الدولة الحاوية لهم في وقت واحد. ولم يكن سبينوزا يقصد اليهود وحدهم في مشروعه الفكري السياسي، بل كان كذلك يقصد كل الطوائف الدينية البروتستانتية في هولندا، ذات البرامج السياسية والطموح السياسي والساعية للحصول على امتيازات سياسية خاصة بها، وعلى تأثير سياسي على الدولة الهولندية الناشئة، وهي بذلك كانت في وضع مماثل لوضع الطائفة اليهودية.

اقرأ أيضاً: في يوم التضامن مع الفلسطينيين.. تصعيد إسرائيل يقوض فرص السلام
أراد سبينوزا من مشروعه أن يُحيّد كل الطوائف الدينية، يهودية وبروتستانتية، ويعزلها عن مجال الدولة الذي أراد له أن يكون مجالاً محايداً، وإلا انهارت فكرة الدولة ذاتها وصارت ألعوبة في يد القوى الدينية.
لكن ظهرت الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر بمبادئ مناقضة تماماً لما دعا إليه سبينوزا، إذ عادت إلى أفكار الخصوصية اليهودية، التي فسرتها على أنّها خصوصية تاريخية وسياسية، وشدّدت على إبراز المسألة اليهودية.
وبدلاً من أن تعالج هذه المسألة بإدماج اليهود في الدول المحيطة ببرنامج العلمنة المزدوجة لليهود وللدول الحاوية لهم، عالجتها بفكرة مناقضة لمبدأ الإدماج وهي الانفصال عن المجتمعات الأوروبية وتأسيس دولة يهودية خارج أوروبا، وتتمثل المفارقة هنا في أنّ فلسفة سبينوزا، اليهودي المارق المنبوذ من جماعته، كانت هي الوحيدة التي وقفت ضد فكرة الدولة اليهودية.

كان سبينوزا على وعي بأن مشكلة يهود أوروبا شريعتهم ذات الأصل السياسي التي تعزلهم عن المجتمع

كان الصهاينة على وعي تام بما تمثله فلسفة سبينوزا من تحد وخطر فكري حقيقي على مشروع الدولة اليهودية، لكن البعض منهم وأبرزهم حاييم وايزمان وديفيد بن جوريون، استطاع تطويع بعض أفكار سبينوزا كي يخفف من حدة الصدام بينها وبين المشروع الصهيوني؛ إذ ذهب إلى أنّ سبينوزا هو الذي أثبت أنّ الشريعة اليهودية لم تكن سوى قانون سياسي لليهود، مما يدل في نظر وايزمان على أنّ ممارسة الشريعة اليهودية تتطلب كياناً سياسياً يهودياً حاضناً لها.

اقرأ أيضاً: لماذا يُجبَر الفلسطينيون على اعتماد مناهج تعتبر إسرائيل دولة الشعب اليهودي؟
لم ترد هذه الفكرة في أعمال سبينوزا أبداً، إذ كان ضد الدولة الدينية والحكم الثيوقراطي، بل كان سبينوزا ضد أي تأثير ديني أو طائفي على الدولة، لكن كان على مفكري الحركة الصهيونية التعامل مع العقبة السبينوزية؛ لأنها تهدم المشروع الصهيوني من أساسه. اعتمد وايزمان وبن جوريون على عبارة واحدة فقط من "رسالة في اللاهوت والسياسة" يثبتا بها أنّ سبينوزا تنبأ بإمكان إحياء الدولة اليهودية.
وبالضد على مجمل موقف سبينوزا في رسالته من الدولة الدينية، وفي مواجهة الروح العقلانية والديمقراطية لفكره السياسي والأخلاقي، أخذ كبار الصهاينة يستغلون هذه العبارة للاستيلاء على سبينوزا لحسابهم. يقول سبينوزا في العبارة المقصودة: "فإذا لم تُضعف مبادئ دينهم ذاتها قلوبهم، فإني أعتقد بلا أدنى تحفظ، عالماً بتقلبات الأمور الإنسانية، بأن اليهود سيعيدون بناء إمبراطوريتهم في وقت ما، وأن الله سيختارهم من جديد" (سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسية، ترجمة حسن حنفي، دار التنوير، بيروت 2005، ص 182).

لم يكن سبينوزا يقصد اليهود وحدهم في مشروعه الفكري السياسي بل كل الطوائف الدينية البروتستانتية في هولندا

كانت هذه العبارة هي التي التقطها الصهاينة كي يضموا سبينوزا لصفوفهم، لكن الحقيقة أن سبينوزا يقول هذه العبارة على سبيل السخرية، وهذا واضح للغاية من السياق الذي ترد فيه، هذه العبارة هي من فصل عنوانه "رسالة العبرانيين وهل كانت هبة النبوة وقفاً عليهم"، في هذا الفصل ينقد سبينوزا فكرة شعب الله المختار، وفكرة تميز اليهود بدين وتراث نبوي؛ لأنّه يقول إنّ النبوة لم تكن حكراً عليهم وأنّ الله لم يمزهم في أي شيء.
ثم يأتي على طقس الختان ويسخر منه، ويقول عنه إنّه من الأسباب التي عزلت اليهود عن الأمم الأخرى وجعلتهم منبوذين بسبب استعلائهم؛ وفي هذا السياق يقول سبينوزا إنّ اليهود سيظلون أمة متميزة مختلفة طالما حافظوا على طقس الختان، وهذه سخرية لاذعة منهم.

اقرأ أيضاً: الاحتلال الإسرائيلي يطمس هوية القدس المحتلة بتشييد قبور وهمية
ثم يأتي بعد ذلك مباشرة إلى الحديث عن إمكان إعادة تأسيس دولتهم، ويقول إنّ هذا ممكن طالما حافظ اليهود على شريعتهم وختانهم، وهذا نوع من التهكم والسخرية منهم، فالتعصب والانغلاق والاستعلاء على كل الأمم هي وحدها الأشياء الكفيلة بأنّ يعيد اليهود تأسيس دولتهم القديمة، وكأنّ سبينوزا يقول لهم: ابقوا على استعلائكم ونبذكم للأمم الأخرى، وعلى تشددكم الديني وتصلبكم حول شعائركم وسوف تنجحون في يوم ما من إعادة تأسيس دولتكم.
أخرج الصهاينة عبارة سبينوزا المذكورة من سياقها، الذي هو سياق النقد والسخرية والتهكم، وتعاملوا معها بذاتها على أنّها شعار، وقلبوا سبينوزا من عدو للدولة الدينية وناقد لخلط الدين بالسياسة وداعية إلى الدولة المدنية المحايدة تجاه الأديان، إلى داعية للصهيونية، في عملية تزوير وتزييف واضح للوعي، وليّ لعنق النص كي ينطق بما يريدون منه، حتى ولو كان النص يقول عكس ما يريدون وهادماً لأسس أيديولوجيتهم. إنّ الصهاينة سرقوا الأرض وسرقوا الفكر أيضاً، ومن مسروقاتهم فلسفة سبينوزا.


الصفحة الرئيسية