باحثة فرنسية: دولة علمانية وحدها الكفيلة بتقديم الحماية لجميع اللبنانيين

باحثة فرنسية: دولة علمانية وحدها الكفيلة بتقديم الحماية لجميع اللبنانيين

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
09/08/2021

ترجمة: مدني قصري

تعود أنييس لوفالوا (Agnès Levallois)؛ المتخصّصة في التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي المعاصر، وفي تحليل النزاعات في الشرق الأوسط، إلى مفاتيح الشرق الأوسط بشأن الأزمة العميقة التي تمرّ بها الدولة اللبنانية، وعواقبها على السكان.

هنا نص الحوار معها:

يواجه اللبنانيون اليوم أزمة رئيسة، وهي واحدة من "أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم منذ عام 1850"، وفق البنك الدولي، ترافقها أزمة اجتماعية وسياسية وأمنية؛ هل يمكنكِ العودة، أوّلاً وقبل كلّ شيء، إلى ما يعيشه اللبنانيون اليوم، وما يَحدث في لبنان منذ أكثر من عام الآن؟ هل هناك "غرَقٌ وشيك"، كما يقول البنك الدولي في تقريره الذي نشر في حزيران (يونيو) 2021؟

ظنّي أنّنا في حالة غرقٍ حقيقي، وأنّ البلاد معطلة تماماً، هناك أزمة ليست فقط سياسية، لكن أيضاً اجتماعية وأمنية وصحيّة ومالية إلخ، يواجه اللبنانيون نظاماً في حالة انهيارٍ، ويتداعَى نحو الهاوية، مع غيابٍ كامل لأيّ أفق، فحتى إن تمّ التوصّل إلى تسوية سياسية، فلا بدّ من سنوات عديد حتى يتحقق الانتعاش، فما مِن بُنيةٍ تحتية واحدة تشتغل الآن في لبنان: الكهرباء لا تتوافر إلا لثلاث إلى أربع ساعات في اليوم، ويجب أن يقف اللبنانيون خمس ساعات في الطوابير على أمل أن يحصلوا على عشرين لتراً من البنزين، ناهيك عن نضوب الأدوية. اللبنانيون الذين يملكون الوسائل يغادرون البلد الذي أصبح يُفرَغ يوماً بعد يوم من قوّته الحيّة، واللبنانيون الشباب، أصحاب الكفاءات، وحتى الأطباء، يغادرون.

بصورة كاريكاتورية، أودّ أن أقول إنّه لم يبقَ الآن سوى كبار السنّ وأفقر اللبنانيين؛ أفضلُ الأطباء غادروا، في حين تعاني البلاد في إدارة الأزمة الصحية، أمّا الأساتذة فقد استغنت عنهم المدارس الخاصة، فهم يغادرون إلى الخارج (بلدان الخليج، كندا، فرنسا).

أصبح  الوضع الذي يتخبّط فيه اللبنانيون منذ عامين، لا سيما منذ الانفجار في ميناء بيروت، في 4 آب (أغسطس) 2020، دراماتيكياً ومقلقاً. بدأت المظاهرات في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019، لكن "كوفيد19" كان ذريعة هائلة للقوة السياسية لإيقاف التجمّعات، كان الحظر الصحي صعباً؛ لأنّ جزءاً من اللبنانيين لا يقتاتون إلا على ما يكسبونه يومياً، فقد حال الحظرُ دون حصولهم على قوتهم اليومي، وقد ساعدت هذه الفترة أيضاً في عودة قبضة السلطة وسيطرة جهاز الأمن.

المخرَج الوحيد للمضي قدماً بالنسبة إلى اللبنانيين هو الخروج من هذا النظام الطائفي؛ فهذا بالفعل هو اقتراح إحدى الحركات، مثل: حركة "مواطنون مواطنات في دولة"

ومع ذلك، هناك ممثلو فئات معيّنة، وشباب، يحاولون وضع منصّة يمكن أن تكون بمثابة بديل سياسي، وحتى إن كنا لا نرى بالضرورة بروزَ هذه المعارضة.

 الأضرارُ الاجتماعية هائلة، وانفجار العام الماضي في ميناء بيروت دليل على إهمال هذا النظام، وعدم قدرة القادة على حماية سكانهم.

أراد اللبنانيون، في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، التنديد بنظامهم السياسي "المتعفّن" بالفساد والمحسوبية والمحاباة؛ فمِن أين جاء الجمود السياسي والاقتصادي الذي غرق فيه لبنان اليوم؟ وكيف تشرحين أصول هذه الأزمة؟

اللبنانيون يعيشون، اليوم، تحت حكم نظام لم يعد يعمل؛ لأنّه وصل إلى أقصى ما يسعه القيام به، يعتمد النظام السياسي على توزيعٍ طائفيٍّ هو نفسه يقوم على تعدادٍ (سكاني) يعود تاريخه إلى عام 1932، لم يعد هناك مالٌ اليوم لإطعام هذا النظام، الذي استطاع أن يعيش ويؤمّن بقاءَه الذاتي؛ لأنّه كان هناك ما يكفي من المال الذي يأتيه من الخارج: مالُ الشتات، وأيضاً مالُ المجتمع الدولي الذي كان يعتقد أنّه لا بدّ من دعم لبنان "سويسرا الشرق الأوسط"؛ لذلك أفاد هذا النظام وهذا الثراء، الجميعَ (بدرجات متفاوتة بالطبع)؛ استفاد جميع اللبنانيين من هذا السباق المالي الهذياني المحموم، إضافة إلى أسعار الفائدة من 15 إلى 20٪ عندما يفتحون حساباً مصرفياً. كان هناك عماءٌ مدعومٌ ذاتياً من قِبل الطبقة السياسية بأكملها، ومن المواطنين على السواء.

لقيَ نظامُ الاقتصاد المُضارَبي هذا التشجيعَ من قِبل رفيق الحريري (رئيس الوزراء اللبناني من 1992 إلى 1998، ثم من سنة 2000 إلى 2004)، الذي لم يستثمِر في الزراعة أو الصناعة، على سبيل المثال، والذي جعل لبنان يعتمد على الاستيراد.

أدّى الدعمُ السياسي والاقتصادي من دول الخليج لرفيق الحريري إلى ازدهارٍ مالي خلق نظاماً مُضارَبيّاً يشهد اليوم انهياراً كاملاً، وقد رافقت هذا المالَ الخليجي مؤتمراتُ المساعدة للبنان ("باريس1" و"باريس2" في أوائل عام 2008)؛ حيث دَفع المجتمع الدولي مليارات الدولارات للبنان دون أيّ شرط.

 لقد ساهم المجتمع الدولي، إذاً، في الحفاظ على هذا النظام؛ لأنّ جميع الأموال الواردة قد استُثمِرت في النظام المالي، وليس في إنشاء البُنى التحتية الاقتصادية، التي تتيح إنشاء دولة ذات أسس صلبة، واليوم انهيار هذا النظام، منذ أن توقفت دول الخليج عن دعم لبنان سعد الحريري، الذي تراه هذه الدول مسايراً وملاطفاً للغاية في حقّ حزب الله، وهكذا أدرك الغربيون أمرَ جميع هذه الأموال المدفوعة، التي تتلاشى اليوم.

لا يرغب أمراء الحرب في تحمّل مسؤولياتهم، ويأملون دائماً في الحصول على المال من المجتمع الدولي؛ فهم متّفقون فيما بينهم على النظام القائم على المحسوبية

فيما يتعلّق بالسياسة؛ فإنّ النظام اللبناني نظامٌ مافياوي بلا حدود، هؤلاء هُم ستّة أمراء حرب سابقون، أو العشيرة التي يمثلونها: ميشيل عون، وسمير جعجع، ووليد جنبلاط، ونبيه بري، وحسن نصر الله، وسعد الحريري، والذين ارتدوا البدلة (الزيّ) حتى يتقمّصوا دور السياسيين بعد الحرب الأهلية (1975-1990).

 لا يرغب هؤلاء القادة في تحمّل مسؤولياتهم، ويأملون دائماً في الحصول على المال من المجتمع الدولي؛ فهم متّفقون فيما بينهم من أجل الحفاظ على هذا النظام القائم على المحسوبية، والتشبّث بالسلطة، لأنّ مصالحهم على المحكّ. واليوم يدفع لبنان ثمن الخيارات السياسية والاقتصادية التي صُنِعت في أعقاب الحرب الأهلية، لقد انهار هرم بونزي[1]، الذي يُستعمَل في كثير من الأحيان لوصف النظام اللبناني، وهو يجرّ كلّ شيء في أعقابه.

يقول بنيامين بارث، مراسل صحيفة "لوموند" في بيروت إن "لبنان بلدٌ فقير كان يجهل نفسه، واليوم فرض الواقعُ نفسَه على الجميع"، مع أكثر من 50٪ من سكانه الذين يعيشون تحت خطّ الفقر، وأزمة دمرت الطبقة الوسطى، وخلقت فئة اجتماعية جديدة (الفقراء الجدد)؛ هل يمكننا القول إنّ لبنان أصبح قريباً من الدولة المفلسة والفقيرة؟

نعم، أنا أتفق مع  بنيامين بارث؛ لبنان دولة لم تستثمَر، وعاشت على وَهْمٍ، كانت البلاد عبارة عن "كازينو"، فقبل الأزمة، كانت هناك مظاهر الرخاء والثروة، حتى وإن كانت بعض المناطق في البلاد أكثر بؤساً.

 أكّد عميد كلية الطب، البروفيسور رولاند تومب، في خطاب بمناسبة حفل تخريج دكاترة الطبّ في 2 تموز (يوليو) 2021: "لقد عدّ كثيرون منا لبنان "كازينو"، "كازينو" حيث يمكننا الكسب في كلّ ضربة، "كازينو" حيث يمكننا أن نغتَني حتى دون اللعب، حتى أثناء النوم. "الكازينو"، هذا "الكازينو" انتهى بالإفلاس، بالانفجار من الداخل". ويقول إنّ "الجميع استفاد من هذا النظام، لكن خسر في النهاية".

 أغنى الأغنياء سوف ينجون لأنّهم اودَعوا جزءاً من أموالهم في الخارج، لكنّ جميع اللبنانيين، "المتوسطون" و"المتوسطون الفقراء"، سيفقدون كلّ شيء، ولعلّهم سيستعيدون بعد عشرين عاماً جزءاً صغيراً ممّا أودعوه في البنوك.

تريد مجموعة الدعم الدولية في لبنان اعتماد مساعدة طارئة للجيش اللبناني، في حين يقترح الجيش اللبناني هو نفسه التحليقَ في البلاد بواسطة مروحيات، مقابل 150 دولاراً، لإنقاذ صناديقه؛ هل تقديم المساعدة للجيش اللبناني يمكن أن يكون بوابة خروج من هذه الأزمة؟

إنّها الأسطورة الكبرى لعام 1958 مع فؤاد شهاب، ذلك الجندي والرجل السياسي الذي قاد البلاد، والذي ترك ذاكرة جيدة للغاية، تراود أذهانَ لبنانيين كثيرين فكرةُ أنّ الجيش، كونه فوقَ الدين والطائفية، يمكن أن يكون هو الملاذ، لكن أنا لا أؤمن شخصياً بهذه النظرية؛ فإذا استولى الجيشُ على السلطة، أعتقد أنّ كلّ العوامل المتاحة التي ستؤدي إلى انفجاره من الداخل.

من ناحية أخرى؛ فإنّ الأمريكيين والفرنسيين متمسّكون بإرادة الحفاظ على هذه الهيئة، لأنّ الوضع الجيوسياسي مهمّ (احتواء حزب الله داخلياً على وجه الخصوص). إنّ إعلان وزيرة الدفاع تنظيم الرحلات بطائرات الهليكوبتر يشهد على انهيار البلاد؛ لأنّ وزيرة تعلن مثل هذا الاقتراح، فيما أنّ عدم وجود البنزين أو المال لصيانة هذه المروحيات أمرٌ مذهل حقاً، وفيما وراء نكتة هذا الاقتراح، فإنّ هذا يدلّ على إهمال وضعف الدولة اللبنانية، إنّها دولة مفلسة غير قادرة على الاستجابة للحدّ الأدنى من توقعات المواطنين، وتقترح، مع ذلك، رحلات بطائرات الهليكوبتر مقابل 150 دولاراً.

إذا انفرج الوضع، فأيُّ لبنان تجب إعادة بعثِه من جديد، في رأيك؟ هل ينبغي إنكار النظام الطائفي اللبناني الذي أنشئ عام 1943 بموجب الاتفاق الوطني واتفاقيات الطائف عام 1979؟

السؤال المطروح اليوم؛ هو معرفة ما إذا كان النظام القائم على المحسوبية هذا سيتعزّز أم إنّه موضع مساءلة من قِبل اللبنانيين، يواجه المواطنون اليوم دولة مفلسة، وملاذهم الوحيد هو مخاطبة زعيمهم (الديني)، ومع ذلك، فحتى زعيمهم هذا لم يعد قادراً على منحهم حماية اقتصادية واجتماعية.

حان الوقت، في رأيي، لتغيير النموذج، وتغيير النظام، والخروج من نظام المحسوبية هذا. فقط نظامٌ علماني وحده كفيلٌ بتأمين الحماية للمواطنين جميعهم، ومع ذلك، فإنّ عبور هذه الخطوة معقّد للغاية، ولا يمكن بناء دولة بين عشية وضحاها، ولا بدّ من فترة وسيطة؛ هل يمكن لقوات "المجتمع المدني"، خلال هذه الفترة، أن تنظّم نفسَها وتجتاز الخطوة، أم إنّ الخوف من الوضع الحالي، وعدم التمكّن من تأمين الطعام، سيتيحان لهؤلاء القادة الاستمرارَ في الحكم، حتى مع وجود نوابض أقلّ بكثير، وموارد أقلّ من قبل؟ كلّ شيء خاضع لهذه المسألة.

أعتقد أنّ المخرَج الوحيد للمضي قدماً بالنسبة إلى اللبنانيين هو الخروج من هذا النظام الطائفي؛ فهذا بالفعل هو اقتراح إحدى الحركات، مثل: حركة "مواطنون مواطنات في دولة"، بدأ لبنانيون كثيرون يدركون أنّ ما بدا مستحيلاً سابقاً ربما لم يعد بالاستحالة ذاتها اليوم؛ فلا يوجد اليوم سوى عدد قليل جداً من البدائل الأخرى للفئة السياسية التي لم تتمكن لمدّة عام من تشكيل حكومة جديدة.

 يبدو أنّ المجتمع الدولي قد فهِم اليوم نظامَ الابتزاز الذي وضعته العصابة في السلطة، فقط تغييرٌ جذري للنموذج كفيلٌ بأن يجعل من الممكن الخروج من الدوامة الجهنمية التي يقع فيها لبنان اليوم، والتي تكلّف جميع اللبنانيين، خاصة أكثرهم فقراً، ثمناً باهظاً.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

lesclesdumoyenorient.com


الهامش:

(1) النظام الذي يتمثل في مكافأة استثمارات العملاء بالأموال التي يحصل عليها من قبل العملاء الجدد.

الصفحة الرئيسية