
يمثل الانقسام الداخلي داخل حركة حماس، بين قيادتها السياسية المقيمة في الخارج ولا سيما في الدوحة، وقيادتها العسكرية الراسخة في غزة، اليوم العقبة الأبرز أمام أي مسار سياسي يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار أو المضي في تنفيذ التسويات التي تلي خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام.
وبينما تحاول القيادة السياسية للحركة الظهور بمظهر أكثر براغماتية وانفتاحًا على التفاهمات الإقليمية، تواصل القيادة العسكرية داخل القطاع التمسك بخيار المقاومة المسلحة ورفض أي مسار يُضعف قبضتها على غزة أو يقلّص حضورها العسكري والسياسي في الساحة الفلسطينية.
ويعكس هذا التناقض بين جناحين يتحركان ضمن فضاء أيديولوجي واحد لكنه يختلف في تقدير المصلحة والوسائل، طبيعة ما تسميه بعض الدوائر الإسرائيلية والغربية بـ"البراغماتية الجامدة" لدى حماس. فهي براغماتية تكتيكية لا تمسّ جوهر الفكرة العقائدية التي ترفض الاعتراف بإسرائيل وتعتبر السلاح عنصر وجود لا يمكن المساومة عليه.
ومن هنا، يصبح التنازل أو المرونة في الخطاب السياسي مجرد أداة مرحلية لكسب الوقت، وإعادة التموضع بما يسمح للحركة بإعادة بناء قوتها ضمن ظروف أكثر ملاءمة.
وفي السنوات الأخيرة، نجحت حماس في التكيف مع التحولات الإقليمية من دون أن تغيّر من جوهر مشروعها، إذ أطلقت في عام 2017 وثيقة سياسية جديدة بدت وكأنها تميل إلى الواقعية عبر التركيز على الهوية الوطنية الفلسطينية والحديث عن دولة على حدود 1967، لكن دون أن تقبل بحل نهائي أو اعتراف متبادل.
وبعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، تبنت الحركة خطابًا مختلفًا في وثيقة بعنوان «روايتنا»، قدمت نفسها فيها كحركة تحرر وطني لا دينية، وأبدت استعدادًا شكليًا لتسليم إدارة غزة لكيان فلسطيني تكنوقراطي، لكن دون أي التزام فعلي بنزع السلاح أو الاعتراف بإسرائيل.
ويعكس كل ذلك استراتيجية واعية تقوم على الموازنة بين المرونة الخطابية والحزم العقائدي، وهي المعادلة التي تحكم سلوك حماس في كل مفصل سياسي حرج.
وتكشف المرحلة الحالية بوضوح حدود هذه المعادلة، فقبول حماس بالمرحلة الأولى من خطة ترامب – والتي تشمل وقف إطلاق النار، تبادل الأسرى، وتشكيل لجنة تكنوقراطية لإدارة غزة – جاء نتيجة ضغط إقليمي مكثف من قطر وتركيا ومصر، أكثر مما هو تحول داخلي في موقف الحركة.
لكن مع اقتراب المرحلة الثانية، المتعلقة بنزع السلاح وتثبيت الترتيبات الأمنية، بدأت التباينات داخل الحركة تطفو إلى السطح.
وتميل القيادة السياسية في الدوحة بقيادة خالد مشعل وخليل الحية إلى القبول بمقاربات "المرونة المشروطة"، وترى في الانخراط في العملية السياسية فرصة لتثبيت شرعية حماس كفاعل فلسطيني لا يمكن تجاوزه.
وأما القيادة العسكرية في غزة، التي ترتبط عضوياً بالمحور الإيراني وبشبكة من الفصائل المسلحة، فترى أن أي التزام بنزع السلاح أو إدخال قوات دولية هو مساس بجوهر «المقاومة» التي تمثل مصدر قوة الحركة وهيمنتها في القطاع.
وجعل هذا الانقسام البنيوي حماس تتحرك في اتجاهين متناقضين في آن واحد: فهي من جهة توافق على الاتفاقات في البيانات العامة لكسب الوقت وتجنب الضغوط، ومن جهة أخرى تعرقل تنفيذها ميدانيًا عبر السيطرة على الأجهزة الأمنية واحتكار القوة المسلحة داخل غزة.
وقد ظهر ذلك بوضوح حين أعادت الحركة نشر قواتها في الشوارع بعد الهدنة، وهاجمت ميليشيات منافسة، واستولت على أسلحة كانت مخصصة لقوى أخرى، في إشارة إلى رفضها أي محاولة لتقليص هيمنتها العسكرية.
ومن منظور سياسي، يُعد هذا الانقسام الداخلي العقبة الأخطر أمام أي محاولة لتطبيق التسويات أو نشر قوة دولية لتثبيت الاستقرار في غزة. فحتى لو قبلت القيادة في الخارج بشروط نزع الأسلحة الثقيلة أو دمج الكوادر في لجنة تكنوقراطية، فإن القرار الحقيقي يبقى بيد القيادة الميدانية في الداخل، التي تتحكم بالواقع على الأرض وتملك القدرة على تفجير أي اتفاق متى رأت أنه يهدد مصالحها.
وفي المقابل، لا تملك القيادة السياسية في الخارج أدوات ضغط كافية على الجناح العسكري الذي يستمد قوته من علاقاته المتينة بطهران وحزب الله، ومن اعتماده على منظومة تسليح محلية وشبكات تهريب مستقلة.
وتجعل هذه الثنائية بين "العقل السياسي" في الدوحة و"الذراع العسكرية" في غزة من أي تسوية مع حماس عملية محفوفة بالمخاطر، لأن الطرفين يتعاملان مع الاتفاقات من منطلقات مختلفة.
ويسعى السياسيون إلى كسب الوقت وتثبيت الدور الإقليمي للحركة، والعسكريون يرون في كل هدنة مرحلة لإعادة التسلح وتنظيم الصفوف.
ولذلك، فإن أي تسوية لا تراعي هذا الانقسام الداخلي وتتعامل مع حماس كجسم واحد ستكون عرضة للفشل أو للتحايل الممنهج.
اقرأ أيضا:
وفي هذا السياق، تلعب قطر وتركيا دور الوسيط والموازن، إذ تحاولان دفع القيادة السياسية نحو الانخراط في العملية السياسية، مقابل التزامات غربية بعدم استئناف الحرب. لكن قدرتهما على التأثير في الميدان تبقى محدودة أمام نفوذ إيران الذي يزداد عمقًا في أوساط الجناح العسكري.
كما أن مصر، رغم دورها الحيوي في ضبط الحدود والتوسط بين الأطراف، تجد نفسها أمام معادلة معقدة تتطلب مزيجًا من الضغط والتطمين للحفاظ على الاستقرار الأمني دون السماح بعودة حماس إلى وضعها السابق كقوة مهيمنة عسكريًا.
ولا يكمن التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي اليوم فقط في صياغة آليات فعالة لنزع سلاح حماس، بل في فهم بنية الحركة الداخلية والانقسام العميق بين مراكز قرارها.
وبدون معالجة هذا الانقسام وإيجاد صيغة تُلزم الجناحين السياسي والعسكري معًا بأي اتفاق، ستظل التسويات شكلية قابلة للانهيار عند أول اختبار.
وبرغم ما تبديه حماس من استعداد لفظي للتعاون مع المبادرات العربية والدولية، فإن جوهر استراتيجيتها يبقى قائمًا على الحفاظ على السلاح كضمانة للنفوذ، واستثمار الوقت كأداة للبقاء وإعادة التموضع.
إن انقسام القيادة بين الدوحة وغزة ليس مجرد اختلاف تنظيمي، بل هو تعبير عن صراع داخل الحركة بين منطق الدولة ومنطق المقاومة، بين من يرى أن التكيّف السياسي ضرورة مرحلية، ومن يصرّ على أن البقاء في الميدان هو مصدر الشرعية الحقيقي.
ويشكل هذا الانقسام، بكل تناقضاته، العقبة الخفية أمام تنفيذ أي تسوية سياسية في غزة، ويجعل من مستقبل الاستقرار في القطاع رهينة لصراع داخلي لم يُحسم بعد داخل حماس نفسها.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

