
سالمة الموشي
هناك سؤال تتهرب منه السياسة الإيرانية منذ أعوام، لأنه يهدم إحدى ركائز روايتها السياسية، وهو كيف يمكن لدولة أن تؤكد أن جيرانها ليسوا خصوماً لها، ثم تجعلهم أول من يدفع ثمن صراعها مع خصم آخر؟
هذا ليس سؤالاً أخلاقياً، بل سؤال يتعلق بمنطق الدولة ومنطق النظام الإيراني نفسه وسياسته، فالدول لا تُقاس بما تصرح به في منصاتها الإعلامية، ولا بما في نياتها، وإنما تقاس بما يحدث اليوم على أرض الواقع، فإذا كانت دول الجوار هي من يتحمل نتاج قرارات النظام الإيراني وحربه، فإن الحديث عن حسن الجوار لم يعد مقبولاً، وهو ما يفرضه واقع الاعتداءات المتتالية والمستمرة على دول الخليج، في وقت يدعي النظام أنها دول صديقة، ومن هنا يبدأ التناقض سياسياً ودبلوماسياً، والذي لا يصعب على طهران تبريره بتصريحات متناقضة كل مرة.
يؤكد النظام الإيراني باستمرار أن معركته مع الولايات المتحدة، لا مع دول الخليج، لكن مع كل تصعيد تتحول هذه الدول إلى جزء من حسابات المواجهة الإيرانية، إما بحكم وجود قواعد أميركية على أراضيها، أو بحكم موقعها الجغرافي، أو لأنها تصبح وسيلة لإيصال الرسائل إلى واشنطن، وهكذا يجد الجار الإقليمي نفسه داخل أزمة لم يخترها، وهنا يبرز السؤال الذي لا تستطيع البيانات الدبلوماسية تجاوزه: إذا كانت المشكلة مع واشنطن فلماذا تدفع دول الجوار الثمن؟ في حين لا يرى النظام الإيراني أن إسرائيل دولة مجاورة معنية بالادعاء ذاته الذي يبرر قصفه منطقة الخليج، ولديها وجود عسكري أميركي، وحاملات طائرات، ومنشآت أميركية، ومخازن أسلحة، وهي حليف حقيقي ومؤثر بالنسبة إلى الولايات المتحدة؟ وهذا السؤال لا يختبر النيات الإيرانية، بل يختبر منطق سياستها، فعندما يصبح أمن المنطقة جزءاً من إدارة إيران لصراعاتها، يفقد الخطاب الإيراني الذي يتحدث عن الأخوّة والجوار قدرته على الإقناع، كما صدقيته الدبلوماسية.
لا تبدو المشكلة مجرد تناقض بين التصريحات والوقائع اليومية، من مسيّرات واعتداءات متكررة، بل تناقض داخل الفرضية التي تقوم عليها السياسة الإيرانية، فهي تسعى إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع محيطها العربي، لكنها تدير صراعها مع الولايات المتحدة بطريقة تجعل من دول الجوار في المنطقة الإقليمة المشتركة جزءاً من حربها، وما تحاول فصله دبلوماسياً تعيد تأكيده ميدانياً، مع كل أزمة يفرضها واقع خياراتها وقراراتها التي يمكن وصفها بأنها الأكثر تناقضاً، مما عرفته السياسة الدولية.
هذا التوجه السياسي الإيراني يولّد مشكلة إستراتيجية حقيقية لإيران نفسها، لأنه لا يضعف خصمها بقدر ما يوسع دائرة التناقض والانفصام تجاه سياساتها لدى جيرانها، فمنطقة الخليج التي أصبحت ساحة ضغط بالنسبة إلى النظام الإيراني، ستعيد حساباتها على أساس حماية أمنها، لا على أساس تفسير نيات الطرف الآخر الذي تردده إيران عبر منصاتها، مخاطبة الدول المتضررة في أكثر التصريحات المنفصمة سياسياً بقولها "إن الهجمات ليست موجهة ضدها"، ومن هذه الزاوية تبدو إحدى أكبر تناقضات موقف النظام الإيراني، إذ إنه يطلب من جيرانه الفصل بين خطابه وممارسته، فهو يؤكد أن خلافه مع الولايات المتحدة لا مع جيرانه، بينما يدير هذا الخلاف على أرضهم بالمسيّرات والصواريخ الباليستية.
النظام الإيراني لم يطرح السؤال الأكثر أهمية على المستوى الإستراتيجي البعيد: ماذا لو لم ولن تنتصر إيران في معركتها مع الولايات المتحدة؟ فهل ستخسر معركتها في كسب ثقة جيرانها وتوسيع عزلتها معهم؟ وهذا السؤال ينقل النقاش من نتائج السياسة إلى الأساس الذي تقوم عليه، فالقوة تستطيع فرض وقائع موقتة، لكنها لا تستطيع فرض الثقة، والثقة في الشرق الأوسط ودول الخليج تحديداً لم تعد قيمة دبلوماسية مجردة، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن والاقتصاد والاستثمار، وكل سياسة تستنزف هذا الرصيد، حتى ولو حققت مكاسب سياسية موقتة، فستدفع لاحقاً ثمناً إستراتيجياً يصعب تعويضه، ويبدو أن طهران لا تزال تراهن على معادلة تشكلت خلال مرحلة مختلفة من تاريخ المنطقة، معادلة تفترض أن رفع وتيرة المواجهة على الولايات المتحدة، سيدفع حلفاءها الإقليميين إلى الضغط عليها لتخفيف التصعيد.
لكن الشرق الأوسط الذي تشكلت فيه تلك الفرضية لم يعد موجوداً، فدول الخليج لم تعد تنظر إلى الأمن بالمنطق نفسه الذي كان سائداً قبل عقود، فقد أصبحت أولوياتها مرتبطة بالاستقرار الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وحماية الممرات البحرية وتأمينها، وفي بيئة كهذه لا يؤدي ارتفاع مستوى الأخطار إلى التخلي عن التحالفات الأمنية بل إلى التمسك بها بصورة أكبر، وإذا صح ذلك فإن طهران لا تواجه أزمة نفوذ، بل أزمة تقدير إستراتيجي، وإذا كانت إيران تراهن على أن الضغط على دول الجوار سيدفعها إلى التأثير في واشنطن، فإنها تفترض أن هذه الدول ستستجيب بمنطق الوساطة، لا بمنطق حماية الأمن الوطني، والنتيجة غالباً تكون عكسية، فالدول التي تجد أنها أصبحت أداة ضغط في صراع، ليست طرفاً فيه، ستعيد حساباتها الأمنية على أساس واقعية الخطر الذي تتعرض له، لا على أساس نقل الرسائل بين الخصوم، ومن هنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها، فكلما حاولت طهران رفع تصعيداتها حول فكرة الوجود الأميركي في المنطقة، فإنها في الوقت نفسه ترفع وتعزز قيمة هذا الوجود في الحسابات الأمنية لحلفاء واشنطن.
تناقضات النظام الإيراني لا تقف عند هذا الحد، بل إن إيران أخطأت في حساباتها الإستراتيجية أيضاً، فما زالت تعتمد تصوراً للمنطقة لم يعد قائماً، فالشرق الأوسط اليوم ليس شرق أوسط الثمانينيات أو التسعينيات، حين كانت الحسابات العسكرية تتقدم على كل شيء، والسياسة الإيرانية التي تدار اليوم واستهدفت تقليص النفوذ الأميركي، أسهمت من حيث النتيجة في تعزيز الطلب الإقليمي على المظلة الأمنية الأميركية، والسياسة التي أرادت تقليل اعتماد دول المنطقة على واشنطن، دفعتها عملياً إلى إعادة تقييم حاجاتها الدفاعية، على نحو يمنح هذا الاعتماد مبررات إضافية، ومنطقية قوية، ولهذا لم يعد السؤال الأول لدى دول الخليج: من بدأ التصعيد؟ بل كيف نمنع انتقاله إلى أراضينا؟ وكيف نحمي اقتصاداتنا من أن تصبح رهينة لنظام يخلط الأوراق، ويدير معاركه بالمراوغة لا بمواجهة خصمه المباشر؟ فالتحالفات لا تُبنى على الانسجام السياسي والتصريحات الهلامية، بل على تقدير مصادر الخطر الحقيقي، وعندما يتغير إدراك الدولة للتهديد، تتغير تلقائياً حساباتها الدفاعية، حتى لو بقيت مواقفها السياسية على حالها، وهذا التحول غيّر طريقة استجابة دول المنطقة للأزمات، وأرى أنها لن تبني إستراتيجيتها على بيانات التهدئة، بل على أسوأ السيناريوهات المحتملة، وهذه ليست خصوصية خليجية، بل قاعدة تحكم سلوك الدول عندما تتعرض بيئتها الأمنية للابتزاز العسكري والسياسي.
اندبندنت

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7_11_1_0_0.jpg.webp?itok=BexPd0sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_1_0_0_3_0.jpg.webp?itok=3Zhw-Qwm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D9%8A%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA..%20%D9%85%D9%86%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vAy5hbNG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/LUmDCU9nEJkRIOikaC46rPDoYCHEymI_1NimLwC6x_7cjSYjJjtwGxvGag56bJXpJ9kdGNCtN4tMd7CPctfdotIfIFAJ5UDEhuMa0JPvIfWDi7CvCLe6j_5-TrU5jPCY3jBrXYHOfkj2SN0Ox1O0a2p0T_ddIBcNn39biHGmDj93eX1w6qvhHDrI6MQ3q-6b.jpg.webp?itok=3IHuCMIN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_3.jpg.webp?itok=8LH0Zveq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_5_0.jpg.webp?itok=ngaaISlJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/mnyr_0_6.jpg.webp?itok=rQl6wEvW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_1.jpg.webp?itok=Ss7Oynoz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8_0.jpg.webp?itok=nRv3-VvG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_14.jpeg.webp?itok=r1ivFgQk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_4_0_0_0.jpg.webp?itok=uCZJ0EQW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_3.jpg.webp?itok=JqgGrr-Y)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_1.jpg.webp?itok=xDkoZQ_x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86_50_1.jpg.webp?itok=lVttV-Fk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OUPg0it56SjYbmFDi4OF0nlf_FStDEHV2ojDF_t-Cw2iTlRBWllNC8ebxr9y9QOJX4CDQhRNvVcvQvua9p1cQo2UTjfYSRTxcNJW0CMcoEORJhiYa0oxX385O8m1MeztnRonJLeLnRw_dt-2wIq7VCZ15z0LP5HKDqceGgoRod6WS1yOo4Bd1uGhc3c9WSoR%20%281%29.jpg.webp?itok=eMHkqEvP)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

