انحسار حصة اللعب من التعلم وتردّي صحة الأولاد النفسية

475
عدد القراءات

2018-07-05

بيتر غراي

في خمسينات القرن الماضي تلقينا، أصدقائي وأنا، تربية مزدوجة: واحدة في المدرسة وثانية هي تربية «الصيادين والقطافين»، على ما أسميها. فكنا عصابة في حي صغير من أطفال متفاوتي السن نلعب كل نهار بعد المدرسة إلى أن يخيم المساء. وكنا نلعب كل نهاية أسبوع، وكل صيف. وكان لدينا وقت التقصي عما نجهل، ووقت الضجر وتخيل طرائق الاحتيال على الضجر، ووقت الحلم في أثناء اليقظة، ووقت ارتكاب الحماقات، وقراءة الأشرطة المصورة أو كل الكتب التي لم توصنا المدرسة بقراءتها. وما تعلمته في حياتي صياداً وقاطفاً كان أثمن وأكثر نفعاً في حياتي اللاحقة، حياة الرشد، مما تعلمته في المدرسة، شأن غيري من زملائي.

وفي غضون الخمسين سنة الأخيرة تقلصت فرص لعب الأطفال، في الولايات المتحدة وفي غيرها. ويتناول كتاب «الأطفال واللعب: حكاية أميركية (نيويورك يونيفرستي برس، 2008/ هوارد بي توداكوف) النصف الأول من القرن العشرين، ويصفه بـ «عصر (الألعاب المرسلة وغير المنظمة) الذهبي»، ففي العقد الأول من القرن العشرين، غداة العام 1900، لم يعد عمل الأطفال حاجة اقتصادية تلح على الأهل، ووسع الأطفال اغتنام الوقت الحر هذا. وفي أواخر عقد 1950، شرع الأهل في تقييد هذه الحرية، واشترطوا على الأولاد صرف جزءٍ من الوقت الحر إلى الفروض المدرسية، وحالوا دون لعبهم وحدهم، وذلك حين لم يكن الأولاد في المدرسة ولا في أثناء إنجاز الفروض. وحلت التمارين الرياضية الموجهة والمؤطرة محل اللعب أو العمل المرتجل، والأنشطة غير المدرسية محل الهوايات. وحظر الأهل على أولادهم اللعب مع أصحابهم ومن هم في سنهم، من غير رقابة، خوفاً عليهم. وشهدنا في هذا الوقت تردي صحة الأولاد النفسية. ولم يقتصر الأمر على شهود اضطرابات غير معروفة من قبل. ومنذ 1950 تختبر الولايات المتحدة، بواسطة روائز عيادية أو سريرية، الحصر والانهيار العصبي لدى التلاميذ. ويظهر تحليل النتائج زيادة الأمرين زيادة مطردة في غضون هذه العقود. واليوم، تشخص نسبة إصابة بالمرضين تبلغ 5 الى 8 في المئة نظيرها في أعوام 1950. وفي الأثناء زادت نسبة المنتحرين في فئة البالغين 15-24 سنة، ضعفين، و4 أضعاف نسبتهم في فئة من لم يبلغوا الـ15 سنة.

وصاحب تقلص فرص اللعب تردي الشعور بالتعاطف وتعاظم النرجسية الأنانية. والتعاطف هو القدرة على تناول الأمور، من جهة الآخرين والإحساس بأحاسيسهم. أما النرجسية فهي ثمرة أنا متضخمة تقترن بضعف الاهتمام بالآخرين وبعجز عن نسج روابط لحمتها العاطفة. والظاهرتان، تردي التعاطف وتعاظم النرجسية، هما ما يتوقع على وجه الدقة من أطفال لم يسلكهم اللعب تسليكاً اجتماعياً. فقيم الحياة الاجتماعية وملكاتها لا يلقنها الأولاد في المدرسة. والمدرسة إطار يصدر عن الفرص وليس عن رغبات الأولاد وحاجاتهم التلقائية. وتشجع المدرسة التنافس وليس التعاون. وليس في مقدور الأولاد صفق الباب وراءهم حين لا تحترم حاجاتهم أو رغباتهم وميولهم.

وتحريت في كتابي «أتعلم حراً» (2016) أطوار المسألة، وربطت تعاظم الاضطرابات النفسية والعصبية عند الأطفال بتقييد حريتهم. ولا يفتأ أصحاب القرار وأهل الخير يحملوننا على خلاف تلبية حاجات الأطفال، وعلى تعظيم حصة المدرسة من الوقت، وتشديد المراقبة والتقويم.

وفي 2013، احتج مندوبو جمعية «ناشونال سنتر أون تايم أند ليرنينغ» («المركز الوطني للدوام والتعلم) لإطالة الدوام النهاري المدرسي والسنة الدراسية في الولايات المتحدة بالقول إن الأطفال يحتاجون الى قضاء وقت أطول في الصف استجابة لتحديات عالم اليوم والغد. وهذه الحجة تعارض التعليم باللعب، وتنزلهما على طرفي نقيض. وقد تبدو هذه المعارضة طبيعية. فالتعلم هو ما يحصل عليه الولد في المدرسة أو في أثناء تأديته أنشطة يتولى الراشدون توجيهها. واللعب، على هذا وفي أحسن الأحوال، يفصل بين أوقات التعلم. وعطلة الصيف هي في مثابة فرصة طويلة، ربما أطول مما ينبغي.

ولكن خلاف هذا الرأي وجيه وجدير بالاعتبار، فاللعب تعلم، والأولاد حين يلعبون يتعلمون دروساً لا تلقنها المدرسة. وفي سبيل تعلم الأولاد دروس الحياة عليهم أن يلعبوا، وأن يتمادوا في اللعب من غير أن يتدخل الراشدون في لعبهم. واختصاصيو علم النفس التطوري يدرسون قرابة طبيعة الانسان بطبائع الحيوانات وتكوينها. ويلاحظ أن الحيوانات الثديية الفتية من غير استثناء تزاول اللعب. فلماذا تبدد هذه الحيوانات طاقتها، وقد تخاطر بحياتها وبسلامتها وهي تلعب؟ والفيلسوف الطبيعي الألماني كارل غروس كان أول من أجاب عن هذا السؤال إجابة تطورية. فذهب في كتابه «ألعاب الحيوانات» (1898)، إلى أن اللعب ذريعة إلى اكتساب الحيوانات دراية تمكنها من الحياة والتناسل.

وتلقى هذه النظرية اليوم إجماع العلماء. فهي تعلل لماذا يفوق لعب الحيوانات الفتية لعب الحيوانات المسنة، ولماذا يقل لعب الحيوانات ذات الغرائز الثابتة عن لعب تلك التي تتمتع بغرائز مرنة. ويمكن توقع على وجه الدقة أصناف الألعاب التي يزاولها هذا الحيوان أو ذاك في ضوء المهارات أو الملكات التي عليه تحسينها في سبيل غذائه وتناسله. فالاشبال وصغار الأنواع الأخرى من الحيوانات المفترسة يقوم لعبها على رصد طرائدها والقفز عليها، بينما تتمرن حمر الوحش الفتية حين تلعب على الهرب والمراوغة. وتناول غروس، في كتاب آخر، البشر. ولما كان على هؤلاء تعلم أمور كثيرة تفوق كثيراً ما على الأنواع الأخرى تعلمه، فاقوها لعباً. والأطفال، على خلاف صغار أنواع الحيوان، عليهم اكتساب مهارات تختلف باختلاف الثقافة التي يشبّون فيها. والأطفال ينزعون إلى التعلم من طريق مراقبة أفعال الكبار، ويمثلونها في ألعابهم.

وحيث يتاح للأطفال أن يلعبوا من غير مراقبة أو قسر، يحرصون على اكتساب المهارات العامة والمشتركة (المشي والركض) حرصهم على اكتساب مهارات خصوصية هي من سمات ثقافة قومهم (شد القوس أو رعي الماشية). وقبل انتشار الزراعة منذ 10 آلاف سنة، كنا كلنا صيادين– قاطفين. وبعض الجماعات أقام على هذه الحال إلى أمس قريب، ودرس الإناسيون (الانتروبولوجيون) مجتمعاتهم، ولاحظ هؤلاء أن المجتمعات التي تعتاش من الصيد والقطاف لا تملك ما يشبه المدرسة. والراشدون على يقين من أن الأطفال يتعلمون من الملاحظة والاختبار واللعب. فيتركون لهم الحبل على الغارب. ويقضي الأولاد معظم وقتهم وهم يلعبون من الرابعة الى منتصف سن المراهقة أو أواخرها، حين يضطلعون من تلقائهم بمسؤوليات الراشدين.

ويتفق هذا مع نظرية غروس، فالصيادون يدور لعبهم على اقتفاء آثار الحيوانات وصيدها. ويتشرك الصبيان والفتيات في العثور على جذور النباتات التي تؤكل، وتسلق الشجر، وصناعة الأكواخ والمراكب. ويتسلى الأولاد من الجنسين، بمحاكاة الرقصات والأغاني التقليدية، ويبتكرون أخرى غير معروفة. وصغار السن يلعبون بمواد خطيرة مثل النار أو المدي، ويتركهم الأهل يفعلون لأنها الطريقة الوحيدة للتعلم. وتدعوهم الى اللعب رغبتهم ومتعتهم، وداعٍ طالع من أعماق الزمن ومن الانتخاب الطبيعي ينبئهم بأنهم يمهدون من هذه الطريق لبلوغ سن الرشد وحيازة المعرفة والتقنية الملازمتين. ويحقق هذا ملاحظة غروس: ما يرغب الأطفال والفتيان في تعلمه هو المهارات التي ترفع ثقافتهم من شأنه وتؤدي الى مهنة مرموقة وحياة سعيدة.

والدور الذي تضطلع به المدرسة هو حفظ أجوبة مناسبة عن أسئلة معلبة. ولكن الحياة الفعلية تقتضي طرح أسئلة جديدة وصوغ أجوبة جديدة، وتتوقع إعمال ذهن نقدي ومبدع، والمبادرة إلى أفعال واقتراحات لا تقتصر على التكرار والتعلم من الاختبار نفسه. ومنذ عقدين، يلح المربون والمدرسون في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا لأجل تبني مناهج التعليم اليابانية والصينية والكورية الجنوبية. وتلامذة هذه البلدان يكرسون للدراسة وقتاً يفوق الوقت الذي يكرسه نظراؤهم الأميركيون ويحوزون نتائج أفضل من نتائج هؤلاء. وما يغفل عنه دعاة المناهج «الآسيوية» هو أن بعض خبراء التربية في هذه البلدان يرون أن مناهجهم قادت الى إخفاق كبير، ولم تُعِدّ حَمَلَة شهادات مبتكرين ويحدوهم عطش حقيقي إلى التعلم.

فكتب جيانغ تشوويكين، أحد الاختصاصين الصينيين البارزين في التربية، مقالاً في «وول ستريت جورنل» (2010) جاء فيه: «لا شك في أن عيوب نظام قائم على الحفظ غيباً ظاهرة للعيان: نقص في المهارات العملية والاجتماعية، وافتقار إلى الضبط الذاتي والمخيلة، وضعف الفضول والإقبال على التعلم... وحين تتأخر مكانة التلاميذ الصينيين على سلم نتائج الاختبارات المقننة ندرك أننا نجحنا في تغيير النظام التعليمي الصيني». ويلاحظ يونغ زاو، وهو أستاذ أميركي في علوم التربية نشأ في الصين، وتخصص في المقارنة بين النظامين الصيني والأميركي أن حملة الشهادات يُعرفون في الصين على النحو التالي «علامات عالية ومهارات سخيفة».

وتناولت كيونغ –هي كيم، الأخصائية في علم النفس التربوي في عهد ويليام وماري (فيرجينيا)، نتائج «روائز تورانس في الفكر المبدع (TCPT) بالتحليل. فرأت أن النتائج مالت الى التردي منذ 1984 أو بعدها بقليل، ولم ترجع عن هذا الميل مذ ذاك. ونبهت (في دراسة نشرتها في 2011 في «كرياتيفتي ريسيرش جورنال») إلى ان التلامذة يفتقرون الى العبارة عن الانفعالات، وإلى قوة التعبير اللغوية عن الخيال والابتكار والحيوية والهوى والتمييز، وليس في مستطاعهم الوصل بين عناصر مبعثرة ظاهراً، ويعجزون عن الجمع المركب، وعسير عليهم تناول وضع من الأوضاع على وجه غير الوجه المباشر. ونحو 85 في المئة من التلامذة حصلوا، في 2008، على علامة تقل عن متوسط العلامة التي حصل عليها التلامذة في 1984، في باب «الصياغة المبتكرة» الذي يقيس القدرة على الاستحواذ على فكرة وتوسيعها أو البناء عليها بناء جديداً.

عن "الحياة"

اقرأ المزيد...

الوسوم: