
في ظلّ التحولات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر، وعلى رأسها الثورة الرقمية، لم يعد بناء الهويّة مقصورًا علي مؤسسات المجتمع الواقعي مثل الأسرة والمدرسة ودور العبادة والشارع ومجموعات الأقران وغيرها، بل أصبحت الهويّة تُصاغ اليوم في "فضاء رقمي" متسع لا يعرف حدودًا جغرافيةً أو زمانيةً، فضاء له المقدرة على خلق مسارات "رقمية افتراضية" قادرة على إزاحة مؤسسات المجتمع أو مشاركتها في صياغة الهويّة وصناعة الأنا الرقمية، ممّا يُعدّ تأثيرًا مقلقًا لمستقبل الإنسانية.
كان للزيادة المطردة في عدد مستخدمي المنصات الرقمية المختلفة، وانتشار التقنيات والوسائط الإلكترونية بين الناس من كل الجنسيات، دافع للباحثين لوضع تفسيرات سيسيولوجية لطبيعة العلاقات والتفاعلات في الفضاء الرقمي، التي فرضت وستفرض نسقًا اجتماعيًا جديدًا من العلاقات التفاعلية، ليست كتلك التي اعتاد المجتمع عليها، ولا يملك وضع قيم معيارية لها، هذه العلاقات بتكوّنها بعيدة عن المجتمع التقليدي تصنع هويّة وذاتًا رقميّة مفارقة للواقع بدرجة ما.
بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل في (مصر) مطلع العام 2025، حسب ما نشره موقع "داتا ريبورتال"، (50.7) مليونًا، أي ما يعادل 43.1% من السكان؛ (48.7) مليونًا يستخدمون (فيسبوك) من عمر (18) سنة فأكثر، وحوالي (20.1) مليونًا يستخدمون (إنستغرام) من عمر (13) سنة فأكثر، أي ما يعادل 23.5%، ومن يستخدمون منصة (تيك توك) حوالي (41.3) مليونًا من عمر (18) فأكثر، أي ما يعادل 56.1%. نحن إذاً أمام طفرة رقمية مرشحة للاتساع والزيادة، انهارت معها الحواجز المكانية والزمانية بين المستخدمين، لذا نحتاج إلى فهم آليات التفاعلات الاجتماعية في "الفضاء الافتراضي" ورصد تحولاتها وتأثيرها في الواقع المعاش. وليس المطلوب محاربتها (بافتراض أنّ هذا ممكن) وإظهار مساوئها، بل المطلوب خلق مناخ مناسب لتكونها بشكل صحيح وسليم مع تلافي آثارها السلبية.
والحفاظ على الهوية الأصيلة لا يعني الانغلاق، كما أنّ الانفتاح الرقمي لا يعني الذوبان، وإنّما المطلوب وعيٌ نقدي متوازن يجعل من الفضاء الرقمي مجالًا لبناء الذات لا لتشظيها، ولمضاعفة الانتماء لا لذوبانه، ولتوسيع الوعي الجمعي لا لتفتيته.
هذا ما كان يعنيه عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين (1925ـ 2023) عندما صاغ مفهومه المبتكر جدًا "المجتمع المُبرمج"، للدلالة على عصر ما بعد الحداثة، وهو صلب ما جاء في كتابه (نهاية المجتمعات)، ويرى تورين أنّ "المجتمع" لم يعد إطارًا تحليليًا كافيًا لفهم الواقع، وذلك بسبب تفكك الروابط الاجتماعية التقليدية، وصعود الفردية، والعولمة، والثورة الرقمية.
نحن أمام فرضيتين عكس بعضهما البعض؛ فإمّا أننا نواجه "تفككّ الروابط الاجتماعية التقليدية، وهو ما أتاح للهوية الرقمية" البروز والسيطرة وفرض نفسها على الواقع المعاش"، وإمّا "أننا أمام تجلٍّ للهوية الرقمية باعتبارها نتاج الثورة الرقمية، فأدت في النهاية إلى تفكك الروابط الاجتماعية التقليدية". وفي كل الأحوال بات واضحًا أنّ المستقبل في خطر، والحياة الاجتماعية ستختلف شكلًا ومضمونًا، فالروابط الاجتماعية التقليدية لم تصمد أمام الروابط الرقمية الجديدة، التي فرضت نفسها واستطاعت إعادة إنتاج الإنسان واحتياجاته وتطلعاته، بعد أن أصبح صانعًا للمعلومات ومتلقيًا لها في الوقت نفسه، فنحن أمام صياغة جديدة للإنسان من الخطر أن تظل مجهولة.
بناء الهويّة الرقميّة
يتم تشكيل الهويّة الرقميّة عبر وسائل التواصل المختلفة، بما يقدّمه الفرد عن نفسه من المعلومات الشخصية والسلوكيات والتفاعلات، أو من خلال ما ينشره من محتوى، وما يتفاعل معه من آراء وأفكار، وما ينتمي إليه من مجموعات رقمية، مع عدم وجود الخط الفاصل بين العام والخاص، وفي بعض الأحيان تتمّ صناعة هوية افتراضية وهمية، يتخفى وراءها لينشر من خلالها ما لا يمكن نشره في الواقع وبهويته الحقيقية، أو كما يقول عبد الله الوهيبي في كتابه (موت الأسرار): "الهويّة الافتراضية شغوفة بنشر الأسرار وتعرية الذات من خصوصيتها، التي تحولت إلى مادة للتجارة عبر مشاركة اليوميات للأسرار الحميمة."
وهي تبتعد على نحو ما عن تعريف الهوية الواقعية التي يعرفها عبد الحكيم أحمين "بأنّها معرفة وإدراك الذات القومية ومكوناتها من القيم والأخلاق والعادات والتقاليد، وهي سمات وخصائص يتميز بها شعب ما عن غيره من الشعوب، وتربط هذه السمات بالسلوكيات العامة لمجموع الأفراد والعلاقات السائدة والمنتج الفني والثقافي لهذه المجموعة أو هذا المجتمع."(1)
صنّاع الهويّة الرقميّة
من المؤكد أنّ انتشار استخدام المنصات الرقمية في كافة مناحي الحياة صنع مجتمعًا افتراضيًا موازيًا للمجتمع الحقيقي التقليدي وليس بديلًا عنه، ولكنّه قلل الشعور به والحاجة إليه، كما أضعف تأثيراته في صناعة الهويّة وتشكيل الذات، من خلال الفواعل الاجتماعية الرقمية، التي منها منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إنستغرام، تيك توك، إكس، يوتيوب) والألعاب الإلكترونية والتفاعلية، والمؤثرون الرقميون الذين يشكّلون قدوة أو نموذجًا للسلوك، صاروا رموزًا تربوية غير رسمية، يوجّهون سلوك الأجيال الجديدة أكثر ممّا يفعل المعلمون أو الآباء، وكذلك المحتوى الرقمي (الأفلام، الفيديوهات، البودكاست، المنتديات).
وأخيرًا الخوارزميات التي تلعب دورًا كبيرًا كفاعل اجتماعي رقمي، قادر على توجيه المحتوى حسب اهتمامات المستخدمين، إذ تقوم بتغذية المستخدمين بالمحتوى الذي يتوافق مع ميولهم وأفكارهم، وهو ما يخلق فقاعات فكرية تعزلهم عن الرأي الآخر، وهنا تتشكّل تنشئة رقمية انتقائية، تُغذّي الفرد بما يريد سماعه فقط، وتُضعف قدرته على الحوار والتنوع والتفكير النقدي.
خصائص الهويّة الرقميّة
هذا التحول يصنع في النهاية هويّة وذاتًا افتراضية، من خصائصها أنّها أكثر سيولة وتغيرًا، يملك صاحبها القدرة على تعديلها وتحسينها أو إعادة بنائها، لتكون نسخة مختلفة أو قريبة عن ذاته الحقيقية، تُعبّر عن رغباته المكبوتة أو طموحاته الاجتماعية، ممّا يجعلها عرضة للتشظي أو التناقض أحيانًا، خلاف الذات الواقعية في العالم المعاش.
ورغم أنّ الهويّة الرقميّة تمنح صاحبها حرّية التعبير والانفتاح، لكنّها أيضًا قد تعرّضه للاغتراب والضياع، وخاصة أنّنا في عالم مضطرب يختلط فيه الواقع بالافتراضي، والحقيقة بالوهم، والهوس بالمظهر والصورة، فضلًا عن الإنفاق المبالغ فيه للوقت والمال لصناعة صورة مثالية (غير حقيقية) أمام الجمهور.
الإشكالية أنّ هذه الهويّة تتشكّل بعيدًا عن أيّ رقابة مجتمعية أو القيم المعيارية المعترف بها، فأصبح العالم الافتراضي هو من يعيد تشكيل القيم متأثرًا بالسيولة والحرّية في التعبير والتخفف من العقوبات المجتمعية نظرًا لكونه افتراضيًا غير حقيقي، فأنتج قيم التعصب والتحيز والانغلاق، وهو ما يجعل بناء الشخصية المعاصرة عملية أكثر تعقيدًا وتشابكًا عمّا كانت عليه من قبل.
اضطراب الهويّة الرقميّة
أن يعيش الفرد بأسلوب معيّن على الإنترنت (الفضاء الافتراضي) يناقض تمامًا سلوكه الواقعي قد يؤدي إلى ظهور اضطرابات، فقد يتعرّض الفرد لفقدان التوازن النفسي، نظرًا لتضخم الأنا الرقمية، ممّا يجعل الفرد يعيش تحت ضغط دائم لإرضاء الآخرين، وعندما تقلّ التفاعلات، يشعر بالانهيار أو الفشل، مع تلاشي الحدود بين "الأنا الحقيقية" و"الأنا الرقمية"، وهو ما يخلق هويّة متوترة وغير متسقة، كما أنّ التعلق بصورة الأنا الرقمية في العالم الافتراضي قد يؤدي إلى تزايد نوبات القلق نظرًا لأنّ الأنا الرقمية تتطلب أداءً مستمرًا وكمالًا دائمًا، ممّا يخلق شعورًا بالعجز والإرهاق النفسي.
نحو التوازن بين الواقعي والرقمي
لا يمكن التعامل مع المستقبل بالأطر التقليدية نفسها، والأجيال التي تعاملت مع التقنية وعاشت في العالم الافتراضي تجد رعاية قد تكون سببًا لهدم المجتمعات، وليس من الحكمة التعامل بماضوية في ظل ثورة رقمية، ولا الاستسلام لها والإقرار بالهزيمة، بل أزعم أننا يجب أن نتعامل مع الهويّة الرقميّة ليس على أنّها بديل عن الهويّة الواقعيّة يجب محاربته، بل المفترض التعامل معها باعتبارها امتدادًا لها يجب ترشيده وتنظيمه، ومن الضروري أن تُدرج التربية الرقمية ضمن برامج التعليم والتنشئة لتعليم الأجيال الجديدة، وينبغي تعزيز الثقافة النقدية التي تساعد على التمييز بين المعلومة والتضليل، وبين التعبير الحر والتلاعب العاطفي. كذلك على المجتمعات أن تطوّر سياساتها الرقمية لتحمي الخصوصية والكرامة الإنسانية، وتمنع الاستغلال النفسي والمعلوماتي للأفراد، فالتوازن بين الرقمي والواقعي هو السبيل لحماية الهويّة الإنسانية من الذوبان في الفضاء الافتراضي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)