المواطن الإخواني الأزرق ودولته القرمزية

المواطن الإخواني الأزرق ودولته القرمزية

مشاهدة

13/07/2020

لم أقابل كائناً فضائياً من قبل، ولا أعتقد أنّ أحداً قد فعل؛ لذا، ففي كلّ مرّة أشاهد فيلماً عن الهجوم الفضائي المحتمل تصيبني الدهشة: لماذا تأتي الكائنات الفضائية في هذه الأفلام خضراء اللون؟

استعنت بما في حوزتي من كتب في السيميولوجيا لفهم دلالات الألوان، فوجدت أشياء عن الألوان الرامزة للموت في الثقافات المختلفة، وكذلك الألوان الرامزة للحب أو الفرح أو الحرب أو الشهوة، لكني لم أعثر على ما يفسّر دلالات لون هذا الكائن الفضائي الغامض. فتوقفت عن البحث واستعنت بالله وفتشت في عقلي عن سبب. وهنا تفتقت قريحتي عن فكرة عسى أن تكون صحيحة، قلت: ربما كانت المسألة متعلقة بمنطق ما لتقسيم الكائنات حسب اللون. فبقدر ما أعلم، وفي أعقاب تقسيم العالم في فترة ما بعد الاستعمار، استقرّ علماء الأنثروبولوجيا والساسة العنصريون على تقسيم شعوب العالم حسب اللون؛ فهناك بالطبع الشعوب البيضاء، والتي تمثل قمّة هرم التقدّم والذكاء الإنساني، تأتي بعدها شعوب تتفاوت في قيمتها حسب أهميتها للجنس الأبيض، كالأجناس السوداء، والصفراء، والحمراء. وعليه فإنّ أي سلالة إضافية، وهي في حالتنا السلالة الفضائية، لا بدّ من وسمها لونياً بشكل يميزها عن السلالات الأرضية، ومن هنا كان اللون الأخضر.

بالطبع، لا بدّ أن يسألني القارئ الأريب: وما علاقة المواطن الإخواني المذكور في عنوان المقال بهذه المقدّمة التشكي - سيميو- سياسية (مركّبة من: تشكيلي، وسيميولوجي، وسياسي، وهي من نحتي الخاص)؟ الحقيقة أنّ هذا المواطن الإخواني يعتبر نفسه من سلالة قائمة بذاتها، تختلف إيديولوجياً ولونياً عن كلّ السلالات البشرية والفضائية، لذا اخترنا له لوناً خاصاً فكان الأزرق، وهو لون وقور يليق تماماً بوقار جماعة الإخوان المسلمين، ولولا هذا الوقار، لاخترنا لهم اللون الأحمر الفوشيا أو الفستقي أو البمبة المسخسخ.    

يرجع أوّل وجه من وجوه تميز المواطن الإخواني، الأزرق كما وصفناه قبلاً، أنه عذري، لم يتحقق إلى الآن منتظراً دولته؛ أي وفقاً لتعبيرات هيغل، مواطن بالقوة وليس مواطناً بالفعل، باعتبار أنه لن يتحقق إلا في دولته. ليس أمامه والحالة تلك إلا الانغلاق على الذات والتجرثم ريثما يحقق التاريخ دولة الإخوان المنتظرة. وحتى يحين ذلك الوقت، فهو يعزل نفسه عن تأثير المجتمع المحيط به (مطبقاً المفهوم العبقري "العزلة الشعورية" الذي انبثق من عقل فقيد الدين والأدب والفلسفة والعنف سيد قطب)، ولا يتفاعل إلا مع جماعته، متمثلة في الأطر الإخوانية المعروفة: الأسرة والعشيرة... إلخ؛ فلا يتزوج إلا بإذن الجماعة، ويا حبذا لو من داخلها، ولا يعمل إلا في عمل يتصل بالجماعة ومصالحها.

إذن فنحن لم نتجنّ على صديقنا الإخواني الطيب، حين قلنا إنه ينظر إلى نفسه كعنصر من سلالة مختلفة عن باقي السلالات، بما فيها سلالة الكائنات الفضائية. إذ، لمّا كانت الألوان المتبقية للتمييز المحايد قليلة، فقد اخترنا له اللون الأزرق كمجرّد إشارة على التفرّد. أمّا وصف دولته المنتظرة بالدولة المستحيلة، فقد اقتبسنا الاسم من الدكتور وائل حلاق، الذي أصدر كتاباً مهمّاً ناقش فيه استحالة نشوء ما تُسمى بالدولة الإسلامية، لمخالفتها كافة معايير الحداثة اللازمة لتحقق الدولة فعلياً.  

وإذا كانت دولة الإخوان المأمولة دولة بالقوة وليس بالفعل، الدولة الإسلامية الإخوانية الحلم، الدولة التي ستتولّى منصب أستاذية العالم، نقول: طالما أنّ هذه الدولة غير متحققة بالفعل، فإنّ مواطنها الإخواني حلم لم يتحقق، فالدولة والمواطن وجهان لعملة واحدة، فالدولة الإخوانية هي الوجه، والمواطن الإخواني هو "القفا".

ولأجل أن يتحمّل هذا المواطن الوهمي الانتظار حتى تحين ساعة تحقق الحلم، عليه أن يعزل نفسه تماماً عن مواطني الدولة الفعلية التي يعيش فيها، مصر كانت أو أيّ دولة أخرى عربية أو إفرنجية. ذلك أنّ خطر الذوبان في هذه المجتمعات الفاسدة المنحلة الجاهلية قائم لو نسي المواطن الإخواني حذره قليلاً واندمج في مجتمعه الوطني. وكان المبدأ الأوّل الذي تقرّره الجماعة لحماية نفسه من التلوث بالواقع الوطني هو التعالي بالإيمان، والإيمان المقصود ضمناً هنا، وأثبتت الأحداث المقصود منه، هو الإيمان بالجماعة ومرشدها العام وقاداتها وبنائها التنظيمي السرّي. 

من ناحيتها، تحرص جماعة الإخوان كلّ الحرص على تكريس هذه التركيبة النفسية والشخصية الخاصة للمواطن الإخواني فارغ العقل، وأقصد من تأثير المجتمع الجاهلي الذي يعيش فيه. فتزرع في ذهنه أنّ الجميع يتآمر على الجماعة لأنها تمثل الإسلام الحق، لكنّ جماعة الإخوان ستتمكّن وتنتصر وتبني دولة الإسلام، مهما تعرّضت للمحن. وتكرّس الجماعة في عناصرها الطاعة والانقياد التام لتعليمات القيادة، دون مناقشة أو إعمال للعقل؛ فالعضو ليس وظيفته التفكير، وإنما التنفيذ، طالما رزقه الله بمرشد ملهم عصمه الله من الزلل أو الخطأ.

يظلّ هذا المواطن، الحامل لكلّ قيم الجماعة، كما ذكرنا في أول المقال، متجرثماً، حتى يمنّ عليه الله بثورة شعبية، أو تغير في موازين القوى، فتأتيه الأوامر بالخروج إلى العالم، منيراً، مدهشاً، متألقاً، تحيطه هالة نورانية ربانية، فيركب الموجة، ويتسلق الأكتاف، كي يرفع مرشده العام إلى سدّة العرش، وتقول الأسطورة الإخوانية: إنّ البيضة وقتها تفقس دولة الله المنتظرة.


الصفحة الرئيسية