الكتابة والمعنى التعددي عند الصوفية

الكتابة والمعنى التعددي عند الصوفية

مشاهدة

16/01/2020

إذا كان العرفان لا ينتج معرفةً بالمعنى اليقيني والطبيعي للمعرفة، فإنّه ينتج كتابة وجوديّة كأعمق ما يكون. ويبدو أنّ الكتابة بما هي جملة من الاشتباك الحادّ بين الذات والخارج عبر اللغة لا تجد كمالها إلّا في عجزها. إنّ تجربة التصوّف عامة، والكتابة الصوفيّة خاصّة، هي تجربة تمثّل الهشاشة البشريّة في صفائها، وتضيء الاحتجاب الذي نحياه، وتبيّن هذه المسافة الهائلة التي نحياها بيننا وبين أنفسنا وبين وجودنا. 

فكما كان المتصوفة أهل الطريق، كذلك كانوا أهل طريقة في الكتابة. والكتابة عند المتصوفة لاشك أنّها تُوقعنا في كثير من الأفخاخ البلاغية، التي سيُتعامل معها وتُقرأ كزينة بلاغية، ورتوش جمالية للنص المكتوب. هذا على صعيد من يكتب عنهم، فكيف بكتابتهم؛ فلا شك أنّ الكثير يتعامل مع النصوص الصوفية على أنّها نصوص أدبية بمعزل عن النسق الصوفي الذي ينتجها. وسأحاول في هذه السطور بيان كيف أنّ الكتابة الصوفية ليست كذلك، وأنّها تنمّ وتشف عن النسق الصوفي، بمقولاته الأساس، الذي أنتجها على مدار تاريخه العرفاني.

اقرأ أيضاً: ماذا يبقى من الصوفية إذا تورطت في السياسة؟

يُلاحظ أدونيس، في كتابه الهام: "الصوفية والسوريالية"، أنّ الكتابة الصوفية يُعاني قارئوها من تِيه دلالي وغموض في الرؤية، ويعلل ذلك بأنّ المتصوف يذهب إلى الكتابة ولم يكن النص قد تبلور في ذهنه بعد. وأظنّ أنّ هذه المُلاحظة مهمة للغاية، خاصةً في ظلّ تصاعد الشكوى من غموض التصانيف الصوفية على الكثير من القرّاء. فلن يحتمل كلُّ أحدٍ أن يقرأ المواقف للنفري، ولا الفتوحات لابن عربي،... إلى آخر تلك النصوص المركزية في الفضاء الصوفي.

يعاني قارئو الكتابة الصوفية من غموض ويعلل أدونيس ذلك بذهاب المتصوف للكتابة ولم يكن النص تبلور بذهنه بعد

لقد قال النفري في مواقفه كلمة عظيمة سأجعلها محور تفسير أو أداة لاستبصار هذا الغموض الحادث، قال: "قال لي: العلمُ المستقر، هو الجهل المستقر". وهذا هو الحادث على صعيد الكتابة الصوفية تماماً. نُلاحظ ونحن نقرأ النص الصوفي، أنّ صاحبها يُعالج نفسه وأفكاره من خلاله. النص هو حالة من اللامجهول للوصول إلى نُقطة هناك، إن وصلتَ إليها فأنت في بداية الطريق. هو حالة من اللاوعي لإدراك الوعي الحقيقي. كما إنّ النص عندهم هو مرآة أو انعكاس لـ"حال" أو لـ"موقف" ما. فلا عجب أن نجد ضمن النص الصوفي عدة "إغماءات" لغوية متكررة، وكأنّ المتصوف قد غاب حتى أُغمي عليه من فرط اللغة. إنّهم لم يتصوفوا بأرواحهم فقط، تصوفوا بلغتهم كذلك، تصوفوا بما يملكون ليصلوا إلى ما لا يملكون.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟

النص عندهم هو، باختصار، جهلٌ مستقرٌّ بالمعنى. الكتابة ضرب من ضروب العلم به. لكن اللغة لا تفي وتخون دائماً في أن توصلهم، دوماً ما تُخاتلهم فتُخاتل القارئ من بعدُ. إلّا أنّ هناك احترازاً منهجيّاً لا بدّ من التنويه إليه: وهو أنّ (النصّ) الصوفي ليس نصاً ناجزاً، وليس نصّاً منطقياً يبتدئُ من فواتح إلى خواتيم ضمن تسلسل بنائي وهرميّة منطقيّة، بل إنّ نصاً كنصّ النفري هو نصّ تهذيبي وغير نسقي، نصّ غير كِتابي، رؤى مخضرّة، والتماعات وجوديّة عميقة.

على سبيل المثال، تمثل عبارة الشيخ ابن عربي تجربة وجودية قبل أن تكون لغوية. إنّ لغة الشيخ هي لغة داخل اللغة؛ لأنها لغة لا تسعها اللغة، وكيف تسعها وهي تريد أن تصف "اللامتناهي" الذي تعجز عن وصفه كل اللغات. إنّ عبارة ابن عربي رؤيا بدايةً، ثم هي حروف، وهذا الارتباك المشع في لغته ناتج عن تلعثم "أنطولوجي" عجزت عنه اللغة فارتبكت مفاصلها فهامت على وجهها. إنّ لغة الشيخ ابن عربي هائمة على وجهها، تتلمس الأبجديات جميعها، وتطرق أبواب المعاجم، لكنها تعود عارية إلا من تجربتها المليئة بـ "ما لا يقال"؛ إنّها لغة واقفة في موقف "الما لا يقال"؛ لذا هي لغة تصمت أكثر مما تتكلم، ولهذا أيضاً لاحظ باحث كأحمد الصادقي في كتابه عن ابن عربي أنّ هناك سكتات تملأ لغة الشيخ ابن عربي. وبرأيي أنّ هذه السكتات ما هي إلا نافذة التأويل التي تركها الشيخ للذين سيأتون خفافاً مبللين بالمعنى.

النص عند المتصوفة هو باختصار جهلٌ مستقرٌّ بالمعنى. والكتابة ضرب من ضروب العلم به. لكن اللغة لا تفي

ولا يخفى على قارئ الخطاب الصّوفي هذا التأزّم العنيف للغة، إنّ اللغة تكاد أن تخرج من نفسها كي تعبّر عن المعنى المراد، اللغة لا تسعها اللغة في يد الصوفيّ، وهي عاجزة لهوْل المعنى وليس لركاكة العبارة. إنّ هذا الارتباك اللغوي هو ناتج عن هزات وجودية يعانيها المتصوف، وهذا ما جعل البعض منهم يرى اللغة (كحجاب) وليس كإبانة. فإذا كان الشاعر يعاني تلك المعاناة ويتكبّدها، إلّا أنّ المتصوّف على كتفه إرث ميتافيزيقيّ مشعّ: إنّه يريد أن يمرّر المطلق في اللغة. أنّت اللغة، وحقّ لها أن تئن.

ما أودُّ قوله هو أنّ الكتابة الصوفية ليست هرطقة من الهرطقات، وإنما حقيقة وجدانية في البداية يتمثلها المتصوف، ثم هي من بعض نص حائر كحيرة الصوفي. ومَن يصفها بالهرطقة لا يعرف أنّها ليس كتابة طبيعية سائدة، بل هي كتابة إشارية خفيّة. فإذا كان الكاتب الطبيعي يعبّر بالمعاني، فالمتصوف يعبّر بالإشارة. فهم، وإن اشتركوا في الاسم مع الكتابة الطبيعية، يختلفون تماماً في المسمّى. الدوال واحدة، والمدلولات مختلفة. لذا؛ فالدخول إلى النص الصوفي يحتاج إلى إفراغ الذهن من المدلولات المُسبقة، والعلامات الثابتة، فالطريق هناك ليس هو الطريقُ هنا، والمقام هناك ليس هو المقام هنا.

ولذلك كان التأويل هو حديقة المعنى هناك. فالثابت متغير، والمتغير في حالة تغير، والتأويل هو سيد المشهد. فكيف ينثر الصوفيّ نفسه معنىً وهو لا معنى له؟ كيف ينكسرُ على مذبح اللغة، وهو الذي ما فتئ يندد باللغة، واصفاً إياها بالضيق، على قول النفري: "كلما اتسعت الرؤية ضافت العبارة"؟... هذه اللعثمة، أو هذا التلعثم اللغوي هو تلعثم وجودي قبل أن يكون لغوياً، فلم تحتمل عيناه النور فسَكِر سُكراً هو أشبه بصعقة موسى، فكانت لغته سُكراً لا حروف جامدة.

اقرأ أيضاً: من يخطط لاستدراج الصوفية إلى ملعب الإسلام السياسي في تونس

لكن علينا أن نفهم عبارة "استحالة المعنى" في ضوئها الأخضر، وليس في قتامتها السوداء. فاستحالة المعنى هي التي تجعل المعنى يمرّ، وهي التي تجعله يظهر من جديد في تبدّيات مختلفة، هي من تجعله مختلفاً، كي لا نعيش في تكرار أبديّ لا يفتأ يتكرّر.

وفي هذا السياق، يمكن أن نتذكّر بهذه المقولة لعبد الجبار النفري في "المواقف": "وقال لي: عزمك على الصمت في رؤيتي حجبة؛ فكيف على الكلام؟"، فهي توضّح هذا الصمت المتكلّم أو الكلام الصامت عند الصوفية، لكنّه أيضاً كلام مُنتج للمعنى، وتعدديّ، بعيداً عن اللغات التقريريّة التي لا تهتم بالوجوديّ في الإنسان؛ هذا الإنسان الذي لا يملك سوى اللغة للتعبير عن المطلق، لكنها، في تعبيرها، هي قاصرة بحد ذاتها.

الصفحة الرئيسية