
كان "طوفان الأقصى" في هندسته الأولى محاولةً لإعادة إنتاج الفوضى الموجّهة ضمن مختبر الجغرافيا الإقليمية، صُمِّم في عقلٍ استراتيجي يقرأ الممرّات كما يقرأ الخرائط الكهربائية، حيث كل تماسّ يولّد شرارة وكل انقطاع يغيّر اتجاه التيار. كان الهدف أن يُحدث الطوفان تداخلاً مدمّراً بين محاور الجغرافيا الحيوية: غزة بوصفها بوابة المتوسط، بيروت كمِرفأٍ للنزف الدائم، باب المندب كعنقٍ لوجستيّ حساس، والأردن ومصر والسعودية كمفاصل توازن في معادلة الاستقرار. الخطة كانت أن تتعطّل هذه المفاصل في اللحظة نفسها، فيتشقق “الكوريدور الهندي–الأوروبي” الذي كانت واشنطن والرياض ونيودلهي ترسم له معالمه كبديل آمن للممرّات الصينية والإيرانية.
لكن ما صُمِّم ليكون شتاءً يطفئ الضوء في الممرات، انقلب إلى محراثٍ عارم حرث الأرض حرثاً، ليس لكي تزرع فيها الثورة بل الفوضى؛ إذ إنّ النار التي اشتعلت في غزة سرعان ما لحقت بظلالها إلى الجنوب اللبناني، فارتجّ شريط المواجهة على امتداده من عيترون إلى صور، ثم تردّد صداه في باب المندب حيث انكشفت أوراق التلاعب بالبحر الدولي، فدخلت القوى البحرية الكبرى لحماية التجارة العالمية، وتحوّلت كل منطقة إلى اختبار لقدرة إيران على إدارة أذرعها البعيدة دون أن تحترق الأصابع التي تمدّ الخيوط.
كانت طهران تتصوّر أنّ تعدّد الجبهات سيمنحها نفوذاً تفاوضياً مضاعفاً، وأنّ ضغط الممرّات سيجبر الغرب على الاعتراف بها كقطبٍ لا يمكن تجاوزه. غير أنّ الموجة ارتدت عليها. فكلّ ضربة في غزة كشفت ضعف منظومتها الاتصالية، وكل تصعيد في لبنان استنزف خطاب "الممانعة"، وكلّ تهديد للملاحة في البحر الأحمر استدعى تحالفاً دولياً لم يكن في الحسبان. حتى الداخل الإيراني الذي كان يحتفل بقدرة "الوكلاء" على إشعال الجغرافيا من بعيد، بدأ يواجه ارتداد الأزمات: عقوبات متجددة، تراجع اقتصادي، وانكماش في الممرات التي كانت تراهن على فتحها نحو المتوسط.
في هذه السلسلة المتتابعة من الارتدادات، تحوّل الطوفان إلى محراثٍ لا يحفر في تربة فلسطين وحدها، بل في الجغرافيا السياسية كلّها. لقد سقطت فكرة "التحكم عن بعد" بالوكلاء، إذ باتت كل جبهة تطلب أثمانها وتُمسك بخيوطها الخاصة. وبدلاً من أن يتقطّع الكوريدور الهندي–الأوروبي، تبلورت الحاجة الدولية لحمايته وتثبيته كرمزٍ لاستقرارٍ متوازن يمرّ فوق رماد المناطق المشتعلة. وهكذا صار ما أُريد له أن يكون كسراً للممرات دافعاً لإعادة هندستها بشكل أعمق وأشدّ ديمومة.
أما على الأرض، فقد بدا الحرث كأنه جزاء القدر السياسي؛ فغزة التي أُريد لها أن تكون منصةً لخلخلة الممرّات صارت عنواناً لدمارٍ شاملٍ يعيد إنتاج المسألة الفلسطينية في سياق إنساني عالمي، وليس إقليمي. وجنوب لبنان الذي كان يفترض أن يضغط على الخاصرة الإسرائيلية أصبح بدوره مسرحاً لتآكل الردع واهتزاز منظومة الحزب الذي لم يعد قادراً على الاختباء وراء شعار "التوازن". وباب المندب الذي أُريد له أن يختنق بالتوتر صار محروساً بأساطيل العالم، يفتح ويغلق وفق منطق السوق وليس منطق الثورة. وهكذا امتدّ الحرث من غزة إلى صعدة، ومن صور إلى طهران، ليحفر في الوعي الإقليمي قبل أن يحفر في الأرض.
لم يعد الطوفان إذن فعلاً منسوباً لحدثٍ عسكريّ أو سياسيّ، بل لحظة انكشافٍ لخللٍ عميق في منطق توظيف الصراع. إذ حين تُستعمل الجغرافيا كأداة ضغط، قد ترتدّ عليها قوانينها، فيتحول الماء الذي كان يُراد به الطوفان إلى محراثٍ يحفر مجاري جديدة للتاريخ. ومن هذا المنظور، فإنّ ما جرى لم يكن سوى اختبارٍ لحدود الوظائف الإقليمية في زمن الثورة الصناعية الرابعة، حيث تتصارع الخرائط وليس الجيوش، ولا تتبدّل موازين القوة بالرصاص بل بالممرّات، ولا تتبدل بالبروباغندا بل بتقنيات الربط الذكي.
وهكذا انتهى "الطوفان" إلى ما يشبه القصاص الجيوسياسي: اندفع ليقطع شرياناً فابتلع قلبه، وحرث الأرض التي أراد أن يُسقيها بالنفوذ فأنبتت له شوك الارتداد. وتبقى العبرة أنّ من يظنّ أنّ الممرّات يمكن كسرها بالدم وليس بالاتفاق، سيكتشف أن الجغرافيا – مهما طال ليلها – تعرف كيف تعيد الاتزان حين يفرغ الفعل من منطقه.
عن صفحة الكاتب الشخصية في فيسبوك

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6.jpg.webp?itok=04T3Qc2_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_1_0_0.jpg.webp?itok=IzzqJrNy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_0.png.webp?itok=veLM0KG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1.jpg.webp?itok=MsmU4uk7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bd_3_0.jpg.webp?itok=2AIUpTU2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_0.jpg.webp?itok=M28--bfZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)