الصراعات تعصف بتونس: الرئيس يطالب بتغيير الدستور و"النّهضة" ترفض

الصراعات تعصف بتونس: الرئيس يطالب بتغيير الدستور و"النّهضة" ترفض

مشاهدة

30/06/2021

ظلّت تونس تلاحق الأحداث المتتالية، وتبحث عن الاستقرار في مشهد متحرّك لم يهدأ على امتداد السنوات العشر الماضية، التي تعاقب خلالها 10 رؤساء على حكوماتها، وسجّلت آلاف التحركات الاحتجاجية في ظلّ اقتصاد متدهور، وسلطات موزّعة بين رؤساء تعطّلت لغة الحوار بينهم منذ أشهر طويلة، ما أدّى إلى دخول مؤسسات الدولة في شلل كلّي.

ولتجاوز هذا الارتباك والتخبّط في سنوات الديمقراطية الأولى، يرى رئيس الدولة، قيس سعيّد؛ أنّ الخلل يكمن في الدستور الذي أفرزه برلمان ما بعد الثورة، وأنّ الحل يكمن في التخلي عنه والعودة إلى دستور 1959، عبر آلية الاستفتاء، وفق ما صرّح به الأمين العام للمركزية النقابية، نور الدين الطبوبي، عقب لقاء معه في قصر قرطاج مؤخراً.

ويعرف عن رئيس الجمهورية انتقاده الدائم للنظام السياسي الحالي، وسبق أن أعلن، إبان ترشحه للانتخابات الرئاسية الماضية، أنّه سيقدم مبادرة تشريعية من أجل تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي بهدف دعم الحكم المحلي.

اقرأ أيضاً: هل أصبح العنف قاعدة لدى الحكومة التونسية؟

جدير بالذكر؛ أنّ سعيّد أستاذ قانون دستوري من خارج المنظومة السياسية، فاز بانتخابات 2019، بتفويض قارب 3 ملايين صوت، وهي النسبة الأعلى منذ قيام الثورة، وهو في صراع مع رئيس الحكومة المدعوم من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة الإسلامي.

لماذا يريد الرئيس التونسي العودة إلى دستور 1959؟

مقترح العودة بتونس إلى دستور 1959، الذي تمت صياغته في بداية عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، والذي يكرّس نظاماً رئاسياً بعكس الدستور الحالي، كان بمثابة الصدمة لدى فئة من التونسيين الذي عارضوا هذا النظام، ورأوا أنّ الغاية الوحيدة لسعيّد هي تغيير نظام الحكم، غير أنّ الرئيس أكد لاحقاً أنّه لم يتحدث عن نقل مركز السلطة إلى رئاسة الجمهورية، بل دعا إلى التفكير في تصورات جديدة في إطار حوار وطني مع تشريك الشباب، لمراجعة النص (الدستوري) الذي لم ينجح.

الدستور التونسي الحالي خلق أزمة صلاحيات و"فتّت" صلاحيات السلطة التنفيذية إلى نصفين غير متساويين، تُرجَّح فيها كفّة رئيس الحكومة المعيّن على حساب رئيس الجمهورية المنتخب

وشدّد سعيّد على أنّ "دستور 2014 أثبت بالتجربة أنّه غير ملائم وغير مناسب؛ لأنّهم لا يتعظون من التاريخ"، مبيناً أنّه "تحدث عن المؤسسات الدستورية المعطلة، والأقفال الموجودة على كلّ فصل من الدستور"، وتابع: "اليوم انتقلنا من (نظام) الحزب الواحد إلى اللوبي الواحد؛ إذ يتحكّم عدد من الأشخاص من وراء الستار"، في إشارة لحركة النهضة وداعميها.

وأكدت النائب بالبرلمان عن الكتلة الديمقراطية، ليلى حداد، وجود توجه لدى رئيس الجمهورية، قيس سعيد، لإجراء استفتاء شعبي لتعديل الدستور للخروج من المأزق الحالي، وشددت على أنّ حركة الشعب تدعم إجراء تغيير جذري للقانون الانتخابي والنظام السياسي على اعتبار أنّ ما أفرزته التجربة الحالية من عدم إمكانية أخذ رئيس الجمهورية بزمام الأمور، خاصة في المسائل المتعلقة بالأمن القومي في ظلّ نفوذ السلطة التشريعية.

اقرأ أيضاً: الرئيس التونسي ينفي الوساطة بينه وبين الغنوشي... تفاصيل

وأعلنت مجموعة من الأحزاب والمنظمات والجمعيات والشخصيات الوطنية التونسية تأسيس جبهة وطنية، لتعديل الدستور فيما يخص النظام السياسي والانتخابي للبلاد، بانتظار الإعلان عنها رسمياً، فيما لم يصدر اتحاد الشغل موقفاً رسمياً بعد.

ورأى الناشط في الحركات الاجتماعية، عبد الحليم حمدي، في حديثه لـ "حفريات"، أنّه يتقاطع مع سعيّد في بعض النقاط المتعلّقة بتغيير الدستور، خصوصاً النقطة التي يدعو فيها لتغيير نظام الحكم في تونس، الذي لم يكرّس الديمقراطية كما رُوّج له، لأنّه لا يعبّر فعلاً عن إرادة الشعب، لافتاً إلى أنّ الدستور الحالي لا يمكّن الشعب من ممارسة حقّه في السلطة مباشرةً عبر آلية الاستفتاء، المرتبطة بموافقة البرلمان، وتبقى بذلك الأغلبية السياسية متحكمة في إرادة الشعب.

الناشط في الحركات الاجتماعية، عبد الحليم حمدي

وأشار حمدي إلى أنّ الدستور الحالي خلق أزمة صلاحيات بين ممثلي السلطات في تونس، و"فتّت" صلاحيات السلطة التنفيذية إلى نصفين غير متساويين، تُرجَّح فيها الكفّة إلى رئيس الحكومة، المعيّن على حساب رئيس الجمهورية المنتخب مباشرةً من الشعب، وهو ما شلّ مؤسسات الدولة.

اقرأ أيضاً: التسريبات الأخلاقية تعمّق جراح التونسيين

من جانبه، ثمّن الأمين العام لحركة مشروع تونس، محسن مرزوق، في تدوينة له على صفحته في الفيسبوك، الخطوات التي أقدم عليها الرئيس قيس سعيّد، معتبرا أنّها "تتطابق مع مطالب حزبه في الذهاب نحو الجمهورية الثالثة، وإرساء نظام رئاسي ديمقراطي وإعلان القطيعة مع المنظومة السياسية الحالية"، مطالباً بضرورة منح رئيس الجمهورية صلاحيات إضافية تجعله في وضع مساواة مع البرلمان.

أزمة الحكم والصلاحيات المبتورة

وتسود تونس أزمة سياسية خانقة منذ شهور تجلت في الخلافات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هشام المشيشي، بعد أن أقال رئيس الحكومة المشيشي وزراء مقربين من سعيّد، من بينهم وزير الداخلية السابق توفيق شرف الدين، هذا العام، فرفض سعيّد قبول أداء اليمين للوزراء المقترحين، ومنذ ذلك الوقت يشغل رئيس الوزراء منصب وزير الداخلية بالنيابة.

البرلماني زهير مخلوف لـ "حفريات": تونس تعاني من عدّة مشاكل في تطبيق الدستور، وفهم مصطلحاته، وأستبعد تجميع أغلبية برلمانية لاتخاذ أيّ إجراء دستوري، بسبب تركيبة البرلمان الفسيفسائية

ويعدّ رفض قبول أداء اليمين الصلاحية الوحيدة لسعيّد لرفض الحكومة الجديدة، إذ تتوقف صلاحياته بحسب الدستور على تمثيل الدولة وضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والأراضي التونسية من التهديدات الداخلية والخارجية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة دوماً، كما يعيّن الوظائف العليا المدنية والخارجية والعسكرية باستشارة رئيس الحكومة أيضاً، فيما يعطي الفصل 143 من الدستور لرئيس الجمهورية، أو لثلث أعضاء مجلس نواب الشعب، حقّ المبادرة باقتراح تعديل الدستور، ولمبادرة رئيس الجمهورية أولوية النظر.

اقرأ أيضاً: 40 عاماً على إعلان تأسيس النهضة في تونس: تعددت الأسماء والهوية الإخوانية باقية

ويُعدّ الخلاف بين رأسيْ السلطة التنفيذية، رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، هاجساً عاشته تونس زمن الترويكا في المجلس الوطني التأسيسي، ثم بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، في نهاية الولاية، وهو ما أثّر بوضوح في سير أعمال الدولة.

وعلى الرغم من مرور ست سنوات على المصادقة على دستور الثورة، في 26 كانون الثاني (يناير) 2014، يدعم مناصرو مبادرة الرئيس التونسي قيس سعيد تغيير الدستور وتعديل نظام الحكم الحالي المعتمد برأسين للسلطة التنفيذية وبرلمان، ويرون أنّ ذلك أدى إلى إضعاف أداء مؤسسات الدولة وسلطة القرار نتيجة اختلال التوازن بين صلاحيات رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان، وساهم في بطء تركيز مؤسسات الدولة والهيئات الدستورية.

البرلماني زهير مخلوف

من ناحيته، يرى البرلماني زهير مخلوف، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ تونس تعاني من عدّة مشاكل في تطبيق الدستور، وفهم مصطلحاته، التي تركت فراغاً يستوجب إضافة بعض الفصول الأخرى لفهمها، ويستبعد مخلوف تجميع أغلبية برلمانية لاتخاذ أيّ إجراء دستوري، بسبب تركيبة البرلمان الفسيفسائية، غير المفهومة.

النهضة لا ترغب في العودة إلى الوراء

دعوات رئيس الجمهورية إلى تغيير النظام الانتخابي والسياسي مع العودة إلى دستور 1959 حظيت  بمواقف متباينة؛ وقد عارضتها حركة النهضة، بشدّةٍ، مدعومة بحزب قلب تونس (ليبيرالي) وائتلاف الكرامة (يميني)، ورأى الناطق الرسمي باسم حركة النهضة، فتحي العيادي، أنّ رئيس الجمهورية يحاول إيجاد مخرج حتى يحكم لوحده فهو، بحسب تعبيره: "لا يؤمن  بالأحزاب ولا بالبرلمان ويبحث عن طريقة جديدة للحكم، فمرة يتحدث عن الفصل 80 من الدستور ومرة عن دستور 1959"، وقال العيادي، خلال استضافته في القناة الوطنية الأولى: "رئيس الجمهورية يبحث عن دستور مفتوح ليؤوله ويحكم به كما يريد".

 المحلل السياسي محمد بوعود

كذلك رأى المحلل السياسي محمد بوعود، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ البرلمان تحت سيطرة حركة النّهضة وحلفائها، وباعتبار أنّ إجراء استفتاء شعبي من أجل تغيير الدستور، يمرّ بالضرورة عبر البرلمان، فإنّ النّهضة لن تذهب في خيارات غير مضمونة بالنسبة إليها، وفيها مغامرة قد تخسر خلالها ما تملكه الآن من سيطرة على البرلمان وعلى الحكومة.

واستبعد بوعود نجاح سعيّد في تغيير الدستور، برغم أنّ هذا الخيار تدعمه عدة منظمات وأحزاب وشخصيات وطنية، لأنّ شروطه المتمثلة في أغلبية برلمانية غير متوفّرة، لافتاً إلى أنّ سعيّد فوّت فرصة لن تتكرّر مرّةً أخرى، لحلّ البرلمان وتغيير الدستور، حين تمّ إسقاط حكومة الحبيب الجمني بداية توليه الرئاسة.

الصفحة الرئيسية