الشعب الليبي إذ يسدّد فواتير خسارة أردوغان في سوريا

الشعب الليبي إذ يسدّد فواتير خسارة أردوغان في سوريا

مشاهدة

22/06/2020

في حديثه مع شبكة "سكاي نيوز" الإخبارية، في العاشر من حزيران (يونيو) الجاري، صرّح الأمين العام المساعد للجامعة العربية، بأنّ التدخل التركي في الشأن الليبي أصبح أمراً بالغ الخطورة على المنطقة، وأنّ هذا التدخّل يعيد إلى الأذهان المشهد السوري المتأزم الذي ساهمت أنقرة في استمراره كل تلك الأعوام، وأنّ الحلّ الليبي- الليبي من خلال المسار السياسي، هو أفضل سبل الخروج من الأزمة، لكن بعد رفض تركيا لإعلان القاهرة، والذي يعدّ بمثابة حرب تركية على دول المنطقة والمتوسط، لما تمثله ليبيا من أهمية إستراتيجية، ويبقى السؤال الأهم: لماذا يستميت أردوغان في دعم السراج؟

إعلان القاهرة

تحت شعار "دعم الحكومة الشرعية وتجنّب مأساة إنسانية"؛ أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في الخامس من كانون الثاني (يناير) من مطلع العام، عن إرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني، برئاسة فايز السراج، ضدّ قوات المشير خليفة حفتر؛ إذ جاء إعلان أردوغان عن هذا القرار بعيد أيام قليلة من موافقة البرلمان التركي على إرسال جنود إلى الأراضي الليبية، لتعلن القاهرة في اليوم التالي لإعلان أردوغان عقد اجتماع قمة خماسية لوزراء دول حوض المتوسط (إيطاليا، اليونان، قبرص، مصر، فرنسا)؛ إذ كانت هذه الخطوة بمثابة إعلان من قبل القاهرة عن تبنيها لحلّ سياسي ليبي، بعيداً عن أيّ تدخّل أجنبي، وهو ما ستحرص القاهرة لاحقاً على إثباته في مواقف عدة، يأتي هذا بعد أن وقعت تركيا اتفاقَين مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، أواخر تشرين الثاني (نوفمبر)، أحدهما عسكري ينصّ على أن تقدّم أنقرة مساعدات عسكرية إلى حكومة فايز السرّاج، والثاني يتحدث عن ترسيم للحدود البحرية بين تركيا وليبيا، ما يضرّ بمصالح دول المتوسط الأخرى من مصر وقبرص واليونان.

توترت العلاقات بين تركيا وفرنسا حول قضايا بدأت من سوريا وانتهت بالتنقيب عن النفط في شرق البحر الأبيض المتوسط

وبينما كان العالم يكثف جهوده في مواجهة الوباء المستجد، كثف أردوغان جهوده على أصعدة أخرى، فأصبحت ليبيا ثمّ سوريا على أولويات أجندته السياسية، وفي آخر أيام شهر رمضان المبارك، تمّ إنشاء الجسر الجوي لنقل مرتزقة أردوغان إلى ليبيا، بعد أن تقدّمت قوات حفتر، فكان على أردوغان أن يدلو بدلوه في الأراضي الليبية، على غرار ما فعل في سوريا، وبعد تراجع قوات المشير خليفة حفتر، كان على أردوغان حليف حكومة الوفاق أن يرفض إعلان القاهرة، ويعتمد على انخفاض معنويات قوات حفتر في التراجع، وتكثيف الضربات العسكرية التي تمكنه من السيطرة على مدينة سرت معقل النفط الليبي، أمّا الولايات المتحدة فغير راغبة في التعمّق داخل اللغز الليبي، لكنّها لا تستطيع أن تعفي نفسها من الدمار الذي لحق بالليبيين، فرغم مخاوف الأوروبيين الشديدة من الجانب اليوناني ضدّ تركيا، نظراً لمشاريعهم التاريخية لخط أنابيب الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، قد لا يكونون سعداء، طالما أنّ إمدادات النفط والغاز غير مضمونة، ولا تحدّ من الهجرة غير الشرعية والتطرف من قبل حكومة السراج.

الثنائي التركي الروسي

كما حدث في سوريا، أمس، التي كانت ساحة للحرب بالوكالة، يلعب فيها بشكل أساسي الجانبان، التركي والروسي، يبدو أنّهم نقلوا ساحة المعركة إلى ليبيا، والتي وفقاً لتحقيق استقصائي، نشرته جريدة "إندبندنت" البريطانية، للصحفيَّين" بيل ترو ورجائي برهان"، تحت عنوان "داخل العالم المظلم للمرتزقة في ليبيا"، فإنّ الجانب التركي اعتمد على المقاتلين السوريين الذين نقلهم أردوغان إلى ليبيا، ويقدَّر عددهم، وفق التحقيق، بأكثر من 6000، بينما يقدر محققو الأمم المتحدة أنّ تركيا جنّدت ما يصل إلى 3000 من المقاتلين السوريين لدعم حكومة الوفاق.

اقرأ أيضاً: خطاب السيسي: ما طبيعة التدخل المصري المرتقب في ليبيا؟

أخبر المقاتلون السوريون في ليبيا الصحيفة بأنّ العدد الحقيقي أقرب إلى ستة آلاف، بسبب زيادة التجنيد خلال الشهرين الماضيين، وإذ كان هؤلاء المجنّدون هم رقعة الشطرنج التي جلبت هذا التقدم لأردوغان، على الجانب الروسي، الذي جنّد قرابة 1200 روسي، من خلال شركة "فاغنر" الأمنية، وجلب أيضاً ما يزيد عن 800 مجند سوري، بينما قالت مصادر على الحدود السورية للصحفيين الذين أجروا التحقيق، ونشر في السادس عشر من الشهر الجاري؛ إنّ مئات المجندين قد عبروا الحدود السورية إلى تركيا، وهم جاهزون للانتشار في طرابلس.

بينما كان العالم يكثف جهوده في مواجهة الوباء المستجد، كثف أردوغان جهوده على نقل المقاتلين المرتزقة إلى ليبيا

وإلى جانب صدامه مع العديد من دول العالم، هاجم أردوغان الإدارة الفرنسية واصفاً إياها بالبلاء الذي جلب الخراب إلى ليبيا، ومندداً بموقفها الداعم لحفتر، باعتبار أنّه يقف إلى جانب الشعب الليبي، على حدّ قوله، فإنّ السبب الحقيقي لمهاجمة أردوغان لفرنسا، يقف وراءه دعمهم للكتائب المحاربة من الأكراد في الشمال السوري، الذين يمثلون شوكة في حلق أردوغان، ويرى أنّ انتصاره على فرنسا، في ليبيا، سيحقق له مكاسب إضافية في الشمال السوري أيضاً، وعليه فقد صرّح مسؤول رئاسي من باريس، يوم الإثنين الخامس عشر من الشهر الجاري، بأنّ فرنسا تريد محادثات مع حلفاء الناتو لمناقشة دور تركيا "العدواني" المتزايد في ليبيا، واتهمت وزارة الخارجية أنقرة بإحباط جهود التهدئة من خلال كسر حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، ليصرّح مصدر تركي في اليوم نفسه لجريدة "لوفيغارو" الفرنسية؛ بأنّ حكومة طرابلس برئاسة فايز السراج، تبحث إمكانية استخدام تركي لقاعدتين عسكريتين في ليبيا، بهدف إقامة وجود تركي دائم، وكأنّ ليبيا ستعود لتصبح ولاية عثمانية جديدة لأردوغان.

حرب الطاقة والهيمنة

توترت العلاقات بين تركيا وفرنسا بالفعل حول قضايا بدأت من سوريا نهاية إلى التنقيب عن النفط في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبينما يشتكي أردوغان من انزعاجه من دعم فرنسا لحفتر، إلا أنّ باريس أنكرت ذلك ووصفت أردوغان بالمعتدي على الأراضي الليبية، ورغم التكلفة المالية الباهظة التي تكبّدها أردوغان، أو بمعنى أدق الشعب التركي، الذي نهبت ضرائبه لصالح حرب غاشمة، فإنّ ليبيا بالنسبة إلى أردوغان، هي بمثابة أكبر تعويض مادي عن خسارته في سوريا، فالدولة ذات المساحة الشاسعة، المطلة على البحر المتوسط وصاحبة أكبر مخزون نفطي في العالم، بلا شكّ، ذات بريق خاص في عيون أردوغان، وحربها لن تكلفه الكثير مثل سوريا، فالمرتزقة السوريون وأغلبيتهم من التركمان، وهم موضع ثقة أردوغان، يقاتلون إلى جانبه من منطلق قومي وديني، ورواتبهم وتكلفة علاج ضحاياهم لن تذكر، إلى جانب الربح الكبير الذي سيجنيه من السيطرة على ليبيا، واستعراض قوته في الشرق الأوسط، فليبيا المكان المثالي بقلب الوطن العربي، ومعكسر القرب من مصر ومنطقة المغرب العربي.

وامتداداً من المكاسب الدينية التي يتطلع إليها أردوغان، والتي تجعله يقامر في ليبيا، فإنّها كذلك موقع إستراتيجي مهمّ لنشر الميليشيات المسلحة، والجماعات المتطرفة إلى مصر، وتونس والجزائر والمغرب، وصولاً إلى أفريقيا جنوب الصحراء، تحديداً من السودان، التي ينتظر على أبوابها فلول النظام الإخواني الذي حكمها ثلاثين عاماً، ليثبت وجوده من جديد، وكان ترحيب راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإخوانية في تونس، بالاتفاق بين تركيا والسراج، أكبر الدلائل على ما الذي يمكن أن يفعله أردوغان بأفريقيا كلّها بتمركزه في ليبيا.

الصفحة الرئيسية