الديمقراطية الضائعة... ماذا فعل أردوغان وحزبه حتى تغيرت نظرة العالم لتركيا؟

الديمقراطية الضائعة... ماذا فعل أردوغان وحزبه حتى تغيرت نظرة العالم لتركيا؟

مشاهدة

24/11/2021

بعد محاولة الانقلاب المزعوم في عام 2016، هيمنت على الحياة السياسية التركية سلسلة من قوانين الطوارئ؛ ممّا أدى إلى ابتعادها عن الممارسات الديمقراطية الحقيقية في الأعوام القليلة الماضية.

 وقد حفّز هذا الانفصال عن الديمقراطية من قبل الجهات السياسية والبيروقراطية المهيمنة، في ظلّ دور حزب العدالة والتنمية، وسيطرته على مفاصل الدولة.

 مشكلة الانزلاق الاستبدادي تحت حكم حزب العدالة والتنمية، منذ الانتقال إلى النظام الرئاسي في عام 2018 تبدو واضحة، وبذلك كانت توجهات الحزب الحاكم بمثابة خلق المزيد من العراقيل والمشاكل في مسار الديمقراطية.

 فهل تُعتبر تركيا حقّاً بلداً ديمقراطياً؟

 سؤال تبدو الإجابة عنه ظاهرياً أنها من البديهيات، بحكم الدورات الانتخابية والتعددية الحزبية وما إلى ذلك.

 يرى غالبية الأتراك أنّ بلدهم ليس ديمقراطياً: وذلك وفقاً لنتائج استطلاع مؤشر إدراك الديمقراطية 2021 ، الذي أجرته مؤسسة "لاتانا" المتخصصة في الاستطلاعات في الفترة ما بين 24 شباط (فبراير) و14 نيسان (أبريل) 2021، بالتعاون مع مؤسسة تحالف الديمقراطيات، حيث يعتقد 53% من الأتراك أنه لا توجد ديمقراطية كافية في البلاد، بينما يعتقد 45% فقط أنّ تركيا بلد ديمقراطي، وفق موقع "أحوال تركية".

 ويعتقد ما يقرب من 40% من الأتراك أنّ الحكومة التركية تعمل بشكل أساسي لصالح أقلية.

 

غالبية الأتراك يرون أنّ بلدهم ليس ديمقراطياً؛ وذلك وفقاً لنتائج استطلاع مؤشر إدراك الديمقراطية 2021.

 

 وفقاً لـ 68% من المستطلعين في تركيا، فإنّ عدم المساواة الاقتصادية يهدد الديمقراطية في البلاد، بينما يعتقد 53% أنّ الانتخابات غير العادلة والفاسدة تهدد الديمقراطية.

 هذا، وتؤثر منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك بشكل إيجابي على الديمقراطية في البلاد، وفقاً لـ 63% من الأتراك.

 وبحسب الاستطلاع، لا ترقى الحكومات إلى مستوى التوقعات الديمقراطية لمواطنيها، لأنّ الغالبية العظمى من الناس (81%) ما يزالون يعتقدون أنّ الديمقراطية مهمة، بينما يشعر نصفهم فقط أنّ لديهم ديمقراطية في بلدهم.

اقرأ أيضاً: الشارع التركي يغلي... احتجاجات تطالب باستقالة أردوغان وحزبه

 ومن هنا، فإنّ أكبر تهديد للديمقراطية في جميع أنحاء العالم هو عدم المساواة الاقتصادية، وفقاً للمؤشر.

 ويحاول حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان تدمير الثقافة والمؤسسات الديمقراطية في تركيا، وذلك عبر العبث بمؤسسات الدولة، ومحاولة صياغة نظام يتماشى مع سياساته التي أدخلت البلاد في أزمات متعدّدة على مدار عقدين من حكمه، بحسب ما قال المحلل السياسي حسين جيجك الذي يعمل في جامعة فيينا.

 يتحدث الباحث باستفاضة عن ظاهرة خلاصتها أنّ الديمقراطية التركية تتحول بشكل متزايد إلى "ديمقراطية مهيمنة".

 وما هي الديمقراطية المهيمنة؟ ذكر حسين جيجك أنّه في معظم الحالات تبدو الديمقراطية المهيمنة كأنها ديمقراطية ليبرالية، حيث تُجرى الانتخابات، وتصل الحكومات إلى السلطة من خلال الانتخابات، وتؤخذ في الاعتبار مبادئ حكم القانون وحقوق الأقليات، لكنّه لفت إلى أنّه مع ذلك، في الديمقراطيات المهيمنة تستمر الحكومات في الحفاظ على سلطتها بشكل كامل؛ من خلال تقييد المؤسسات الدستورية، والضغط على المعارضة، والقيام باعتقالات، وتكون الحريات الديمقراطية محدودة، ولهذه الغاية تُجرى انتخابات مستمرة ودورية لدعم صورة الديمقراطية الليبرالية، وفق ما نقل موقع "تركي برس".

 

68% من المستطلعين في تركيا، يرون أنّ عدم المساواة الاقتصادية يهدد الديمقراطية في البلاد، بينما يعتقد 53% أنّ الانتخابات غير العادلة والفاسدة تهدد الديمقراطية

 

 وبالحديث عن حقيقة أنّ أردوغان، الذي تتراجع شعبيته ويواجه معضلة الاستمرار بسياسة الديموقراطية المهيمنة؛ يقول: إنّ الأزمة كامنة في النظام الدستوري الذي بناه بنفسه، وإنّ الأنظمة الديمقراطية تعيش فقط من خلال الثقافة الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية، وهذا يشمل حماية سيادة القانون والامتثال للدستور، وأمّا حزب العدالة والتنمية، فإنه يحاول تدمير هذه الثقافة والمؤسسات الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: الكشف عن موعد زيارة بن زايد إلى تركيا...ماذا سيبحث مع أردوغان؟

وفي سياق متصل، جاءت تركيا ضمن الدول الأكثر تراجعاً للديمقراطية خلال تقرير المعهد الدولي للديمقراطية ودعم الانتخابات، فقد أشار التقرير إلى أنّ 70% من العالم يعيش تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية أو الهجينة.

 

رجب طيب أردوغان يواجه تراجع شعبيته، ويواجه معضلة الاستمرار بسياسة الديمقراطية المهيمنة

 

 وأوضح التقرير أنّ الديمقراطيات الراسخة مهددة في ظل الأوضاع الحالية، مفيداً أنّ عدد الدول التي تتجه مباشرة صوب الاستبداد، ومنها تركيا، في تزايد.

 وأضاف التقرير، الذي تناول بيانات عام 2020، أنّ العالم حالياً يشهد تآكلاً للديمقراطية بشكل غير مسبوق، وأنّ عدد الدول التي تعاني من تراجع في الديمقراطية يواصل الارتفاع بشكل لم يسبق، ولم يشهده العالم من قبل، مشيراً إلى أنّ (47) دولة حول العالم تحكمها أنظمة استبدادية، ومن بينها الصين وأثيوبيا وإيران، وأنّ (20) دولة حول العالم تحكمها أنظمة هجينة، ومن بينها روسيا وتركيا.

 ويتمّ استخدام مصطلح النظام الهجين لوصف الأنظمة السياسية التي لم تكتمل عملية انتقالها من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي.

 وأدرج التقرير تركيا ضمن الدول التي شهدت أحد أكبر التراجعات على صعيد الديمقراطية خلال الفترة بين عامي 2010 و2020، وكانت المؤشرات تظهر بالدعاوى التي رفعها أردوغان ضدّ كل من يوجه له أي انتقاد، وتوظيف الجهاز القضائي لحسابه لإسكات الأصوات المعارضة له، وفي عام 2018 كانت أولى تلك القضايا، فقد رفع أردوغان شكوى ضد (4) طلاب اتهمهم بـ "إهانة الرئيس"، بسبب رفع لافتة ساخرة في حفل تخرج.

تقرير المعهد الدولي للديمقراطية ودعم الانتخابات: تركيا ضمن الدول التي شهدت أحد أكبر التراجعات على صعيد الديمقراطية بين عامي 2010 و2020

 

 وعندها قال القائم بأعمال مدير قسم أوروبا وآسيا الوسطى في هيومن رايتس ووتش بنجامين وارد: "إهانة الرئيس يجب ألّا تكون جريمة".

 تركيا كان يُنظر إليها على أنها دولة ديمقراطية وعلمانية، ذات مجتمع يغلب عليه المسلمون، ومندمج في النظام الأوروبي، وحيث يوجد تعايش بين القيم الإسلامية وأنماط الحياة الغربية.

 وكانت هذه السمات الفريدة للنظام السياسي التركي محيّرة لجيران تركيا، ولكن أيضاً لأوروبا الغربية، وفق مقال لبوروم بوراك في "إنترناشيونال أفيرز".

اقرأ أيضاً: تصريحات أردوغان تفاقم الأزمة الاقتصادية... ما القصة؟

 في العالم العربي، هناك متابعة للتطورات في تركيا، وعلى الأخصّ من قبل الجماعات الليبرالية والعلمانية والإصلاحية، الذين كانوا يأملون يوماً أن يجدوا في التجربة الديمقراطية التركية مخرجاً ممكناً للخروج من معضلتهم في بلدانهم، لكنّ أداء حزب العدالة والتنمية ومن انفراد أردوغان وحزبه شوّه تلك الممارسة الديمقراطية، ويوماً بعد يوم صارت تركيا تتقدم نحو نظام استبدادي صارم.

 أمّا المناسبة التي دعت بوروم بوراك للحديث عن الديمقراطية الضائعة في تركيا، فهي عدم دعوة الرئيس الأمريكي للرئيس التركي إلى "قمّة الديمقراطية" المزمع عقدها في واشنطن في كانون الأول (ديسمبر) المقبل، الأمر الذي يعني أنّ واشنطن صارت تصنفه في الجهة المناهضة للقيم والتوجهات الديمقراطية، وأنّ الرأي الغالب لدى صنّاع القرار الأمريكيين تجاه الرئيس التركي هي اعتباره "زعيماً سياسياً يقوّض النظام الديمقراطي".

 وكانت منظمة "فريدوم هاوس" الأمريكية قد أشارت في تقرير تفصيلي نشرته بالمناسبة إلى أهمية أن تفرز القمّة تفصيلياً الدول والقادة السياسيين الداعمين للقيم والسلوكيات الديمقراطية، وخلق وحدة داخلية فيما بينها، لمواجهة الديكتاتوريات التي تزرع القلاقل في مختلف مناطق العالم.

 

عدم دعوة الرئيس الأمريكي لأردوغان إلى "قمّة الديمقراطية" يعني أنّ واشنطن صارت تصنفه في الجهة المناهضة للقيم والتوجهات الديمقراطية

 

 مراقبون أشاروا إلى أنّ الجهات الأمريكية لا تترك مناسبة دون التذكير بمستويات الحريات العامة والسياسية داخل تركيا، بما في ذلك اعتقال الآلاف من الصحفيين والسياسيين، وتراجع دور المجتمع المدني في البلاد، إلى جانب زيادة وتيرة الخطابات القومية والهوياتية داخل البلاد، فتركيا تتراجع بشكل سنوي في معايير تحقيق الديمقراطية طوال الأعوام الـ10 الماضية، وفق ما نقلت منظمة "فريدوم هاوس" الأمريكية.

 وفي تحليل نشرته صحيفة "فاينانشل تايمز" قالت: "إذا دعا بايدن قادة مثل أردوغان، فإنه سيقلل من مصداقية قمته للديمقراطية، وإذا لم يدعهم، فإنه سيخاطر بدفعهم إلى أحضان الصين وروسيا".

ويبقى السؤال: هل سيواصل أردغان وحزبه إفساد الأمور كافة في تركيا؟ وهل سيدفع الشعب التركي فاتورة انعدام الديمقراطية والانيهار الاقتصادي؟

 



الصفحة الرئيسية