
معاوية ماجد
منذ أن استولت الحركة الإسلامية على السلطة في السودان عام 1989، بدا المشهد وكأن البلاد تقف على عتبة عهد جديد، عهد يَعِدُ ببناء دولة حديثة تتأسس على قيم الإسلام في العدل والمعرفة والحرية. لكن السنوات التالية كشفت أن الشعارات كانت أكبر من قدرتهم على تحويلها إلى واقع، وأن الأيديولوجيا التي رفعت راية الانبعاث الإسلامي كانت عاجزة عن فهم أبسط شروط نهضة الأمم: بناء الإنسان عبر المعرفة والتعليم.
الإسلام يضع التعليم في صدر الوصايا، في أول كلمات الوحي: «اقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم». ومع ذلك، اختارت الحركة الإسلامية أن تتجاوز هذا المعنى الجوهري، وأن تستبدل به مسارًا آخر يجعل من السلطة غاية، ومن التنظيم عقيدة، ومن بقاء الحكم مشروعًا مقدسًا يفوق قيمة بناء المواطن ذاته.
المفارقة كانت قاسية: قادة الإنقاذ لم يكونوا ممن حُرموا التعليم، بل درس معظمهم في زمن كان فيه السودان يتمتع بنظام تعليمي رصين، منحهم تكوينًا معرفيًا مميزًا، ومهارات فكرية متقدمة، وتجربة جامعية راقية تُعدّ نموذجًا يحتذى. غير أن هذه الخبرة لم تُترجم على أرض الواقع حين وصلوا إلى السلطة، بل انكمشت في عقولهم لتظل محصورة في مشروع التنظيم الأيديولوجي الضيق، متماهية مع أنانية التوسع الوهمي، وعقلية مؤسس التنظيم المولع بالسياسة والحكم، الحالم بأن يصير زعيم الجماعة السنية في العالم.
ولم يكن ذلك وحده. فقد سافر قادة الإنقاذ، طيلة سنوات حكمهم، إلى شتى بقاع العالم: دول متقدمة، عواصم مزدهرة، تجارب تنموية حديثة، ونماذج تعليمية تُبنى بها الأمم. لكن كل تلك المشاهد لم توقظ فيهم سؤالًا عن كيفية بناء دولة. وكأن تلك الرحلات المتكررة لم تكن إلا سفريات للدهشة الأولى: الفنادق الفارهة، البروتوكولات، والأسفار المرفّهة، بلا أثر للخبرة، ولا لبناء رؤية، ولا لفهم أساسيات بناء الدولة الحديثة.
وفي ذروة هذا الانغلاق الفكري، أعلنت الحركة الإسلامية ما سُمِّي بـ “ثورة التعليم العالي”. وهي تسمية توحي بالنهضة، لكنها كانت واحدة من أكبر عمليات إفقار المعرفة التي شهدها السودان. فقد زادت الحكومة عدد الجامعات، لكن الزيادة كانت كمية لا نوعية، سياسية أكثر منها معرفية. لم تُبنَ معامل متقدمة، ولم تُنشأ مكتبات حقيقية، ولم تُهيّأ بيئات بحثية، ولم تُصمَّم مناهج تُخرّج عقولًا قادرة على التفكير والإبداع. وهكذا تحوّل الطالب الجامعي من مشروع بحث علمي إلى رقم سياسي، ومن عقل منتظر إلى ديكور يُكمل صورة “الإنجاز”.
كانت الجامعات تُفتتح كما تُفتتح متاجر موسمية: بلا فلسفة، بلا رؤية، بلا بنية تحتية، بلا أساتذة مؤهلين، وبلا أي احترام لمعنى “الجامعة” كمؤسسة تُخرِج معرفة لا شعارات. وهكذا نشأت أجيال مشوّهة فكريًا، محرومة من أدوات التفكير العلمي، بلا تدريب مهني، بلا ثقافة عامة، ومجتمع هشّ يسهل قيادته بالعاطفة والخطاب السياسي لا بالمنطق والوعي.
وقد عمّق هذا الفشل جملة من المفارقات المؤلمة: ألغت حكومة الإنقاذ ابتعاث الطلاب للدراسة بالخارج، وتوقفت عن دعم من كانوا يواصلون تعليمهم بالخارج، ما أحدث صدمة كبيرة للأسر، وأدى إلى عودة بعض الطلاب محملين بالخيبة والذلة، بينما واصل غالب أبناء قادة الحركة تعليمهم في الخارج دون تأثر بالسياسات التي فرضوها على الآخرين. وهكذا تكشفت ازدواجية المعايير، وغياب المصداقية في مشروعهم التعليمي.
ووفقًا لمركز الاعتماد القومي في المملكة المتحدة (UK NARIC)، فقد تم تصنيف الدرجات العلمية الصادرة من الجامعات السودانية بعد عام 1992 على أنها أقل مستوى من المتوقع نظريًا، نتيجة السياسات التعريبية التي اعتمدتها حكومة الإنقاذ في التعليم الجامعي، وهو مستوى مخزٍ مقارنة بالجامعات العالمية، وكان من الأجدى دراسة هذه الخطوة بعمق قبل تنفيذها، خاصة وأن غالب المراجع العلمية متاحة باللغة الإنجليزية.
وأظهرت قوائم التقويم العالمي للجامعات لعام 2008 ضعف موقع الجامعات السودانية: جامعة الخرطوم جاءت في المرتبة 41 إفريقيًا، و51 عربيًا، و6213 عالميًا، تليها جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في المرتبة 57 إفريقيًا، و68 عربيًا، و7198 عالميًا، بينما لم تظهر بقية الجامعات السودانية الـ26 ضمن المئة الأولى إفريقيًا أو عربيًا، ولا ضمن أول عشرة آلاف جامعة عالميًا.
أمر آخر يوضح سوء التخطيط والفشل في بناء المعرفة: العقول العلمية التي هاجرت بعد سياسات الإقصاء التي مارستها الحركة الإسلامية، احتضنتها دول أخرى وشركات عالمية، واستفادت من قدراتها وخبراتها. وفي زياراتي لكثير من المعارض العالمية، سواء الزراعية أو الهندسية أو التقنية، وجدت غالب الأجنحة يمثلها مندوبون سودانيون يحملون درجات علمية رفيعة، ما يبرز المأساة الكبرى لسياسة الإقصاء الفاشلة التي تبنتها الإنقاذ. كان الأجدر أن تُوظف هذه العقول لخدمة وتطوير بلدها، بدل أن تصبح فخرًا لدول وشركات أخرى على حساب السودان.
ومع إهمال التعليم، ارتفع صوت السلاح. ومع غياب المعرفة، حضر التطرف والانقسام. فقد انشغلت الحركة الإسلامية بتأسيس مليشيات لحماية سلطتها، بدلًا من تأسيس مواطنين قادرين على حماية وطنهم. ومع مرور الزمن، انفلت السلاح من يد من صنعه، فصارت المليشيات التي أُنشئت لحماية الحكم غلافًا يقي السلطة على حساب الوطن نفسه، ثم انقلبت على صانعيها قبل أن تنقضّ على السودان كله. وهكذا كانت الحرب الأخيرة، التي مزّقت الخرطوم ودمّرت البلاد، حصادًا مرًّا لسنوات طويلة من إهمال التعليم، ولتاريخ ممتد من جعل القوة بديلاً عن الوعي.
إن سلسلة الفشل هذه واضحة: إهمال التعليم → تشوّه الوعي → تفكك المجتمع → نشوء المليشيات → انفجار الحرب. وكل حلقة منها صُنعت بإهمال متواصل، وغياب رؤية، واعتقاد ساذج بأن السلطة تُحمى بالولاء لا بالعلم، وبالقوة لا بالمعرفة.
تجربة الحركة الإسلامية في السودان ليست مجرد خطأ سياسي، بل نموذج كامل لكيفية سقوط الأمم حين تستبدل مشروع بناء الإنسان بمشروع بناء التنظيم، وحين يصبح الوطن ساحة نفوذ، لا ساحة معرفة. وما الخراب الذي يعيشه السودان اليوم إلا نتيجة طبيعية لغياب مشروع بناء الإنسان.
اليوم، يقف السودان أمام أطلاله، ينظر إلى السنوات الضائعة، ويدرك أن الطريق إلى استعادة الدولة يبدأ من المكان الذي أغفلته الحركة الإسلامية: المدرسة، الجامعة، المعمل، والمكتبة. يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان، للمعرفة، للقلم الذي بدأ به الوحي، وللوعي الذي تنهض به الدول.
الدولة التي لا تجعل التعليم مقدسًا تُسلّم قدرها إلى الجهل. والشعب الذي لا يحمي المعرفة يصبح فريسة للسلاح. وما الخراب الذي نعيشه اليوم إلا نتيجة طبيعية لغياب مشروع بناء الإنسان.
إن مستقبل السودان لن يُكتب بالبنادق، ولا بالشعارات، ولا بالأحلام الأيديولوجية؛ سيُكتب فقط حين يعود القلم إلى مكانه الأول، وحين يُعاد للجامعة دورها، وللعلم شرفه، وللإنسان قيمته. وحينها فقط يمكن للوطن أن ينهض من جديد، نهوضًا لا يقوم على إرث الإنقاذ، بل على هدم ما فعلته، وبناء ما أهملته: مستقبل يبدأ من المعرفة، وينتهي بالإنسان.
الراكوبة

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

