التطرف والإرهاب في أوروبا: قراءة استشرافية في التهديدات وحجم المخاطر

التطرف والإرهاب في أوروبا: قراءة استشرافية في التهديدات وحجم المخاطر

التطرف والإرهاب في أوروبا: قراءة استشرافية في التهديدات وحجم المخاطر


26/11/2025

في السنوات الأخيرة، أصبح موضوع الإرهاب والتطرّف من أخطر التحديات التي تواجه أوروبا، ليس فقط على صعيد أمن الدول، بل على صعيد النسيج الاجتماعي والهوية الثقافية والاستقرار المجتمعي. فقد تزامنت موجات الهجرة الكبيرة مع تحولات ديموغرافية، ما أسفر عن وجود خليط ثقافي جديد يحتاج إلى فهم دقيق لتجنب تفاقم التوترات.

في السياق، برزت ظاهرة «التطرف» كمسألة متعددة الأبعاد: دينية، أيديولوجية، سياسية، اجتماعية وحتى تقنية. وقد أدى هذا إلى تغيرات كبيرة في طبيعة التهديدات، بحيث لم يعد الإرهاب مقتصرًا على الجماعات التقليدية، بل أصبح يشمل الأفراد المنفردين والخلايا الصغيرة، بالإضافة إلى الهجمات السيبرانية والأنشطة الرقمية التي تمكّن المتطرفين من الوصول إلى جمهور واسع بسهولة.

وتحتمت هذه التطورات على صناع القرار اعتماد مقاربات أمنية وأيديولوجية جديدة، تجمع بين مكافحة الفكر المتطرف، حماية البنى التحتية، وتحقيق الإدماج الاجتماعي للجيل الجديد، إذ لم يعد الأمن الوطني مسألة قوة فقط، بل أصبح يرتبط بفهم أعمق لأسباب التطرف، وسبل مواجهته استباقيًا قبل أن يتفاقم.

في هذا الإطار، أصدر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات دراسة بعنوان: «التطرف والإرهاب في أوروبا ـ قراءة استشرافية في أنواع التهديدات وحجم المخاطر»، تقدم الدراسة تشخيصًا معاصرًا لمشهد الإرهاب في القارة الأوروبية، موثقًا أنواع التهديدات، الاتجاهات الجديدة، واستراتيجيات المواجهة التي يجب أن تتبناها الدول الأوروبية بحذر ومسؤولية.

وتشير إلى أن الإرهاب في أوروبا اليوم ظاهرة مركّبة ومتعددة الأوجه، تشمل الإرهاب الإسلامي، التطرف اليميني، التطرف اليساري، الهجمات السيبرانية، والإجراءات الهجينة، ما يجعل من فهم هذه الظاهرة تحديًا معقدًا ومتجدّدًا. كما تؤكد الدراسة أن استهداف الشباب عبر الإنترنت، استغلال المنصات الرقمية، ولجوء الجماعات المتطرفة إلى خلايا صغيرة، يغيّر من قواعد الاشتباك التقليدية ويزيد صعوبة التنبؤ بالهجمات. 

تنوع التهديدات: من الجهادية إلى التطرف السيبراني

توضح الدراسة أن المشهد الأوروبي للتطرف والإرهاب أصبح اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، إذ لم تعد الجماعات التقليدية مثل داعش أو القاعدة هي المهيمنة فقط، بل ظهرت أنواع متعددة من التهديدات تتداخل أحيانًا وتتكامل لتشكل بيئة إرهابية ديناميكية.

ولا تزال الجماعات الجهادية تمثل تهديدًا ملموسًا، لكنها اتجهت إلى العمل عبر خلايا صغيرة وأفراد منفردين، قادرين على تنفيذ هجمات سريعة وفجائية باستخدام وسائل بسيطة نسبيًا، مثل الأسلحة البيضاء أو المركبات. تمنحهم هذه الطريقة قدرة عالية على إحداث تأثير نفسي واسع في المجتمع الأوروبي، على الرغم من محدودية الأضرار المادية.

في الوقت نفسه، يشهد التطرف اليميني صعودًا واضحًا، مستفيدًا من خطاب الكراهية ضد الأقليات والمهاجرين، وغالبًا ما يخرج عن إطار الخطاب الدعائي إلى أفعال عنف مباشرة. يتجلى هذا التطرف في هجمات على مساجد أو مؤسسات اجتماعية، وفي حالات معينة يتطور إلى تفجيرات محدودة أو اعتداءات مسلحة على أهداف مدنية، ما يجعل مواجهته أكثر إلحاحًا على المستوى الأمني والاجتماعي.

بالموازاة، يبرز التطرف اليساري أو الانفصالي الذي يركز على استهداف البنى الاقتصادية والشركات الكبرى، ويتخذ شكل احتجاجات مسلحة أو تخريب للبنى التحتية، دون استهداف المدنيين بشكل مباشر في الغالب، لكنه يعكس استياء اجتماعي متجذرًا يمكن أن يساهم في زيادة هشاشة المجتمعات إذا لم يتم التعامل معه بفعالية.

علاوة على ذلك، أصبح البعد الرقمي والهجينة جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الجماعات المتطرفة، إذ تُستخدم المنصات الرقمية لتجنيد أعضاء جدد، نشر الدعاية، التخطيط للهجمات، وحتى تنفيذ عمليات اختراق سيبراني لأنظمة حيوية. هذا التحول يجعل من الضروري أن تتجاوز أوروبا المراقبة التقليدية لتشمل الرصد الرقمي والتحليل الإلكتروني للتهديدات، بما في ذلك تقييم الرسائل الدعائية، حركة الأموال، وأنماط التواصل بين المتطرفين، لأن أي تقصير في هذا الجانب قد يؤدي إلى تفاقم المخاطر بشكل غير متوقع.

وتوضح الدراسة أن هذا التنوع في التهديدات يعكس بيئة إرهابية متحركة تتطلب استجابة أمنية مستمرة ومرنة، مع التركيز على الجمع بين الوقاية الفكرية والإجراءات الأمنية المباشرة.

التحولات الاستراتيجية: لامركزية التنظيم واستهداف الشباب

تسلط الدراسة الضوء على تحول استراتيجي جوهري في طبيعة التنظيم لدى الجماعات المتطرفة، حيث أصبح الاعتماد على الهياكل الضخمة والمراكز القيادية التقليدية أقل من ذي قبل، واستُبدل ذلك بخلايا صغيرة أو أفراد منفردين يعملون باستقلالية نسبية. 

هذا التغيير يمنحهم قدرة على تنفيذ هجمات مفاجئة دون الحاجة لتنسيق مركزي، ما يزيد من صعوبة التنبؤ بالعمليات ورفع التحديات أمام الأجهزة الأمنية.

 ويؤكد التقرير أن هذه اللامركزية ليست فقط تكتيكًا أمنيًا، بل استراتيجية تمكّن التنظيمات من الاستمرارية والبقاء على الرغم من الضغوط الأمنية المستمرة.

إلى جانب ذلك، أصبح استهداف الشباب عبر الإنترنت محورًا رئيسيًا في استراتيجيات الجماعات المتطرفة، إذ يستغلون المنصات الرقمية لتوصيل الرسائل المتطرفة، بث الدعاية، وزرع شعور الانتماء أو الانتقام في نفوس الجيل الجديد. 

هذا يشكل تحديًا مزدوجًا: أمني وفكري، إذ يمكن للشباب المتأثر بالدعاية الرقمية أن يصبحوا عناصر فاعلة في تنفيذ الهجمات أو دعم العمليات عن بعد.

كما تؤكد الدراسة أن المواجهة تتطلب تدخلات متعددة تشمل التوعية الفكرية، البرامج التربوية، والمبادرات الاجتماعية التي تدمج الشباب في مجتمعاتهم وتحميهم من الانجراف خلف خطاب متطرف.

 كما تشير إلى أن هذه التحولات الاستراتيجية أدت إلى إعادة تشكيل أولويات الدول الأوروبية، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على مكافحة الإرهاب التقليدي، بل أصبحت تشمل الوقاية من الاستقطاب الرقمي، تحليل الشبكات الصغيرة، وفهم الديناميكيات النفسية والاجتماعية للشباب الأكثر عرضة للتجنيد، وهو ما يمثل تحديًا جديدًا أمام صانعي السياسات الأوروبية.

مآلات وتداعيات: بيئة تهديدات متجددة

توضح الدراسة أن أوروبا تواجه بيئة تهديدات متجددة، حيث تتشابك التهديدات الجهادية التقليدية مع التطرف المحلي بأشكاله المختلفة، سواء كان يمينيًا أو يساريًا أو حتى رقميًا، لتخلق مشهدًا أمنيًا مركبًا.

 وعلى الرغم من تراجع بعض المؤشرات المرتبطة بالإرهاب التقليدي مقارنة بفترات الذروة السابقة، إلا أن الطبيعة المعقدة لهذه التهديدات تجعل الحاجة إلى استراتيجيات مواجهة شاملة أمرًا ضروريًا.

كذلك، تشير الدراسة إلى أن الحد من هذه المخاطر يتطلب استراتيجيات متعددة الأبعاد، تشمل الإجراءات الأمنية التقليدية إلى جانب البرامج الفكرية والثقافية التي تهدف إلى دمج الأفراد في المجتمع وتقليل الانجراف نحو التطرف. 

كما أن حماية البنى التحتية المادية والرقمية تعد جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجيات، إذ يمكن لأي ثغرة في الأنظمة أن تُستغل لتنفيذ هجمات مفاجئة أو نشر الدعاية المتطرفة على نطاق واسع.

علاوة على ذلك، تحذر الدراسة من أن تجاهل التطرف الداخلي، سواء كان سياسيًا أو عنصريًا أو متطرفًا فكريًا، قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية، وزيادة فرص الصراعات المجتمعية. 

وبالتالي، يجب على صانعي السياسات التركيز على الوقاية، وتوفير بدائل ثقافية وتعليمية واجتماعية للشباب، من أجل بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا قادرًا على مواجهة موجات التطرف الجديدة والمتجددة بشكل فعال.

توصيات مستخلصة

تشير الدراسة إلى أن مواجهة الإرهاب والتطرف في أوروبا يتطلب تعزيز التعاون الاستخباراتي والثقافي بين الدول الأوروبية والعالم العربي لمتابعة أثر شبكات التطرف، خاصة في صفوف الجاليات والهجرة، بما في ذلك تبادل المعلومات حول التمويل والتجنيد والأنشطة الإعلامية.

 كما تؤكد على أهمية دعم برامج التوعية الفكرية والدينية في المجتمعات العربية، بما يتجاوز الخطاب الديني التقليدي ويقدم بدائل مدنية وفكرية واجتماعية للشباب، لتجنب الانزلاق نحو التطرف. 

 تشدد الدراسة أيضا على ضرورة محاربة التطرف الرقمي من خلال مراقبة التشدد الإلكتروني، الاستثمار في الثقافة الرقمية، وتوعية الشباب بمخاطر الدعاية المتطرفة على الإنترنت، إلى جانب مواجهة التطرف المحلي بكافة أشكاله، سواء الجهادي أو السياسي أو العنصري أو اليساري، للحفاظ على استقرار المجتمعات ومنع تفاقم الصراعات الداخلية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية