الانتخابات العراقية: ديمقراطية بلا ديمقراطيين!

1794
عدد القراءات

2018-05-10

يكرر القائمون على "دولة الفساد" في العراق أنّهم "يعمقون تجربة ديمقراطية عمادُها انتخابات شفافة كلَّ أربع سنوات وانتقالٌ سلميٌّ للسطة"، لكن هذا إعلان متبجح ليس أكثر، فهو يصدر عن ممثلي قوى وأحزاب وحركات لم يعرف عنها، حتى في وثائقها الداخلية، أيُّ التزام بالديمقراطية فكرةً ونهجاً، فضلاً عن كونها استخدمت العنف ورفعت السلاح طوال عقودٍ من سيرتها، إسلاميةً كانت تلك القوى أم علمانية، عربيةً كانت أم كردية.

كما إنّ "الانتقال السلمي للسلطة" عبارة عن خديعة كبرى، يروّج لها حزب الدعوة الإسلامية الحاكم منذ 2005، فالسلطة باتت حكراً للحزب، والانتقال كان من قيادي فيه إلى آخر، فثمة إبراهيم الجعفري، ثم المالكي، فالعبادي الذي يبدو الأوفر حظاً في رئاسة حكومة عراقية ما بعد انتخابات 12 أيار (مايو) 2018.

"الانتقال السلمي للسلطة" عبارة عن خديعة كبرى يروّج لها حزب الدعوة الإسلامية الحاكم منذ 2005

كما "تعميق تجربة ديمقراطية عبر الانتخابات"، تبدو عبارة مفككة، لا تستطيع تغطية فسادها التام، فمفوضية الانتخابات، ليست مستقلة، كما ينص قانونها والدستور العراقي، بل هي في هيكلها الوظيفي/ التنفيذي، تمثيلٌ عبر المحاصصة للكتل السياسية والأحزاب والقوى الكبرى والمتنفذة. ومن هنا فالمفوضون هم مكلّفون، بحسب القوى التي سمّتهم لشغل وظائفهم، لحماية مصالحها وحساب الأصوات فيما بينها على حساب القوى والشخصيات التي تبدو خارج الأحزاب والتحالفات المتنفذة،  فحيدر العبادي وصل إلى برلمان 2014 ثم ليصبح رئيس وزراء بنحو ستة آلاف صوت بينما لم يصل إلى البرلمان منافس له من خارج القوى الكبيرة حصل على أكثر من 17 ألف صوت!

من هنا لا يمكن الوثوق "بيد مؤتمن غير أمين، وعرضة للتزوير" هو مفوضية الانتخابات، كما يقول ذلك كثير من الداعين إلى مقاطعة الانتخابات العراقية.

وهؤلاء محقون في قولهم إنّ  قانون الانتخابات غير عادل ويسرق أصوات الشعب ويجيّرها لصالح الكتل الكبرى، فضلاً عن كون قانوني مفوضية الانتخابات والأحزاب "يسمحان للأحزاب العرقية والطائفية، وللفاسدين والمسؤولين عن ضياع المال العام والمفرطين بثروة البلاد، بالترشح".

ومن التفاصيل التي تفنّد إعلانات النزاهة والشفافية في الانتخابات العراقية، أنّ أجهزة العد والفرز غير دقيقة وعرضة للسطو الإلكتروني، ولا يمكن تأمين شبكة تغطية ممتازة بالخبرات المتوفرة، كما أنّ خوادم (سرفيرات) البيانات ليست في داخل العراق، مما "يجعل الأصوات خارج السيادة الوطنية وعرضة لتلاعب القوى الدولية الكبرى".

العراقيون لم يتعلموا الدرس فهم اعتمدوا على العامل الدولي في الخلاص من الطغيان ما سلّمهم لطغيانات لا تنتهي

إنّ القول في أنّ الانتخابات هي الطريق لإيصال "مرشحٍ مؤهلٍ لقيادة البلد ونزيهٍ في قائمة مؤهلة لقيادة البلد ونزيهة"، لم يعد ذا جدوى، فمعظم التحالفات والقوى والشخصيات المرشحة، قوائم جربها العراقيون في قیادة بلادهم ما بعد 2003، وفي الحقيقة "سرقته وفرطت بأرواح أبنائه"، والقيادات هي نفسها، حتى وإن غيّرت تحالفاتها وأسماءها وتلونت شعاراتها من الطائفية الصرفة إلى "المدنية". ومن هنا تبدو صحيحة فكرة أنّ الانتخابات العراقية باتت عملية تدوير لرموز الدولة الأكبر فساداً في العالم.

من هنا يأمل الداعون إلى المقاطعة، وهم باتوا معسكراً كبيراً يضم اليوم حتى أولئك المتفائلين بالتغيير الذي عنى الإطاحة بالنظام الديكتاتوري 2003، في أنّ "ارتفاع نسبة المقاطعة وانخفاض نسبة المشاركة يكشف للمجتمع الدولي ضعف المسار المزيف للديمقراطية، ويجعل الحكومة المتولدة عنها حكومة بلا غطاء شعبي، مما سيجعلها تفشل".

وماذا بعد الفشل إن حصل؟

هنا يردّ معسكر المقاطعين بفكرةٍ حالمة لا تبدو واقعيةً بإحكام، فهي فكرةٌ تراهن على "القوى الشعبية الواعية والمقاطِعة"، لكن هذه القوى باتت رهناً لإمبراطوريات حاكمة عمادها المال الفاسد والسلاح السائب والطائفية، وغير قادرة، حتى إن رغبت بذلك، على الخروج من قطيع الاصطفافات الطائفية والعرقية.

صحيح إنّ الرهان على القوى الشعبية الغاضبة من السلطة الفاسدة، سيمنح الداعين إلى مقاطعة الانتخابات، "عمقاً شعبياً" لكن تحويل ذلك إلى فعل ضاغط على الحكومة لتصحيح القوانين: الأحزاب، الانتخابات والهيئات المستقلة، وتغيير المفوضية المشرفة على الانتخابات، لا يبدو سالكاً فهو يأمل خيراً مرة أخرى في "أم المهالك" العراقية: الاستعانة بالمجتمع الدولي في الضغط على الحكومة العراقية وإجبارها على "الذهاب لتصويت عادل مبكر بعد رفع الشرعية عن الأحزاب الطائفية والعرقية، وعن الفاسدين"، وكأنّ العراقيين لم يتعلموا الدرس البليغ أبداً، فهم اعتمدوا على العامل الدولي في الخلاص من الطغيان، لكنه هو العامل ذاته الذي سلّمهم إلى طغيانات تبدأ ولا تنتهي.

العراقيون أمام خيارات، أحلاها سيكون مرّاً بل شديد المرارة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: