
محمد شمروخ
حينما غابت شمس اليوم قبل الأخير من شهر يونيو عن تلك البقعة التى تتوسط خريطة العالم، لم تكن قد شهدت ليلة واحدة، قبل ذلك اليوم، يمكن وصفها بأنها آمنة، منذ بداية الانفجارات الشعبية المتوالية قى تونس فى 17 ديسمبر 2010 والتى أودت بالنظام الحاكم فى تونس ورحيل الرئيس زين العابدين بن على فى 14 يناير 2011.
سنوات عديدة عاشتها جماعة الإخوان، بين محطات رئيسية، بدأت بالنشأة (1928) تتستر بشعار أعمال الخير والبر والإحسان، وانطلقت فى (1938) إلى شعارات أخرى تحت مسمى العمل السياسى، وهى المحطة التى سبقتها دماء وتلتها مثلها، وتطور المكر الإخوانى حتى كانت إرادة الشعب (يونيو 2013) النهاية الحاسمة لسنوات الخداع الإخوانى.
جاء يوم 29 يونيو 2013 مصدقا على أهمية أول خطوة حقيقية ضد جماعة الإخوان التى لم تكف طوال تاريخها عن اللعب بالدين لصالح تحقيق أغراض سياسية فجعلت الدعوة فى خدمة أهداف الجماعة التى رأت نفسها المرجع الوحيد للإسلام وحاملة ختم الاعتراف به لحامله، فقد خرجت الجماهير فى كل مكان فى مصر لتؤكد أن 85 عاما من محاولات الخداع لم تنطل على الشعب وأنه حان الحين للحساب الأخير الذى بدأه محمود فهمى النقراشى بحل جماعة الإخوان والتحفظ على مقارها ومصادرة أموالها لصالح الدولة المصرية.
«نبوءة النقراشى»
«ديتى رصاصة أو رصاصتين فى صدري».. بضع كلمات قالها محمود فهمى النقراشى رئيس وزراء مصر، أسر بها إلى أحمد مرتضى المراغى الذى كان يشغل منصب مدير الأمن العام فى ذلك الوقت.
وتحققت النبوءة بعد أن أعلن عن صدور قرار بحل «جمعية الإخوان المسلمين، وإغلاق كل مقارها ومصادرة كل أموالها لما ثبت من خروج الجماعة عن أهدافها التى منحت الترخيص بمزاولة نشاطها بشأنه كجمعية دينية دعوية تدعو إلى أعمال الخير والبر والإحسان كما كان يبدو عند تأسيسها فى مدينة الإسماعيلية سنة 1928.
وجاء يوم 8 ديسمبر 1948 ليكون اليوم الأخير فى اعتراف الدولة الرسمى بالجمعية ومن بعد ذلك صار وجودها مخالفا، ويعد أى نشاط يصدر باسمها من أى من الأعضاء، عملاً مخالفاً لقوانين الدولة يحق لها اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للحيلولة دون ممارسة هذا النشاط الذى صار بموجب قرار النقراشى ، نشاطاً مجرماً.
«الحاج حسن فى دفتر التشريفات»
قبل صدور قرار الحل بعشرة أيام، وبالتحديد فى 28 نوفمبر من سنة 1948 ميلادية الموافق 26 من المحرم 1386 هجرية، وفور عودته إلى القاهرة من رحلة الحج، كان حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان، قد عمد قاصداً ميمماً وجهه شطر قصر عابدين ليدخل من الباب المخصص للزوار من قاصدى إثبات حضورهم فى دفتر التشريفات الملكية، فجاء الشيخ ولم يسترح من وعثاء السفر، مثبتاً حضوره والذى لم تكن دلالته المباشرة فحسب، بأنه يؤكد الولاء ويجدد البيعة لمليك البلاد «فاروق الأول».
فقد كانت هناك أسباب أخرى وراء هذه الزيارة!
وعموماً فليس فى الأمر شيء مريب أن يذهب أحد رعايا جلالة ملك مصر والسودان، ليقوم بهذا الفعل التقليدى والذى يتشرف به كثير من الناس على اختلاف مشاربهم عند حضورهم للقاهرة عاصمة المملكة المصرية، لذلك سمى «دفتر التشريفات».
غير أن شهر نوفمبر الذى شهد زيارة البنا قصر عابدين، كان مفعماً بالأحداث الدامية التى سبقت مجيء الشيخ، فقد شهدت القاهرة فى ذلك الشهر، العديد من حوادث الانفجارات فى مواقع مختلفة؛ وهى إن وقعت فى منشآت ومنتديات إنجليزية ويهودية؛ إلا أنها أثارت موجة من الفزع وأعطت مؤشراً على سوء الأوضاع الأمنية فى العاصمة المصرية، لاسيما أنها ارتبطت بما حدث من هزيمة مريرة فى حرب فلسطين، كما أن وقوع الانفجارات فى مواقع مختلفة وعلى أوقات متقاربة، فى حد ذاته لا يؤثر سلباً على الأجانب واليهود وحدهم، بل على محيط هذه الأماكن ومن يعيش فيها من المصريين، حيث إن دوى الانفجارات لن تصم عنه آذان المصريين ولن تتحاشاهم شظايا القنابل!.
حدث هذا فى حين كان مؤسس جماعة الإخوان يقضى مناسك الحج، لكنه لم يمنع أن تشير أصابع الاتهام إلى جماعة الإخوان؛ لما لها من سوابق قريبة العهد بزعزعة الأمن وسفك الدماء.
وكان يمكن من الناحية الإجرائية أن يتم تبرئة جماعة البنا من مسئولية ارتكاب هذه الحوادث، لاسيما أنها تمت باستخدام قنابل موقوتة، فلم يتم ضبط متهمين فى محيط هذه الانفجارات التى شهدتها حارة اليهود وناد للضباط الإنجليز وشركة الإعلانات الشرقية المملوكة لجهة يهودية.
«ضربة العربة الجيب»
الضربة القاضية او ما يمكن أن نصفه بالخطأ المميت، هو ما أقدم عليه التنظيم السرى الخاص لجماعة الإخوان والذى كان بمثابة الجناح العسكرى للجماعة، حيث تقرر نقل مجموعات من الوثائق والأوراق التنظيمية وبعض المواد المتفجرة والذخيرة من مقر سرى بمنطقة عرب المحمدى بالدمرداش بالقاهرة، حيث خشى مسئول التنظيم أن تتوصل أجهزة الأمن إلى ذلك الوكر، فيؤكد ظنونها بأن الجماعة وحدها وراء الحوادث الغامضة دون بقية التنظيمات السياسية السرية الأخرى، لذلك تقرر أن يتم نقل هذه الأشياء فى صناديق بواسطة سيارة جيب خاصة بأحد أعضاء الإخوان يعمل بإحدى الجهات الحكومية وكانت السيارة تابعة لجهة العمل ولكنه أزال عنها اللوحات.
فتوجه بالسيارة محملة بالصناديق إلى منطقة العباسية لإخفائها فى شقة أحد أعضاء الجماعة البعيد عن الشبهات، حسب رؤية لم تحسب حساباً للمصادفة والتى كانت وحدها وراء كشف هذا السر، عندما اشتبه شرطى سرى كان معينا بالمنطقة، فى السيارة، خاصة أنه لم يجد عليها لوحة رقمية، وكان غالب ظن هذا الشرطى أن مستقلى السيارة عناصر من اليهود الصهاينة الذين كانوا من ناحية أخرى يقومون بأعمال تخريبية لزعزعة الاستقرار، فاستغاث الشرطى بالمارة الذين تمكنوا من الإمساك براكبى السيارة، وتحول المشهد إلى ما يشبه مظاهرة شعبية مما جعل السقوط مدويا،ً خاصةً عندما تبين فور القبض عليهم والعثور على المضبوطات، أن هناك أوراقاً بها رسوم كروكية لمواقع منازل مسئولين كبار وقيادات سياسية وشعبية وشخصيات عامة، يأتى فى مقدمتهم مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد أكبر وأهم حزب سياسى فى تاريخ مصر المعاصر، وكان النحاس حينئذ خارج الحكم وكان من أكثر الشخصيات التى تعرضت لمحاولات اغتيال أوصلها البعض إلى 7 محاولات نجا منها جميعاً بأعجوبة وكانت آخر محاولتين فى العام نفسه إحداهما محاولة لتفجير منزله بتفجير سيارة مليئة بالمواد الناسفة أمام المنزل والأخرى باستخدام رشاش سريع الطلقات.
وكانت المحاولة الأخيرة فى شهر نوفمبر أيضاً!.
«اغتيالات بالجملة»
حوت الرسوم منزل إسماعيل صدقى رئيس الوزراء السابق والذى كان حليفاً للجماعة فى إبان وزارته الأخيرة ليكون معهم جبهة فى مواجهة حزب الوفد!. وكذلك رسم كروكى لمنزل محمود فهمى النقراشى الذى يشغل منصب رئيس الوزراء فى وزارته الأخيرة التى شكلها بعد استقالة وزارة إسماعيل صدقى، فى 9 ديسمبر 1946 واستمرت حتى 28 يسمبر 1948، وتولى النقراشى إلى جانب رئاسته الوزارة، كلا من وزارتى الخارجية والداخلية.
وكان قد سبق هذه الأحداث جميعاً حادث اغتيال المستشار أحمد الخازندار على يد اثنين من عناصر التنظيم السرى الخاص لجماعة الإخوان، كرد فعل لحكم أصدره المستشار ضد متهمين من تنظيم الإخوان ولم يلتفت إلى خطابات التهديد التى كانت تصل إليه فى أثناء نظر القضية.
«حلف أعداء الشعب»
بعدما أعلن مؤسس الجماعة عن دخولها مضمار السياسة، لم يعلن عن تحول الجماعة من جمعية إلى حزب سياسى أنهم من جماعة الإخوان والتى كانت حتى ذلك الحين -15 نوفمبر 1948- تعمل تحت إطار قانونى شرعى كجمعية مرخص لها من الدولة!.
ورغم أن الجماعة أهملت العمل الدعوى وألقت به جانباً لتنخرط فى العمل السياسى بالكلية منذ الإعلان عن ذلك صراحةً عام 1938 بعد مرور 10 سنوات على تأسيسها، إلا أن أحداً من رؤساء الوزارات المتعاقبة، لم يفكر فى إلغاء ترخيص الجماعة لخروجها عن الغاية المنشأة لأجلها، إذ كانت الأحزاب التى تقوم بتشكيل الوزارات عقب قرار الملك فاروق فى 30 ديسمبر 1937 بمرسوم بإقالة مصطفى النحاس إثر احتدام الخلافات بينهما وتكليف محمد محمود باشا بتشكيل الوزارة، حيث كان ماهر يولى جماعة الإخوان رعاية خاصة إلى درجة أنه فتح لهم ساحة عائلته فى أسيوط لتكون مقراً للجماعة فى بداياتها الأولى وكان واضحاً أنه يجد فيهم الزخم الذى يستعين به فى مواجهة شعبية النحاس رئيس حزب الوفد، لما بين الاثنين من خصومة غير منكرة.
وخلفه على ماهر والذى لم يكن يقل تشجيعاً من سابقه لجماعة الإخوان للأسباب نفسها، كذلك كان إسماعيل صدقي!.
ومن الملاحظ أن أيا من الثلاثة (محمود وماهر وصدقي) لم يكن لهم أى ميول دينية ولم يشتهر عن أى منهم أنه يشجع الجماعة لنشاطها الدعوى، فقد كان هؤلاء الثلاثة بالخصوص، يمتازون بطابع سياسى برجماتى، وكان كل من محمد محمود وإسماعيل صدقى من أشد السياسيين قربا إلى الإنجليز ولهما سوابق مخجلة فى تزوير الانتخابات وتعطيل البرلمان وإلغاء العمل بالدستور!.
لقد وقف الإخوان موقف الريبة من ثورة 1919 ورفضوا أن يوصف شخص ما بالزعيم معرضين بزعامة سعد زغلول الذى كان تأثيره حيا بعد وفاته كما ظل الشعب يضع صور سعد زغلول فى كل مكان ووقف وراء خليفته النحاس فى مطالباته بالجلاء والديمقراطية.
«المرجع الوحيد للإسلام»
غير أن قضيتى الجلاء ونظام الحكم الداخلى لم تكونا من أولويات مطالب الجماعة - كما يؤكد ذلك المستشار طارق البشرى فى كتابه (الحركة السياسية فى مصر 1945 1952-) بل إن الجماعة نفسها -حسب ما ورد فى مذكرات الدعوة والداعية للشيخ حسن البنا- كانت ضد مبدأ الحزبية، وذلك يعنى أنها ترى فى نفسها المؤسسة الوحيدة الجديرة بإدارة الحياة السياسية، اذ لا معنى لذلك سوى هذا!.
وهناك ما هو أكثر خطورة من ذلك أورده المستشار البشرى فى الكتاب المشار إليه هنا أنه (.. والحاصل أنه فى المؤتمر الثالث للإخوان الذى انعقد فى أوائل عام 1935 وضع منهاجا لنشاط الجماعة ولطريقة التكوين العملى لأعضائها وتكوينها الإدارى وموقف الجماعة من التيارات العامة والحركات الفكرية الإسلامية .. إلخ. وتضمنت قرارات المؤتمر مبدأين بالغى الأهمية :
أولهما : على كل مسلم أن يعتقد أن هذا المنهج كله (منهاج الإخوان المسلمين) من الإسلام وأن كل نقص منه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة .
وثانيهما: كل هيئة تحقق بعملها ناحية من نواحى منهاج الإخوان المسلمين يؤيدها الأخ المسلم فى هذه الناحية، يجب على الإخوان المسلمين إذا أيدوا هيئة ما من الهيئات أن يستوثقوا أنها لا تتنكر لغايتهم فى وقت من الأوقات.
وكان من الواجبات التى يلتزم عضو الجماعة (الأخ العامل) بتنفيذها: أن تتخلى عن صلتك بأى هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها فى مصلحة الدعوة وبخاصة إذا أمرت بذلك.
ووجه خطورة المبدأ الأول أن الجماعة تصادر به الدين لمصلحتها، وبهذا لا تصبح مجرد جمعية تطبق الدين كما يحاول غيرها أن يفعل، وإنما تؤكد أن منهجها وحده هو الإسلام الصحيح، فلا يُعد غيره كذلك، وبهذا يكون تنظيم الجماعة تجسيدا للإسلام ومؤسسة مهيمنة عليه، فيكون من لم يوالها خارجا على الإسلام ذاته.
ووجه أهمية المبدأ الثانى أن لعضو الجماعة ولاء وحيدا لها دون غيرها من الهيئات وأن تأييده الهيئات الأخرى يكون فى الناحية التى تراها الجماعة فقط. والاستيثاق من عدم تنكر الغير لهم يعنى فيما يعنى الحرص على الاستقلال والذاتية وألا يحترم الإخوان إلا أهداف جماعتهم بوصفها تنظيما .
والمبدأ الأول يسعى للسيطرة على الإسلام لا للاتصاف به فقط.
والمبدأ الثانى من ملامح التنظيمات السياسية، ويعنى ذلك أن ثمة تنظيما سياسيا يسعى لاحتواء الإسلام بوصفه دينا.
وهكذا جعل البنا جماعته، جماعة الإسلام الوحيدة وجعل نفسه متحدثاً وحيداً باسم الإسلام!.
«صفقة فى المعتقل»
إن انخراط الجماعة فى العمل السياسى تحت مسمى «الإخوان المسلمون» يخرجها من كونها جماعة للدعوة إلى الإسلام، لتصير بدون أى سند شرعى أو شعبى، ممثلة للإسلام بين القوى السياسية المتصارعة وإلى جماعة تلعب بالأوراق السياسية فتميل إلى عقد التحالفات وإثارة الخصومات، ولكن لا كجماعة دعوية، إذ إن الطابع الدعوى النزيه يترفع عن تناقضات السياسة ويظل مرتقيا منبر الدعوة، غير أن جماعة الإخوان جمعت فى تناقض واضح بين الدور الدعوى واللعب السياسى مما جعل الدعوة نفسها لعبة فى يد الجماعة ومن ثم استغلالها فى تحالفاتها مع أحزاب الأقلية أو رؤساء الحكومات الذين ليس لهم ظهير حزبى لا من الأقلية ولا من الأغلبية.
وعند أول مواجهة حكومية مع الجماعة فى بدايات الحرب العالمية الثانية، قامت حكومة حسين سرى باعتقال البنا مع اثنين من قيادات الإخوان وهما أحمد السكرى وعبد الحكيم عابدين وأودعتهم معتقل الزيتون، لكن تمت صفقة عبر الوزير حامد جودة وزير التموين فى الوزارة التى شكلها حسين سرى باشا المستقل عن الأحزاب ولكن اشتركت فيها أحزاب الأقلية، وتمت الصفقة فى زيارة قام بها الوزير بنفسه إلى مقر معتقل الزيتون، حيث أثارت الزيارة فضول من علم بها من المعتقلين السياسيين، حسب ما ذكر الأستاذ أحمد حسين زعيم جماعة مصر الفتاة، غير أنه بعد الزيارة بأيام قليلة، خرج البنا ورفيقاه وكانت جماعة الإخوان هى الظهير الشعبى للوزارة.. فتكشفت عندئذ الصفقة.
ولكن لما سقطت الوزارة فى حادث 4 فبراير الشهير، استكمل البنا على غير المعهود تأييد وزارة النحاس باشا على الرغم من الغضب الذى أثارته لمساندة الإنجليز للوزارة بل وفرضهم النحاس كرئيس للوزراء على الملك فاروق، بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية.
لكن الحديث الذى دار ما بين النحاس رئيس الوزراء والبنا مؤسس الجماعة كشف عن صفقة أخرى، حيث تراجع البنا عن ترشيح نفسه كنائب عن الإسماعيلية، مقابل تسهيلات وامتيازات تمنح للجماعة!.
وتوالت الصفقات المتبادلة بعد النحاس حيث ساند الإخوان إسماعيل صدقى فى وزارته ثم انقلبوا عليه، ثم أحمد ماهر الذى اغتيل بيد المحامى محمود العيسوى المنتمى إلى الحزب الوطنى والذى كان متحالفا مع الإخوان، ثم صفقة مع محمود فهمى النقراشى نفسه وكان أن انفض التحالف بطريقة عنيفة إثر وقوع الأحداث التى تلت حرب فلسطين ومخططات الجماعة لإحداث خلخلة فى الأمن العام عن طريق التفجيرات والتخطيط لاغتيال بعض الشخصيات السياسية الكبرى ومنهم النقراشى نفسه، كما سبق القول.
«الحل هو الحل»
كان لابد من مواجهة جماعة الإخوان، خاصة بعد التأكد من مسئولية الجماعة، بواسطة التنظيم السرى الخاص بقيادة عبد الرحمن السندى، عن موجات العنف الدموى والإرهاب التى اجتاحت البلاد، فجاء قرار النقراشى التاريخى بحل جماعة الإخوان فى 8 ديسمبر 1948.
إذن لم تفلح كل محاولات مؤسس جماعة الإخوان فى أن تثنى النقراشى عن اتخاذ القرار، منذ عودة البنا من رحلة الحج.
وحسب ما ذكرت المراجع التاريخية والتى ذكرها الأستاذ محسن محمد فى كتابه «من قتل حسن البنا» فإن البنا لم يهدأ منذ مجيئه عن هذه المحاولات حيث التقى بالعديد من الشخصيات القيادية فى الدولة من حلفائه السابقين ومن غيرهم واستغاث بالملك نفسه مؤكدًا فى مقابلة له مع إبراهيم باشا عبد الهادى رئيس الديوان الملكى، تأييد الجماعة للملك ووقوفها وراءه، كذلك حاول لقاء النقراشى نفسه حسب شهادة أحمد مرتضى المراغى مدير الأمن العام والذى نقل رغبة البنا الى النقراشى فأصر الأخير على رفض المقابلة وهو ما توقعه البنا نفسه لما يعرفه عن طبيعة محمود فهمى النقراشى وعناده الشديد، حيث أورد المراغى تفاصيل لقائه هذا مع البنا فى مذكراته التى نشرتها مجلة أكتوبر فى منتصف الثمانينيات وصدرت فى كتاب «شاهد على حكم فاروق».
كان البنا يتحدث بلهجة غلب عليها الرجاء، وكانت نبرته تعلو أحياناً إلى قرب التهديد، لكن كل المحاولات فشلت أمام صلابة النقراشى التى وصفها البنا بالعناد.
والملاحظ أن البنا كان يؤكد لكل من طلب واسطته لإقناع النقراشى باستمرارية الترخيص للجماعة، أن الجماعة «ستعود» لمجال الدعوة وتترك العمل السياسى نهائياً!.
وهو أمر يدعو للتعجب، إذ ان العمل السياسى لو كان حقاً من صميم عقيدة الجماعة وأنها كجماعة إسلامية لابد لها من دخول المعترك السياسى، فإن البنا بوعوده وعهوده بالإقلاع عن السياسة، فإنه سيكون حينئذ قد تخلى عن أصل من أصول عقيدته!.
وهناك أمر آخر فى غاية الأهمية، ما الذى دعا بالبنا إلى أن يتشبث بأن يكون نشاط الجماعة مرخصاً به، إذ يستطيع كأى داعية أن يستمر فى دعوته مع جماعته - بصرف النظر عن مبدأ الانفصال باسم خاص وهو ما يتنافر مع الدعوة- فإن دعوة البنا لو كانت لاتباع تعاليم الإسلام وتفعيل شرائعه، لما كان فى حاجة إلى ترخيص خاص بذلك ولا إلى اقتطاع جماعة خاضعة له، للعمل الدعوى.
«البديل المستحيل»
كما رفض البنا اقتراحا طرحه صالح أبو رقيق القيادى فى الجماعة بتغيير اسم الإخوان المسلمين لإعادة نشاط الجماعة تحت الاسم الجديد -وقيل إن الفكرة نفسها طرأت على البنا نفسه- لكن فى النهاية عز على البنا التضحية باسم الإخوان وهو ما يؤكد أن العمل الدعوى لم يكن غاية البنا، بل كان وسيلته لتحصين الجماعة بإطار دينى كوسيلة لتحقيق غايات سياسية، فكانت الدعوة فى خدمة الجماعة وليس العكس كما يجب أن يكون عليه الدعاة!.
«وتحققت النبوءة»
هذا المشهد الدامى وقع فى مدخل مقر وزارة الداخلية، حيث كان محمود فهمى النقراشى رئيس الوزراء قد ولج مقر الوزارة ليمارس أعماله كوزير للداخلية بجانب منصبه كرئيس للوزراء، وقبل أن يهم بركوب المصعد، تقدم شاب يرتدى زى ضابط شرطة حمل على كتفيه رتبة ملازم أول وأشهر مسدسا خلف رئيس الوزراء ليطلق منه «رصاصتين» استقرتا فى ظهر النقراشى الذى لقى مصرعه على الفور، بينما تمكن الضباط المكلفون بحراسة رئيس الوزراء، من الإمساك بالقاتل الذى تبين أنه طالب بكلية الطب البيطرى وعضو فى جماعة الإخوان وبالتحديد أحد عناصر التنظيم السرى الخاص الذى أنشأه مرشد الإخوان ليصبح ذراع الجماعة لتصفية خصومها.
وكان أن حقق طالب الطب البيطرى نبوءة النقراشى بنهايته برصاصة أو رصاصتين عقاباً له على حل جماعة الإخوان، لكن بتعديل بسيط وهو ان الرصاصتين اللتين أنهتا حياة رئيس وزراء مصر، أصابتا ظهره لأن الذى أطلقهما يؤمن بالغدر، وليس فى صدره كما تعود النقراشى طوال مسيرة حياته أن يكون فى مواجهة اعدائه!.
«ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين»
كان الطالب القاتل قد تسلل إلى مقر وزارة الداخلية لتنفيذ خطة الاغتيال متخفياً فى زى ضابط وينجز ما تم تكليفه به بتصفية أكبر خصم لجماعة الإخوان، وأول من تجرأ على مواجهتها بقرار إلغاء ترخيص الجماعة ونزع الاعتراف الرسمى بوجودها لتصبح جماعة محظورة مخالفة لقوانين الدولة التى لم تعترف بها الجماعة إلا على سببل الضرورة!.
وكان القاتل عنيداً طوال أيام التحقيق معه أمام محمود منصور النائب العام، ولم يدل بأى اعترافات عن زملائه فى التنظيم السرى ولا أى شىء سوى ما كان من وصف الأحداث فى مسرح الجريمة وما ذكره فى التحقيقات الأولية بإصراره على قتل النقراشى، لكن عندما أطلعه النائب العام على الصحف الصادرة صباح ذلك اليوم 11 يناير 1949 ليفاجأ الطالب محمود أحمد عبد المجيد بأن الصحف نشرت بياناً كتبه الشيخ حسن البنا بنفسه يبرأ فيه من الجريمة ومرتكبها ويصف الذين قاموا بأعمال عنف وجرائم بأنهم «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين».
وحينئذ انهار القاتل وأدلى باعترافات تفصيلية عن كل شيء، فها هو فضيلة الإمام المرشد يعلن براءته منه ومن امثاله!.
ولم يكن هذا بالغريب فى أسلوب المراوغة الذى اتبعه المرشد حتى مع أعضاء جماعته الذين ضحوا بمستقبلهم وحياتهم من أجل تحقيق أهداف الجماعة!.
الأهرام

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7_11_1_0_0.jpg.webp?itok=BexPd0sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_1_0_0_3_0.jpg.webp?itok=3Zhw-Qwm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D9%8A%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA..%20%D9%85%D9%86%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vAy5hbNG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/LUmDCU9nEJkRIOikaC46rPDoYCHEymI_1NimLwC6x_7cjSYjJjtwGxvGag56bJXpJ9kdGNCtN4tMd7CPctfdotIfIFAJ5UDEhuMa0JPvIfWDi7CvCLe6j_5-TrU5jPCY3jBrXYHOfkj2SN0Ox1O0a2p0T_ddIBcNn39biHGmDj93eX1w6qvhHDrI6MQ3q-6b.jpg.webp?itok=3IHuCMIN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_3.jpg.webp?itok=8LH0Zveq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_5_0.jpg.webp?itok=ngaaISlJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/mnyr_0_6.jpg.webp?itok=rQl6wEvW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_1.jpg.webp?itok=Ss7Oynoz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8_0.jpg.webp?itok=nRv3-VvG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_14.jpeg.webp?itok=r1ivFgQk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_4_0_0_0.jpg.webp?itok=uCZJ0EQW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_3.jpg.webp?itok=JqgGrr-Y)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_1.jpg.webp?itok=xDkoZQ_x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86_50_1.jpg.webp?itok=lVttV-Fk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OUPg0it56SjYbmFDi4OF0nlf_FStDEHV2ojDF_t-Cw2iTlRBWllNC8ebxr9y9QOJX4CDQhRNvVcvQvua9p1cQo2UTjfYSRTxcNJW0CMcoEORJhiYa0oxX385O8m1MeztnRonJLeLnRw_dt-2wIq7VCZ15z0LP5HKDqceGgoRod6WS1yOo4Bd1uGhc3c9WSoR%20%281%29.jpg.webp?itok=eMHkqEvP)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

