
في الأعوام الأخيرة أصبح الإعلام الرقمي أداةً أساسيةً لجماعة الإخوان المسلمين، خاصةً بعد تعرّضها لحظر سياسي في عددٍ من الدول العربية والأوروبية. لم يعد بالإمكان للجماعة العمل علناً كما في مرحلة ما قبل 2013، ولذلك تحولت إلى شبكة من الحملات الرقمية، مستغلة المنصات الاجتماعية لتجنيد الأنصار، وإعادة صياغة خطابها السياسي، وتأليب الرأي العام ضد الأنظمة الوطنية.
هذه التحولات الرقمية لم تقتصر على نشر الأفكار التقليدية للجماعة، بل شملت أساليب متقدمة في التضليل، والتوجيه النفسي، واستغلال الفراغ المعلوماتي الذي توفره المنصات الحديثة، وهو ما جعل الإنترنت ساحةً للتنافس بين الجماعة والدولة على السيطرة على وعي الجمهور.
استراتيجيات الإخوان الرقمية
تتنوع استراتيجيات الجماعة في الفضاء الرقمي، من إنشاء حسابات وهمية وحملات تضليلية إلى مجموعات مغلقة تعتمد على التشفير لمنع المراقبة. في 2025 رصدت حملات مكثفة على منصات مثل (تيليجرام) و(فيسبوك) تستهدف الجمهور العربي والأوروبي، من خلال بث محتوى يركز على التضييق على الجماعة، والادعاء بوجود حملات "اضطهادية" ضدّهم.
تستخدم الجماعة أدوات مثل "البوتات" وبرامج إعادة النشر التلقائي لزيادة التفاعل، وهو ما يضخم من انتشار الرسائل ويخلق شعوراً بعددٍ أكبر من المتابعين ممّا هو حقيقي. غالبًا ما تُستهدف فئة الشباب، خاصةً الذين يميلون للتفاعل الرقمي المكثف، وذلك لتشكيل قاعدة دعم متفاعلة يمكنها نشر الرسائل على نطاق أوسع.
التحليل الرقمي لحملات الإخوان الأخيرة يوضح قدرتهم على توجيه النقاش العام وإحداث انقسامات اجتماعية وسياسية. في بعض الحالات استطاعت الجماعة عبر هاشتاغات محددة وقنوات تيليجرام مغلقة أن تحشد مئات الآلاف من المتابعين، وتخلق ما يشبه الرأي العام الموازي الذي يروج للأجندة الإخوانية.
في أوروبا، على سبيل المثال، استغلت الجماعة حملات التضييق على المسلمين في فرنسا وألمانيا لتسويق نفسها كمنظمة "مظلومة"، ممّا ساعدها على جذب دعم سياسي وقانوني محدود، لكنّ تأثيره الرمزي كان كبيراً في خلق شعور بالتمييز لدى الجاليات العربية. أمّا في الشرق الأوسط، فقد رصدت تقارير حديثة استخدام الجماعة لحملات رقمية مركزة تستهدف تشويه صورة بعض الحكومات العربية، وتحريك الرأي العام ضد قرارات سياسية محددة، بما في ذلك الانتخابات أو الإجراءات الاقتصادية.
التقنيات والمنصات المستخدمة
اعتمد الإخوان في الأعوام الأخيرة على مزيج من المنصات التقليدية والرقمية الحديثة، بدءاً من "فيسبوك وتويتر"، وصولًا إلى "تيليجرام" و"سيغنال". المنصات المشفرة توفر لهم أماناً أكبر للتواصل الداخلي وإدارة الحملات، وتسمح بإنشاء مجموعات مغلقة وبيئة رقمية شبه محمية من الرقابة الحكومية. يستخدمون كذلك محتوىً متعدد الوسائط، من فيديوهات قصيرة ورسوم بيانية إلى بث مباشر، لاستهداف الجمهور بصرياً ولفت الانتباه إلى الرسائل السياسية.
علاوةً على ذلك، تعمل بعض الحسابات على نشر أخبار مضللة أو تحريف وقائع، ممّا يسهم في خلق بيئة رقمية من التشكيك والتضليل، تجعل من الصعب على الجمهور التمييز بين الحقيقة والرأي الموجه.
في أيار (مايو) الماضي كشفت مذكرة سرّية حصلت عليها صحيفة (لو فيغارو) من وزارة الداخلية الفرنسية، أنّ شبكات إلكترونية نشطتها جماعة الإخوان تختبئ بين زحام مقاطع الرقص والفكاهة القصيرة على منصات مثل "تيك توك". مشيرة إلى أنّ ما كان يُعدّ منصة تسلية لحظية تحول اليوم إلى ساحة تعبئة وتحشيد تحت مسمّى "التذكير الإسلامي"، حيث تستغل الجماعة كل ركن من أركان الفضاء الرقمي لتجنيد الشباب الذين يبتلعون المحتوى بسرعة دون وجود رقابة توقف هذا الزحف.
وأوضحت المذكرة بحسب ما نشره موقع (العين الإخبارية) أنّ "الإمام الإلكتروني" لجماعة الإخوان لم يعد مجرد صورة تقليدية للداعية، بل أصبح يتماهى مع أحدث صيحات منصات التواصل، مستخدماً الفيديوهات القصيرة، والتأثيرات الصوتية، والمرئيات الجذابة، ليخترق عقول الفئات الصغيرة سناً ويصل إليها بعمق غير مسبوق. وحذّرت الوثيقة من أنّ هذا النوع من التأثير تحول إلى استراتيجية متطورة للتجنيد، لا تكتفي بالتلقين الديني التقليدي، بل تصنع حالة نفسية وعقلية تمهد طريق التطرف.
كذلك لفتت الوثيقة إلى أن "تيك توك" أصبح من أهم المنابر التي تتصدرها عناصر جماعة الإخوان، حيث يغلب الخطاب المتشدد على المحتوى الإسلامي، وينتج هذا المحتوى تفاعلات وتعليقات أشد تطرفاً من مضمون الفيديو الأصلي. وتتجاوز خطورة هذا النشاط المحتوى نفسه لتصل إلى التفاعلات، إذ تتحول المنشورات إلى أرض خصبة لترويج مواقف متشددة تتجاوز أحياناً الرسالة الأساسية.
ردّ فعل المنصات العالمية والحكومات
في المقابل، حاولت المنصات الرقمية الكبرى مثل "فيسبوك وتويتر ويوتيوب" مواجهة هذا النفوذ عبر إزالة الحسابات المضللة، وحظر المحتوى الذي يروج للعنف أو التضليل السياسي.
الحكومات الأوروبية، خصوصاً فرنسا وألمانيا، اتخذت إجراءات لمراقبة وتحجيم تأثير الجماعة، بما في ذلك فرض قيود على إنشاء الجمعيات والمنظمات الجديدة التابعة للإخوان. أمّا في الشرق الأوسط، فقد تم تكثيف جهود الرقابة على الشبكات الرقمية، مع تعزيز التوعية الرقمية للجمهور حول الحملات المضللة.
ورغم هذه الإجراءات، ما يزال تأثير الجماعة الرقمي ملموساً، خاصةً في الفضاءات التي لا تراقبها السلطات بشكل مباشر، مثل مجموعات "تيليجرام" المغلقة والقنوات الجديدة التي تظهر بشكل دوري، وهو ما يجعل مواجهة النفوذ الرقمي للإخوان تحدياً مستمراً يتطلب تحديث الأدوات والمناهج الرقابية.
الأبعاد الاجتماعية والسياسية
تتجاوز استراتيجية الإخوان الرقمية كونها مجرد أداة للترويج السياسي، لتصبح وسيلةً لإعادة تشكيل المجتمع وفق أجندتهم. فهم يسعون لخلق شبكات اجتماعية موازية، حيث يُغذَّى الجمهور بمحتوى يعزز القيم الإخوانية ويدعم خطاب الجماعة. هذا الأسلوب يعكس فهماً متقدماً لعلم النفس الاجتماعي الرقمي، إذ يخلق شعوراً بالانتماء، ويزيد من تماسك القاعدة المؤيدة للجماعة.
في الوقت نفسه يُستغل الإعلام الرقمي لتقويض الثقة بالمؤسسات الوطنية، وهو ما يشكل تهديداً للثبات السياسي في بعض الدول، ويعكس استمرار تأثير الجماعة رغم القيود الرسمية المفروضة عليها.
توضح التجربة الرقمية للإخوان كيف يمكن لجماعة سياسية أن تتحول إلى قوة رقمية مؤثرة حتى بعد حظر نشاطها العلني. استطاعت الجماعة عبر الإعلام الرقمي توجيه النقاش، وزرع شعور المظلومية، وتحريك الشباب في الداخل والخارج.
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاوناً متكاملاً بين الحكومات والمنصات الرقمية، مع تشديد الرقابة على التضليل، وتعزيز الثقافة الرقمية لدى الجمهور لتقليل التأثر بالحملات الموجهة. ويجب التركيز على رصد المجموعات المغلقة والمنصات المشفرة التي أصبحت الساحة الأكثر نشاطاً للإخوان، لضمان وعي الجمهور بما يُنشر من محتوى سياسي وتضليلي.
الإعلام الرقمي أصبح بالنسبة إلى الإخوان أداةً حيويةً لا تقلّ أهميةً عن النشاط السياسي التقليدي، بل ربما يفوقه تأثيراً في تشكيل الرأي العام، وتحريك الجماهير، واستمرار النفوذ الإيديولوجي للجماعة على مستوى واسع، رغم القيود الرسمية. ومع تطور أدوات الرقابة الرقمية، يظل التحدي الأكبر هو موازنة حرية التعبير مع منع التضليل والتأثير السلبي على المجتمعات.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)