الإخوان وإمبراطورية المال

الإخوان وإمبراطورية المال

الإخوان وإمبراطورية المال


15/12/2025

أيمن خالد

لازمت نشأة جماعة الإخوان بناء إمبراطورية مالية عابرة للحدود، باعتبار ذلك يؤسس لصنع ركيزة مادية لمن يبحث عن إنشاء كيان موازٍ خارج إطار الدولة، غير أن هذه الإمبراطورية لم تُبن من أموال ورثوها وإنما استؤمنوا عليها من خلال جمعها على شاكلة تبرعات ينتهي بها المطاف في بناء مؤسسات خدمية مجتمعية وهو ظاهر الأمر، قبل أن تتحول هذه الفكرة بمؤسساتها إلى استثمارات شرسة ظاهرها الرحمة، وباطنها إنشاء خزائن مالية تمنح الجماعة قوة مؤثرة داخل البلاد وخارجها.

أما مال الجماعة وفق ما يقول مؤسسها ومن جاء بعده أنه يأتي عبر الاشتراكات المالية التي يدفعها الأعضاء للجماعة، لكن ذلك كله يبقى مجرد واجهة للمال الحرام الذي كان يأتي عبر سياقات مختلفة، من خلال عمليات التدوير لمسألة التبرعات والتي كانت تشهد قدرة عالية على خداع الجمهور، فالمسألة تبدو في ظاهرها إقامة مؤسسات خدمية تعليمية وصحية غير أن هذه المؤسسات كانت تتوسع وفق مسارات وأهداف عديدة، منها اكتساب ود الجمهور الذي يتعامل مع النتائج القريبة لهذه المؤسسات والخدمات الصحية أو التعليمية التي تقدمها دون معرفة الخلفية التي بنيت من أجلها. وبقدر ما تقدمه هذه المؤسسات من خدمات تأتي عملية توسيع دائرة الجماعة واستقطاب مزيد من الأتباع. فالجمهور الذي يشاهد الصورة الخارجية وبسبب حاجته (في بعض البلدان) لهذه المؤسسات قد لا يرى أكثر من هذه الخدمات، بينما في إطار هذه المؤسسات تتم مسألة استثمار هذه الاحتياجات، ولا يحدث ذلك كعمل إنساني بحت أو كواجب ديني تحاول الجماعة أن تظهر به، بمقدار ما هو مشروع استثماري طويل الأمد، يهدف من خلال هذه المؤسسات إلى توسيع دائرة الكيان الموازي من جانب، بحيث تصبح مسألة ارتباط الجمهور بهذه المؤسسات وسيلة لإعادة تشكيل وعي الجمهور على قاعدة الثقة بما تطرحه الجماعة من أيديولوجيا من جانب وتشكيك بالنظم السياسية من جانب آخر، وهو بالضبط جوهر الصيد الثمين الذي كانت تسعى له الجماعة، فالمشاريع الخدمية تتحول إلى مشاريع دعوية واستقطاب، ثم تصبح استثمارية تجمع للجماعة ما أتيح من الأموال ما يجعل هذا المال ركيزة استثمارية تمنح الجماعة حضوراً أوسع في الداخل، وزخماً مادياً يجعلها في مصاف القوى الاستثمارية الفاعلة.

في الجانب الآخر هناك عملية هندسة استثنائية لجمع التبرعات والتي تشهد تحولات عديدة عبر الزمن مع اتساع ظاهرة إعلام الجماعة الذي يوهم المتلقي بأن لدى الجماعة ما تقدمه بلا مقابل، وهو ما فتح الطريق لاستقطاب التبرعات عبر رؤوس الأموال ما شكل نقلة نوعية في بناء الإمبراطورية المالية العابرة للحدود، وعلى الرغم من ذلك يحافظ الإخوان على جمع التبرعات البسيطة كحركة دعائية رغم أنها تشكل في النهاية رقماً، وخصوصاً في الكوارث والأزمات، على شاكلة النصف مليار دولار والتي جمعت لأجل غزة وتاهت في الوصول إليها. فالكوارث ونشاط الجماعة في جمع التبرعات مسألة متوازية، غير أن وصول الأمانة كما هي فذلك موضوع آخر، خصوصاً مع غياب الرقابة والتدقيق، باعتبار أن الإخوان هم من يجمعون وهم من يتولون التفاصيل على الأرض، مع استحداث أساليب مستجدة، عبر مؤسسات أو جمعيات وهمية صغيرة بلا توثيق، تمارس جمع المال خارج الصندوق، حتى ولو كان عبر طرق غير قانونية أو شرعية، على شاكلة شبكة الأئمة المرتبطة بالإخوان في السويد وما نُسب إليها من اختلاس لأكثر من مليار كرونة سويدية ما يعادل 104 ملايين دولار من الأموال العامة المخصصة لتمويل المدارس ودور الحضانة وذلك قبل هروبهم من السويد. لكن هذه كلها تبقى في عداد بعض الشواهد الصادمة رغم ضخامة المال المفقود، مما يجعل من ملف إمبراطورية المال قيد التداول لفترة ليست قصيرة، مع احتمالية تكشف المزيد مما أخفته الجماعة مدار عشرات السنين من العمل في الغرب.

الشاهد أن فكرة جمع التبرعات تتجدد عبر طرق مختلفة بحسب قدرتهم على استغلال الظروف المتاحة، وبالتالي ثمة ميلاد لمؤسسات وجمعيات لا تحمل في ظاهرها صبغة إخوانية، تماماً على شاكلة العديد من المؤسسات الإعلامية التي استحدثوها بقصد الدفاع عن الجماعة، ما يعني أن الإخوان يعملون على إدارة البنية المالية وفق قواعد سرية بغية استمرارهم بالعمل على القاعدة الأساس التي انطلقوا منها، للحفاظ على الكيان الموازي الذي من خلاله يعملون على إنشاء منظومات متكاملة على قاعدة إعادة تشكيل العالم الإسلامي على المستوى السياسي وفق تصورهم المتخيل لكي يصنعوا أوهام مؤسسهم فيما أسماه "أستاذية العالم".

العربية




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية