الإخوان في تونس: من السيطرة على القضاء إلى محاولة تشويه منصة العدالة

الإخوان في تونس: من السيطرة على القضاء إلى محاولة تشويه منصة العدالة

الإخوان في تونس: من السيطرة على القضاء إلى محاولة تشويه منصة العدالة


08/10/2025

منذ اندلاع ما عُرف بـ "الربيع العربي" في نسخته التونسية، برزت حركة النهضة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في تونس، المصنفة على قوائم الإرهاب بعدد من البلدان العربية. كان هذا الظهور غير المفاجئ يبحث عن "التمكين" كحال مثيلاتها في مصر والمغرب، من خلال الاستفادة من مناخ الحريات الناشئ والانفتاح السياسي الذي أعقب الاحتجاجات التي أطاحت بعدة أنظمة عربية في القاهرة وطرابلس وتونس. فتمكنت الحركة الإخوانية في محطتها الأولى من السيطرة على مفاصل الدولة عبر أسلوب التمكين التدريجي، وبشكل ناعم ومستتر.

في تونس، كانت السمة الأخطر لهذا التمكين تتجلى في تحرّي السيطرة على مؤسسات الدولة والتغلغل في الكيانات الوطنية المؤسسية، مثل القضاء، ووزارات الداخلية والخارجية والتعليم، فضلاً عن نشر خطابهم الطائفي والفئوي لتعبئة الشباب وتسفيرهم إلى بؤر التوتر، وخاصة سوريا وليبيا. وقد أدركت حركة النهضة منذ اللحظة الأولى أنّ القضاء هو العتبة الأساسية للتحكم في الدولة، سواء عبر تعطيل المحاسبة أو حماية قياداتها من الملاحقة، كما حدث مع اغتيال المناضلين اليساريين والمعارضين لحركة النهضة، شكري بلعيد ومحمد البراهمي، لهذا عملت الحركة على تطويع مؤسسات العدالة لتقويض هذا المبدأ القانوني.

محاولة تطويق القضاء

وقد برز ذلك مع الضغوط التي مارستها حركة النهضة في مرحلة صياغة دستور عام 2014 لتقليص استقلالية القضاء وإبقاء مفاتيح التعيينات بيد السلطة التنفيذية التي كانت تسيطر عليها. وانعكس التغلغل الإخواني أيضاً  لحركة "النهضة" على مسار ملفات حساسة تتعلق بقضايا الأمن القومي، منها تعطيل محاسبة المتورطين في ملفات الفساد أو في جرائم الإرهاب. وكثير من القضايا التي اتُهم فيها عناصر حركة النهضة أو حلفاؤها ظلت تراوح مكانها لسنوات، بينما جرى التوسع في ملاحقة خصوم الحركة أو المعارضين السياسيين.

وبينما تتواصل في تونس محاكمة زعيم الحركة راشد الغنوشي، الذي يصرّ على مقاطعة الجلسات القضائية ورفض المثول أمام القضاة، مكتفياً بتصريحات يصف فيها القضية بأنّها "مؤامرة سياسية" تستهدفه داخل السجن، فإنّ محامي الغنوشي، مختار الجماعي، أكد غياب موكله عن جلسة المحكمة الابتدائية في تونس العاصمة المتعلقة بما يُعرف بـ "المسامرة الرمضانية"، قبل أيام، مبرراً ذلك بأنّ القضية "مسرحية سياسية"، بحسب ما نقلت (العين) الإخبارية. لكنّ النيابة العمومية شددت على أنّ التهم خطيرة ولا علاقة لها بالتصفيات السياسية، بل ترتبط بتحريض علني على الفتنة والاقتتال الداخلي، ممّا يجعلها قضية أمن قومي قبل كل شيء.

الجلسة لم تقتصر على الغنوشي، بل شملت عدداً من قيادات حركة النهضة، من بينهم أحمد المشرقي ويوسف النوري، حيث مثُل بعضهم أمام القاضي في حين ظل آخرون قيد الإيقاف.  ويبرز هذا الامتداد في الاتهامات التي شملت قيادات بارزة، وفق متابعين، حجم التورط الجماعي داخل الحزب الذي حكم تونس بعد 2011 وأدخل البلاد في أزمات سياسية وأمنية متلاحقة.

وبحسب الموقع الإخباري، فالغنوشي نفسه يواجه سلسلة من الأحكام الثقيلة، بلغت في مجموعها (37) سنة سجناً. وتشمل هذه الأحكام (14) سنة في قضية "أمن الدولة 2"، و(22) سنة في قضية "أنستالينغو" المتعلقة بالتآمر والتخابر، وسنة في قضية تمجيد الإرهاب. وهذه الأرقام تكشف، وفق القانونيين، أنّ المسألة لم تعد مجرد خصومة سياسية مع السلطة، بل ملفات جنائية خطيرة تطال رأس التنظيم الإخواني في تونس.

الإخوان ومحاولات الهيمنة

في حديثه لـ (حفريات) يوضح الباحث السياسي سامح مهدي أنّ الأمر الأكثر خطورة في تونس هو استمرار محاولات الإخوان في "زرع الفتنة" وتأجيج "الاستقطاب السياسي" لاستمالة الشارع وتحريضه على الرئيس قيس سعيّد، الذي يقود إصلاحات جذرية ليس فقط لإنهاء مرحلة "النهضة" سياسياً، واستعادة المؤسسات إلى دورها وجعلها بمنأى عن الخصومة، وإنّما أيضاً لإنهاء وضع "الدولة المستباحة في ظل حكم الإسلامويين" وتصفية خطابهم من المجال العام. 

وتابع الباحث السياسي: "لنفوذ الإخوان في تونس صلة وثيقة بقضية التسفير، وتوفير شبكات تجنيد وتسهيل سفر آلاف الشباب التونسيين إلى سوريا وليبيا للانضمام إلى الجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة، خاصة تنظيمي داعش وجبهة النصرة. في حين تشير تقارير إلى أنّ سنوات حكم الترويكا شهدت ذروة نشاط هذه الشبكات، حين جرى التغاضي عن سفر المئات بل الآلاف من الشباب عبر المطارات والحدود، بدعوى أنّهم متوجهون للعمل أو الدراسة. وتتخطى الاتهامات الموجهة للإخوان نطاق التشجيع إلى أداء الخدمة للأجندة الإخوانية الإقليمية المتحالفة مع تركيا وقطر، اللتين وفرتا الملاذ والدعم اللوجستي للمقاتلين".

بحسب تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، فإنّ تونس كانت واحدة من أكثر الدول المصدرة للمقاتلين إلى بؤر التوتر، حيث قدّر عدد التونسيين الذين التحقوا بالجماعات المسلحة في سوريا وليبيا والعراق بأكثر من (6) آلاف شاب. هذا الرقم الضخم أثار صدمة داخلية وخارجية، خصوصاً مع خصوصية أوضاع المجتمع المدني والتعليم والحريات بتونس والانفتاح الذي أسهم في مكتسباب حقوقية جمة جعلتها غير مسبوقة في محيطها العربي، بحسب مهدي، لكنّ بيئة الفوضى السياسية، وضعف الدولة، وتواطؤ قوى الإسلام السياسي، على ما يبدو، كانت كلها عوامل أسهمت في "تفريغ الأحياء الفقيرة من آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم في ساحات المعارك الإقليمية بالوكالة".

إذ لا يمكن فصل ملف التسفير عن البيئة السياسية التي وفرتها حركة النهضة. فخلال فترة حكمها غضّت الأجهزة الأمنية الطرف عن نشاط الجمعيات الدعوية المشبوهة التي عملت على غسل أدمغة الشباب بخطاب "الجهاد" و"نصرة الأمّة". كما أنّ شخصيات مرتبطة بحركة النهضة لعبت دوراً مباشراً في توفير تسهيلات لوجستية للمقاتلين. وقد شكّل هؤلاء المقاتلون خطراً أمنياً داخلياً، حيث عاد بعضهم ليشارك في هجمات دامية استهدفت الأمنيين والسياح، أبرزها هجوم متحف باردو 2015 ثم هجوم سوسة الإرهابي.

بالتالي، فمشروع الإخوان في تونس لم يكن سوى حلقة في مخطط أكبر يستهدف تفكيك الدولة، وكانت السيطرة على القضاء وسيلة لتمرير هذه المخططات من دون محاسبة، بينما كان ملف التسفير أحد أخطر تجلياتها، حيث حوّل آلاف الشباب إلى فرصة لنمو مجموعة إرهابية محلية وتصديرها إقليمياً.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية