
منذ عقود تمثل ألمانيا أحد أبرز معاقل جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا. فمنذ الخمسينيات احتضنت برلين وهامبورغ وميونخ قيادات إخوانية هاربة من الملاحقات في الشرق الأوسط، لتتكون هناك بنية تحتية دعوية واجتماعية قوية ما تزال الجماعة تستفيد منها حتى اليوم.
ومع صعود الإسلام السياسي عالمياً، باتت ألمانيا ساحة رئيسية لتمدد الإخوان الذين أحسنوا استغلال الحريات الدستورية وقوانين حماية الأقليات الدينية في البلاد، لبناء شبكة مؤسسات ومراكز ومساجد وجمعيات تعمل بواجهة خيرية وثقافية، لكنّها تحمل أجندة إيديولوجية واضحة.
في السنوات الأخيرة برز تحدٍّ جديد يتمثل في الارتباط بين الإخوان وشبكة "الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية" (ديتيب)، أكبر مظلة للمساجد في ألمانيا، والتابع مباشرة لهيئة الشؤون الدينية التركية (ديانت).
هذه العلاقة، التي وثقتها دراسات ومتابعات أمنية، تفتح الباب أمام تأثير متبادل بين الإسلام السياسي الإخواني والمصالح التركية، بما يخلق حالة معقدة تهدد الأمن الداخلي والاندماج المجتمعي في البلاد.
استراتيجية أخطر من الإرهاب المباشر
وفقاً لتحليل صادر عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، فإنّ التهديد الإخواني في ألمانيا لا يقتصر على التحريض المباشر على العنف، بل يتمثل في استراتيجية بعيدة المدى تُعرف بـ "الشرعنة".
هذه الاستراتيجية تقوم على خلق بيئة مؤسسية وقانونية تحمي نشاط الجماعة، وتجعلها جزءاً من المشهد الإسلامي العام بحيث يصعب استبعادها أو حظرها بسهولة.
باتت ألمانيا ساحة رئيسية لتمدد الإخوان الذين أحسنوا استغلال الحريات الدستورية وقوانين حماية الأقليات الدينية في البلاد، لبناء شبكة مؤسسات ومراكز ومساجد وجمعيات تعمل بواجهة خيرية وثقافية، لكنّها تحمل أجندة إيديولوجية واضحة
ويقول الخبير النمساوي في التطرف نيكولاس ستوكهامر: إنّ "الاستراتيجية الشرعية لجماعة الإخوان المسلمين أخطر بكثير من خطر حثّ الأفراد على ارتكاب أعمال إرهابية"، موضحاً أنّ الخطر يكمن في أن تصبح المساجد التابعة لـ "ديتيب" منصات لترويج خطاب الإخوان، وهو ما يسمح بانتشار الإسلام السياسي كتيار رئيسي داخل المجتمع الإسلامي الألماني.
هذه القراءة تعني أنّ مواجهة الإخوان لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تتطلب مقاربة سياسية وفكرية، لأنّ الجماعة لا تتحرك عبر العنف المباشر، بل عبر بناء نفوذ تدريجي يربط الدعوة بالدعم الاجتماعي والثقافي، ويمنحها مظهر الشرعية.
"ديتيب"... مؤسسة دينية أم ذراع سياسية؟
يضم الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية (ديتيب) نحو (1000) مسجد في ألمانيا، وهو ما يجعله أكبر مظلة للمؤسسات الإسلامية في البلاد. على الورق، يُفترض أنّ الاتحاد يمثل الجالية التركية دينيًا، لكن في الواقع يخضع مالياً وإدارياً لهيئة "ديانت" في أنقرة، وهو ما يثير شبهات متواصلة حول استقلاليته.
عام 2016 تفجرت فضيحة بعد الكشف عن تورط عدد من أئمة "ديتيب" في التجسس على معارضين أتراك وتسليم معلومات للأجهزة الأمنية التركية. لاحقاً أكدت وزارة داخلية ولاية شمال الراين ـ وستفاليا عام 2020 أنّ الاتحاد "لا يُسهم فقط في تشكيل الرأي العام لصالح الحكومة التركية، بل يقدّم كذلك عدداً من المخبرين والمبلغين المحتملين للاستخبارات التركية".
هذا الارتباط بين "ديتيب" وأنقرة يجعل المساجد ساحة لتوظيف الدين في السياسة، وهو ما يفتح الباب أمام تقاطعات مع الإخوان الذين يبحثون عن مظلة شرعية واسعة تمنحهم نفوذاً وتأثيراً. وبحسب دراسة المركز الأوروبي، فإنّ أيّ انفتاح أكبر لمساجد "ديتيب" على خطاب الإخوان قد يعني بروز تيار إسلاموي واسع داخل ألمانيا وأوروبا، يتجاوز الجماعة نفسها ليشكّل حاضنة شاملة للفكر المتشدد.
الموقف من غزة... خطاب إنساني بواجهة سياسية
شكّلت حرب غزة الأخيرة اختباراً لمواقف "ديتيب"، ففي بياناته الرسمية شدد الاتحاد على الجانب الإنساني ودعا إلى وقف إطلاق النار ورفع المعاناة عن المدنيين، لكنّه لم يذهب بعيداً في إدانة حركة حماس أو تبنّي موقف متوازن. هذا الحذر أثار انتقادات في الإعلام الألماني، الذي رأى فيه محاولة لتمرير خطاب قريب من الإخوان بواجهة إنسانية.
ويذهب محللون إلى أنّ هذا النمط من المواقف يعكس استراتيجية أوسع للإسلام السياسي في أوروبا، حيث يُستخدم الخطاب الإنساني والدعوة للتعايش كأدوات لتمرير مواقف سياسية منحازة، وبذلك يتحول المسجد من فضاء ديني إلى منصة للخطاب الإيديولوجي المغلف بقيم عامة.
أزمة الاندماج وتنامي الانعزال
الخطر الأكبر، وفق الخبراء، لا يكمن في العمليات الإرهابية، بل في الأثر بعيد المدى على مشروع الاندماج في ألمانيا. فبدلاً من أن تكون المساجد فضاءات لتعزيز الانفتاح، تُستخدم في بعض الحالات لترسيخ عزلة الهوية الدينية وإعادة إنتاج خطاب "نحن" في مقابل "هم".
شكّلت حرب غزة الأخيرة اختباراً لمواقف "ديتيب"، ففي بياناته الرسمية شدد الاتحاد على الجانب الإنساني ودعا إلى وقف إطلاق النار ورفع المعاناة عن المدنيين، لكنّه لم يذهب بعيداً في إدانة حركة حماس أو تبنّي موقف متوازن
ويشير ستوكهامر، بحسب ما أورده المركز الأوروبي، إلى أنّ هناك "مجموعة متنامية من المتطرفين النشطين تسعى إلى التسلل إلى المجتمع الأوروبي"، موضحاً أنّ هذه المجموعة لا تنمو فقط عبر الدعوة إلى العنف، بل عبر "العقلية والخطاب" الذي يشرعن الانفصال. النتيجة أنّ المسلمين الشباب في ألمانيا قد يجدون أنفسهم محاصرين بين خطاب رسمي يدعو إلى الاندماج، وخطاب ديني يسحبهم إلى الانعزال.
هذا التناقض يخلق بيئة خصبة للتطرف الناعم الذي لا يُظهر وجهه العنيف إلا في مراحل لاحقة، لكنّه يزرع بذور الشك والرفض في المجتمع.
معضلة السياسة الألمانية
الحل الذي يطرحه خبراء الأمن واضح: فصل "ديتيب" عن "ديانت" التركية هيكلياً ومالياً وبشرياً، لكنّ هذا الخيار، رغم وجاهته، يواجه عقبة كبرى تتعلق باتفاقية اللاجئين بين برلين وأنقرة. فالحكومة الألمانية تعتمد على التعاون مع تركيا لضبط تدفق المهاجرين، وهو ما يجعلها مترددة في اتخاذ خطوات قد تُغضب أنقرة.
وبينما ترى بعض الأصوات السياسية أنّ الأمن القومي يجب أن يتقدم على أيّ حسابات أخرى، تظل الحكومة مترددة، وهو ما يمنح الإخوان فرصة ذهبية لتعزيز وجودهم تحت المظلة التركية. ويرى المركز الأوروبي أنّ هذا التساهل "قد يؤدي إلى شرعنة الفكر الإخواني داخل المؤسسات الإسلامية، بما يمثل تهديداً طويل الأمد لأمن أوروبا".
المشهد الألماني اليوم يعكس معضلة أوروبية أوسع: كيف يمكن مواجهة التمدد الصامت للإسلام السياسي الذي لا يأتي عبر السلاح بل عبر الخطاب والشرعنة؟ فالإخوان في ألمانيا ليسوا مجرد تنظيم سرّي، بل شبكة واسعة من الجمعيات والمراكز والمساجد، بعضها يرتبط بمؤسسات رسمية تركية، ممّا يمنحهم حمايةً وتأثيراً غير مسبوق.
وبينما يبقى الإرهاب المباشر تهديداً قائماً، فإنّ الخطر الحقيقي يكمن في تحول خطاب الإخوان إلى تيار سائد بين الجاليات، بما يقوّض مشروع الاندماج ويعيد إنتاج الانقسام. ويبقى السؤال مطروحاً: هل تمتلك برلين الإرادة السياسية لفصل الدين عن النفوذ الأجنبي ووقف تمدد الإخوان، أم أنّ الحسابات الدبلوماسية ستجعلها تؤجل المواجهة حتى يفوت الأوان؟

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)