الإخوان.. عندما حاربنا التنظيم وتركنا الفكرة

الإخوان.. عندما حاربنا التنظيم وتركنا الفكرة

الإخوان.. عندما حاربنا التنظيم وتركنا الفكرة


17/08/2026

هاني سالم مسهور

في صيف 2013 بدا أن القاهرة تطوي صفحة عمرها خمسة وثمانون عاماً، سقط حكم الإخوان المسلمين، وتفككت القيادة، وأغلقت المقرات، وفرّت شخصيات إلى الخارج، وترسخ اعتقاد بأن الجماعة التي ولدت في مصر ستنتهي عندما تفقد مركزها التاريخي، كان التقدير منطقياً، لكنه لم يفهم طبيعة الكائن الذي أسسه حسن البنا عام 1928 وانتقل في العام التالي 1929 إلى شبه الجزيرة العربية عبر شمال اليمن، فقد سقط حكم الإخوان، ولم تسقط الإخوانية، خسر التنظيم قصر الاتحادية، لكنه احتفظ بفكرة تستطيع السفر من دون جواز، والاختباء من دون مقر، والتمويل من أكثر من خزينة، والعودة كلما وجدت دولة ضعيفة أو مجتمعاً مرتبكاً أو سياسة تخشى مواجهة التابوهات.

وهنا كان الخطأ الأول، تعاملنا مع الإخوان كحزب يمكن تصفيته، مع أن حسن البنا أنشأ منظومة تتداخل فيها الدعوة بالسياسة، والاقتصاد بالعمل الاجتماعي، والتنظيم بالعقيدة، ثم جاء سيد قطب ليمنح أجزاء من الإسلام السياسي لغة أكثر صداماً في الحاكمية والجاهلية والنظر إلى الدولة والمجتمع، ومع مرور العقود خرجت الأفكار من جدران الجماعة، وأصبحت الإخوانية أوسع من بطاقة العضوية نفسها.

حتى الانشقاقات التي ضربت رأس التنظيم الدولي لم تقتله، تنازعت قيادات مرتبطة بإسطنبول وأخرى في لندن على الشرعية والتمثيل والموارد، وبدا للحظة أن الرأس الذي نجا من ضربة القاهرة سيفترس نفسه، لكن الذي حدث كان أكثر إثارة للتأمل  فلقد تشقق الرأس وبقي الجسد حياً، تعلمت الأطراف أن تعمل باستقلال أكبر، وأن تحصل على المال والنفوذ من بيئاتها المحلية، وأن تتحول الجماعة تدريجياً من هرم تنظيمي إلى أرخبيل من الشبكات.

وهذا يفسر لماذا لا تكفي مراقبة أموال التنظيم الدولي لمعرفة حجم قوته؟، في اليمن والسودان مثلاً لا تحتاج القوى الإسلاموية إلى انتظار حوالة مالية من لندن أو إسطنبول عندما تستطيع بناء مصالح داخل الاقتصاد المحلي، والنفوذ إلى مؤسسات الدولة، وإدارة شبكات اجتماعية وتجارية وإعلامية، والارتباط بتشكيلات مسلحة، في اليمن تحديداً صنعت سنوات الحرب اقتصاداً للقوة لا تقاس فيه الأحزاب بعدد مقاعدها البرلمانية، وإنما بما تملكه من رجال وسلاح وموارد ونفوذ قبلي ومؤسسي عبر حزب التجمع اليمني للإصلاح وعندما تتباهى سلطات وقوى محلية بأعداد ضخمة من المقاتلين، فنحن أمام واقع يتجاوز الحزب السياسي إلى مجتمع عسكري قادر على حماية الأيديولوجيا بالسلاح.

أما السودان فقد منح الإسلاميين ثلاثة عقود كاملة للنفاذ إلى مفاصل الدولة،  سقط عمر البشير  لكن ثلاثين عاماً من بناء الشبكات لا تسقط في صباح واحد،  الحرب السودانية أعادت إلى السطح أسئلة نفوذ الإسلاميين وشبكات النظام السابق، وكشفت حقيقة قديمة إسقاط رأس النظام أسهل كثيراً من إخراج الأيديولوجيا من المؤسسات التي سكنت فيها طويلاً.

الخطأ كان في مواجهة التنظيم كحزب بينما الأفكار التي زرعها البنا وقطب تحولت إلى شبكات اجتماعية واقتصادية وعسكرية تتجاوز العضوية وتعيد إنتاج النفوذ

لطالما كان الإيرانيون أحد المستفيدين من جماعة الإخوان المسلمين، فالتقاطع الأيديولوجي بين الطرفين نسج علاقات أعمق مما توحي به الفوارق المذهبية،  ويكفي أن نشير إلى أن عدداً من قيادات تنظيم القاعدة وأفراد أسرهم أقاموا في إيران في مراحل مختلفة، ضمن علاقات تراوحت بين الاحتجاز والإقامة المقيدة. أما فكرياً، فقد وصلت أدبيات سيد قطب مبكراً إلى إيران، وترجم علي خامنئي بعض أعماله إلى الفارسية، لتتلاقى أفكار الإسلام السياسي السني والثوري الإيراني في مساحة مشتركة تتقدم فيها الأيديولوجيا على حدود المذهب والدولة الوطنية.

استفادت إيران والتنظيم الدولي لجماعة الإخوان من رجيع القوميين العرب المهزومين والمنكسرين وضموهم إلى رجيع الصحوة الإسلامية، القضية الفلسطينية المادة التي منها يتم إنتاج المظلوميات وشدّ العصب الديني والسياسي، الإيرانيون تخادموا مع جماعة التنظيم ولا ينكر أخدهم ذلك، في الوثائق التي تركها بن لادن في مخبأه داخل باكستان وجدت الكثير من حقائق ارتباط تنظيم القاعدة مع إيران، ويكفي النظر إلى علاقة حماس الإخوانية مع الحرس الثوري الإيراني.

لهذا علينا أن ننظر إلى الخارطة من باب المندب هذه المرة، لا من القاهرة وحدها، على الضفة الآسيوية يقف الحوثيون، أكثر وكلاء إيران وضوحاً في جنوب الجزيرة العربية، ومعهم واقع يمني تتزاحم داخله جماعات أيديولوجية وقبلية ومسلحة، إضافة إلى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وعلى الضفة الأفريقية تتحرك حركة الشباب المرتبطة بالقاعدة داخل الصومال، بينما تتنازع القرن الأفريقي دول هشة وشبكات مسلحة ومصالح إقليمية ودولية، لا يعني ذلك أن الحوثيين والإخوان والقاعدة وحركة الشباب تنظيم واحد، ولا أنهم يجلسون في غرفة عمليات مشتركة، بعضهم قاتل بعضاً، لكن الحصيلة الجيوسياسية أخطر من العلاقات التنظيمية  فجنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي أصبحا محاطين بأحزمة من الفاعلين الأيديولوجيين والمسلحين، وهي البيئة التي تجيد إيران الاستثمار فيها.

طهران لا تحتاج إلى امتلاك الجميع، تحتاج إلى الفراغات، تحتاج دول ضعيفة هنا وهناك، وجماعة مسلحة هناك، وميناء مضطرباً، وممراً بحرياً قابلاً للابتزاز، وهوية أيديولوجية تتقدم على الهوية الوطنية، عندها تتحول الجغرافيا إلى سلاح، ويصبح البحر الأحمر امتداداً لمعادلة بدأت إيران ببنائها منذ عقود من الخليج العربي إلى المتوسط، ثم راحت تتمدد جنوباً نحو باب المندب.

وجاء السابع من أكتوبر 2023 ليكشف هذه التشابكات أمام العالم، حماس، التي خرجت تاريخياً من رحم الإخوان المسلمين الفلسطينيين ثم بنت تنظيمها وقرارها وتحالفاتها الخاصة، حصلت طوال سنوات على دعم إيراني معلن، وبعد هجوم السابع من أكتوبر تحركت ساحات أخرى  حزب الله، الحوثيون، وفصائل عراقية وسورية، تحولت غزة من حرب فلسطينية إسرائيلية إلى لحظة كشفت قدرة الأيديولوجيات والشبكات المسلحة على وصل جغرافيات متباعدة.

المخطط كان الانقلاب على قطار التطبيع بعد أن كاد القطار أن يمر على المحطة السعودية الإسرائيلية، كانت نقطة فاصلة كشفت التخادمات وأسقطت الأقنعة، وهنا ينبغي العودة إلى السؤال الذي نخشى طرحه، جهيمان العتيبي وأسامة بن لادن والظواهري والزرقاوي والملا عمر والبغدادي  لم يكونوا تنظيماً واحداً، ولم ينحدروا جميعاً من مدرسة تنظيمية واحدة، لكن منتجات الإسلام السياسي المتطرف التي ظهرت من اقتحام المسجد الحرام عام 1979 لم تصبح أقل بعد أربعة عقود، تغيرت الأسماء، وتبدلت الرايات، وانتقلت الدعاية من شريط الكاسيت إلى الهواتف المحمولة، قتل بن لادن، وقُتل الزرقاوي، وسقطت دولة داعش المكانية، وأُخرج الإخوان من الحكم في مصر، ومع ذلك بقي المصنع الفكري قادراً على الإنتاج.

المعركة الحقيقية ليست أمنية فقط بل فكرية ودينية تتطلب شجاعة في تجديد الخطاب وكسر التابوهات واستعادة الدولة من الأيديولوجيا التي تحاول احتكار المقدس

وهذه هي المسألة التي أخطأت السياسات العربية في التعامل معها، لقد حاربنا التنظيم وتركنا الفكرة، أغلقنا المقر ولم نسأل من أين جاء العضو الجديد، جمدنا الحساب ولم نسأل من أين ستأتي الخزينة التالية، طاردنا القيادات، ثم خفنا من مراجعة الخطاب الديني الذي استخدمته الجماعات لمنح مشروعها السياسي حصانة المقدس، كانت التابوهات أقوى من شجاعة المراجعة، وكان الاسترضاء أسهل من المواجهة الفكرية.

الاسترضاء لا يهزم الأيديولوجيا، وإنما يمنحها الوقت، جماعة تأسست قبل قرابة قرن لا تقيس عمرها بدورة انتخابية، تستطيع الانتظار، وتغيير اللغة، ونقل المركز، وإعادة تسمية المؤسسات، والدخول من العمل الخيري عندما تغلق السياسة أبوابها، ومن الإعلام عندما تضيق الجغرافيا، ومن السلاح عندما تنهار الدولة.

لذلك لم تعد المواجهة مع الإخوان قضية أمنية وحدها، إنها معركة لاستعادة الدين من التنظيم، والمواطن من الجماعة، والدولة من الأيديولوجيا، وهذا يتطلب شجاعة في تجديد الخطاب الديني، وإعادة بناء التعليم، وفتح الموروث السياسي للنقد، وكسر التابو الذي يجعل نقد حسن البنا أو سيد قطب وكأنه نقد للإسلام، فالإسلام أقدم وأعظم من التنظيمات التي حاولت احتكار الحديث باسمه.

لقد أمضينا سنوات نحارب الإخطبوط ونحن نعد أذرعه، وكان الأجدر أن نسأل عن الماء الذي يعيش فيه، في 2013 سقط الإخوان من السلطة في القاهرة، وبعدها تشقق رأس التنظيم بين إسطنبول ولندن، لكن الإخوانية واصلت البحث عن المال والسلاح والمنبر والجغرافيا، ومن اليمن والسودان إلى غزة، ومن باب المندب إلى القرن الأفريقي، تظهر الحقيقة أكثر قسوة  وهي يمكن هزيمة التنظيم، ويمكن قتل قياداته، ويمكن أن ينقسم رأسه إلى رؤوس، لكن الفكرة ستعود باسم آخر ما دامت السياسات تخشى مواجهة المصنع الذي ينتجها.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية