
في شوارع دمشق التي تستعيد هدوءها الهش بعد أعوام الحرب، لم يمرّ تصريح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ومستشاره نهاية شهر آب (أغسطس) الماضي حول الإخوان المسلمين مرور الكرام. فالرجل الذي صعد إلى قمة السلطة عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الجماعة المدرجة في قوائم الإرهاب في الكثير من الدول، بعدما أعلن بوضوح أنّه "ليس امتدادًا لأيّ تنظيم إسلامي، ولا للإخوان المسلمين، ولا حتى للربيع العربي". كلمات قليلة، لكنّها كانت كافية لتشعل واحدة من أكثر الحملات الإعلامية سخونة في تاريخ سوريا الحديث.
القصة بدأت قبل ذلك بأسابيع، فبحسب مصادر مطلعة نقلت عنهم (فرانس برس)، تقدمت جماعة الإخوان بطلب رسمي لإعادة فتح مكاتبها داخل سوريا، بعد أكثر من (4) عقود من العمل في المنفى تحت سيف قانون (49) لعام 1980 الذي يُجرّم عضويتهم بالإعدام. لكنّ الرد من قصر الرئاسة جاء قاطعًا: "لا مكان لكم في المشهد السياسي السوري الجديد". كان هذا الرفض بمثابة الشرارة التي أطلقت حملة منظمة عبر منصات الجماعة وشبكاتها الإعلامية في الخارج، استهدفت الشرع وحكومته الانتقالية.
الشرع، القادم من خلفية جهادية ثم تحوّل إلى زعامة سياسية، بدا عازمًا على القطيعة مع كل ما يذكّر بالماضي. خطابه أمام وفد إعلامي عربي بدمشق نقلته (العربية)، لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر، بل رسالة مركّبة للداخل والخارج: سوريا الجديدة لن تكون حاضنة للإسلام السياسي ولا امتدادًا لتجارب إيديولوجية أنهكت المنطقة.
مستشاره الإعلامي أحمد موفق زيدان كتب في موقع قناة (الجزيرة) ما يعزز هذا التوجه، داعيًا صراحة إلى حلّ جماعة الإخوان باعتباره "خيارًا استراتيجيًا يصبّ في مصلحة الدولة السورية الوليدة".
لكنّ الجماعة لم تستسلم، فمراقبها العام عامر البوسلامة سارع إلى تبنّي خطاب علني هادئ، يلمّح إلى البراغماتية أكثر من المواجهة. بياناته أشادت برفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، وعبّرت عن امتنان للسعودية "لدورها الإيجابي" في هذا التحول، في محاولة لتقديم صورة مختلفة: جماعة تريد التهدئة وتبحث عن شرعية داخلية عبر خطاب مطمئن. غير أنّ هذه الرسائل، وإن بدت تصالحية، لم تغيّر قناعة الشرع وحكومته بأنّ عودة الإخوان إلى العلن تمثل تهديدًا طويل الأمد لا يمكن السماح به.
من منظور إقليمي تبدو الصورة أوضح، عواصم عربية مؤثرة لم تُخفِ تحفظاتها على الجماعة، ورأت أنّ أيّ انفتاح عليها في سوريا الجديدة سيكون بمثابة "قبلة حياة" لمشروع الإسلام السياسي. والمفارقة أنّ النظام الجديد، الذي خرج من رحم "هيئة تحرير الشام" الجهادية السابقة، وجد قبولًا ضمنيًا من هذه العواصم، بينما وُضعت جماعة الإخوان في خانة الإقصاء. المنطق السائد هنا هو أنّ الجماعات الجهادية يمكن احتواؤها أمنيًا، أمّا الإخوان فيمثلون تهديدًا أعمق بحكم تنظيمهم العابر للحدود، وقدرتهم على إعادة إنتاج أنفسهم سياسياً، وفق المركز العربي لدراسات التطرف.
الداخل السوري لا يقلّ تعقيداً، فحكومة الشرع الانتقالية، التي وُلدت في آذار (مارس) 2025 بتركيبة متعددة شكليًا، اختارت نهجًا مركزيًا يقوم على تفكيك الفصائل، وضبط المجال العام، وتأجيل أيّ انفتاح حزبي واسع. هذا الخيار الأمني قد يمنحها الاستقرار على المدى القريب، لكنّه يضيّق الخناق على القوى الإسلامية المنافسة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان.
تقارير ميدانية سابقة وثّقت تشدد هيئة تحرير الشام ـ قبل سقوط النظام ـ مع احتجاجات في إدلب، وهو ما عزّز لدى الجماعة قناعة بأنّ الفضاء العام في سوريا الجديدة لن يكون مفتوحًا أمامها.
المشهد إذن مرشّح لسيناريوهات عدة؛ الأوّل، أن تسمح الحكومة بنشاط محدود للإخوان تحت غطاء أهلي أو دعوي غير حزبي، مقابل التزامهم العلني بنبذ العنف واحترام احتكار الدولة للسلاح. أمّا الثاني، فهو استمرار الإقصاء الكامل، وحرمانهم من أيّ ترخيص حزبي، مع تكريس مركزية السلطة لـ (5) أعوام انتقالية على الأقل. أمّا السيناريوم الثالث، فهو بقاء الجماعة خارج الإطار القانوني، مع تصعيد الحملات الإعلامية والحقوقية ضد الحكومة، في مواجهة مفتوحة عنوانها "الصراع على الشرعية الإسلامية".
في كل الأحوال، تبدو العلاقة بين أحمد الشرع وجماعة الإخوان أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى تفاهم استراتيجي. الرجل، الذي يفاوض اليوم على ملفات كبرى مثل مستقبل الجولان والعلاقات مع إسرائيل، لا يريد أن تُختزل دولته الوليدة في سجال مع تنظيم إسلامي مثير للجدل، لكنّه في الوقت نفسه يدرك أنّ تجاهل الإخوان نهائيًا قد يدفعهم للانتظار، في الظل، لحظة إقليمية أو داخلية تسمح بعودتهم.
وبين خطاب الشرع الذي يرسم ملامح "سوريا جديدة" خالية من الإيديولوجيات العابرة للحدود، وخطاب الإخوان الذي يحاول التكيّف مع الواقع من دون أن يخفي طموحه السياسي، يقف المشهد السوري على عتبة معركة مؤجلة قد تعيد صياغة موقع الإسلام السياسي في المشرق كله.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)