الإخوان المسلمون.. من الأمة الواحدة إلى مرحلة تفكك منظم

الإخوان المسلمون.. من الأمة الواحدة إلى مرحلة تفكك منظم

الإخوان المسلمون.. من الأمة الواحدة إلى مرحلة تفكك منظم


29/06/2025

إنجي مجدي

يكشف الجدل بين فروع جماعة "الإخوان المسلمين" حول دعم إيران في صراعها مع إسرائيل عن عمق الانقسام داخل التنظيم الدولي الذي بات عاجزاً عن ضبط مواقفه القطرية المتباينة. بينما دعمت "جبهة لندن" بقيادة صلاح عبدالحق إيران باسم "وحدة الأمة الإسلامية"، رفض "إخوان سوريا" ذلك واعتبروه اصطفافاً مع "طرف إجرامي". وهذا الخلاف يعكس تآكل مفهوم "التنظيم الدولي" لمصلحة الانتماءات المحلية، وفشلاً ممتداً في إدارة التجارب السياسية. ومع تصاعد صراع الأجنحة وانكماش الدعم من الدول الحاضنة، يبدو أن فكرة "وحدة الأمة" لم تعد سوى شعار أجوف ينهار تحت وطأة المصالح والسياقات المحلية.

واحد من الأمور اللافتة التي بدت في المنطقة وسط أسراب الصواريخ المتبادلة بين إيران وإسرائيل، خلاف نشب على الهامش وتمثل في بيانيين أثارا كثيراً من علامات الاستفهام حول واقع التنظيم الدولي لجماعة "الإخوان المسلمين" بعد سلسلة من الهزائم السياسية التي مني بها على مدى العقد الماضي وامتدت حتى العقد الحالي. 

ففي بيان بعنوان "رسالة إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية"، أعربت جماعة "الإخوان" في مصر بقيادة صلاح عبدالحق القائم بأعمال المرشد العام للجماعة أو ما يسمى "جبهة لندن"، عن دعمها ومساندتها لإيران في مواجهة "العدوان الإسرائيلي الغاشم"، وأكد البيان على وحدة الأمة الإسلامية، قائلاً "إننا أمة واحدة، بالمعنى الديني والروحي والحضاري والجيوسياسي على حد سواء". لكن يبدو أن البيان أثار حفيظة "إخوان سوريا" بقيادة المراقب العام عامر البو سلامة، التي سرعان ما أصدرت بياناً تبرأت خلاله مما جاء في بيان الجماعة الأم. وذكر بيان فرع جماعة "الإخوان المسلمين" في سوريا، المنشور على حساباتها في مواقع التواصل، أنها غير معنية بأية مواقف تصدر عن قيادات أو جهات أخرى تحمل اسم "الإخوان المسلمين"، ووصفت الطرفين المتحاربين بـ"طرفي الإجرام" اللذين دمّرا دول المنطقة وهجّرا الملايين. 

وبيانا "الإخوان" اللذان يعكسان انقساماً متزايداً يدبّ داخل التنظيم الدولي خلال الأعوام الأخيرة، يدفعان إلى مزيد من التساؤلات حول واقع الجماعة الأم لحركات الإسلام السياسي التي تأسست في مصر عام 1928 وتحولت إلى تنظيم دولي تمتد فروعه إلى عشرات الدول حول العالم سواء عبر الوجود السياسي المعلن أو التخفي في كيانات خيرية، ومدى تأثير المصالح القومية والتجارب المحلية في وحدة التنظيم ووحدة موقفه، وعما إذا كانت فكرة وحدة العالم الإسلامي تآكلت أمام الانتماءات المحلية والخلافات القطرية.

إطار عام 

يتفق المراقبون الذين تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" على أن تنظيم جماعة "الإخوان" وإن نشأ كجماعة محلية في مصر، إلا أنه بتمدده دولياً لم يعُد طيفاً واحداً، وأصبح التنظيم الدولي يعمل كآلية تنظم أعمال الأقطار والقطاعات. وفي مقالة تعود لعام 2010، سرد أستاذ السياسة بجامعة جورج تاون والمتخصص في دراسة الجماعات الإسلامية الذي التقى على مدى العقدين الماضيين بقيادات من جماعة "الإخوان المسلمين" وحركات إسلامية من دول مختلفة في المنطقة ناثان براون، قصة ربما تعكس ما لم يعِه كثرٌ حول طبيعة التنظيم الدولي لـ"الإخوان".

فيقول براون إنه بعد فترة من انتخاب محمد بديع "مرشداً عاماً" لجماعة "الإخوان المسلمين" في مصر وللتنظيم الدولي لـ"الإخوان"، وهي عملية مثيرة للجدل وغير معتادة في علانيتها، "كنت أتناول الغداء مع بعض قادة حركة مستلهمة من الإخوان في دولة عربية أخرى. سألني أحدهم بالإنجليزية، ’ناثان، ما رأيك في ما يحدث في الإخوان في مصر؟‘ وقبل أن أتمكن من الرد، سأل قائد آخر زميله بالعربية، ’من هو المرشد العام الجديد؟‘، ولم يستطِع أي منهما التذكر، فتدخلت وذكرت اسم بديع. لم يلحظ أحدهما ذلك في البداية، فأعدت ذكره. عندها، رد أحدهما للآخر بصورة مبهمة، ’نعم، أعتقد بأن اسمه محمد شيء ما‘".

وألمح براون إلى أنه كثيراً ما كان هناك ضجر بين الأقطار الأخرى للجماعة من فكرة سيطرة الجناح المصري على قيادة التنظيم، فكثيراً ما كان المرشد العام مصرياً، ويقول إنه في حين أن معظم الأعضاء يقبلون بدور "الحركة الأم" القيادي، إلا أن كثراً يرون أن القادة المصريين يهتمون بالشؤون المصرية أكثر من الدولية.

وأوضح الباحثان في شؤون الحركات الإسلامية أحمد سلطان وماهر فرغلي أن التنظيم الدولي الذي ينحدر منه مجلس شورى عالمي وتسعة قطاعات، تتبعه مجموعة من فروع الجماعة في الأقطار المختلفة، لا يتدخل في السياسة القطرية، لكنه يضع سياسات عامة ويترك حرية تحديد السياسات الداخلية التفصيلية للأقطار. وهذه الفكرة تفسر وصف براون للتنظيم الدولي لـ"الإخوان المسلمين" كإطار لمجموعة من الحركات الأيديولوجية المتشابهة المرتبطة بصورة فضفاضة التي تتعرف إلى بعضها بعضاً، وتتبادل القصص والخبرات خلال اجتماعات عرضية، وتعتنق بكل سرور أيديولوجيا دولية رسمية من دون أن توليها أولوية كبيرة.

لا دور فاعل للتنظيم الدولي

 ويقلل براون من أهمية التنظيم الدولي لأنه لم يفعل وربما لا يستطيع أن يفعل كثيراً. ففي المناسبات القليلة التي طُلب منه التدخل لحل قضايا تنظيمية صعبة، لم يستجِب بكفاءة أو سرعة. فمثلاً، عام 1989، حدث خلاف بين أعضاء "الإخوان" في الأردن حول قبولهم دعوة إلى الانضمام للحكومة، فحاولوا رفع المسألة للتنظيم الدولي، لكن الرد جاء متأخراً جداً وغامضاً، إذ إنه لم يحسم المسألة. وعام 2007، سعى خالد مشعل لجعل حركة "حماس" عضواً منفصلاً في التنظيم الدولي، مما أثار صراعاً تنظيمياً معقداً داخل التنظيم الأردني، إذ استوعبت "حماس" فعلياً "الإخوان" الفلسطينيين الذين كانوا يرتبطون رسمياً في نظر التنظيم الدولي بالفرع الأردني، ولا تزال بعض الروابط الباقية قائمة بين "حماس" و"إخوان الأردن" نتيجة لذلك. وكانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسة حول وضع الأعضاء الفلسطينيين والأردنيين في الخليج وهم مصدر مهم للأموال، وكذلك مجموعة كانت ترسل ممثلين إلى هيئات قيادة التنظيم الأردني، مما جعل الكفة تميل لمصلحة الفلسطينيين. وبعد ثلاثة أعوام، لم تُحل هذه القضايا بالكامل.

ربما هذا الهيكل التنظيمي الفضفاض زاد تفتت التنظيم أو عدم تماسكه أمام كثير من التحديات خلال الأعوام الـ15 الماضية، عقب فشل تجاربه في الحكم في مصر وتونس والمغرب والسودان وحتى حظره في الأردن في وقت سابق من العام الحالي بعدما ثبت تورط خلية تابعة لجماعة "الإخوان المسلمين" في تصنيع صواريخ بأدوات محلية ومستوردة من الخارج وحيازة مواد متفجرة وأسلحة نارية بهدف المساس بالأمن الوطني وإثارة الفوضى، وكانت للصراع السنّي- الشيعي المتصاعد منذ عام 2011 آثاره على سياسات الفروع، تحديداً في سوريا،  مما حدد موقف "إخوان سوريا" تجاه الحرب الإيرانية- الإسرائيلية. 

حسابات قطرية وسياق مجتمعي

ويرى أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية لدى مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية عمرو الشوبكي أن الخلاف بين "إخوان مصر" وإخوان سوريا يعكس إلى حد كبير ما يمكن وصفه "بنهاية فكرة التنظيم الدولي" لـ"الإخوان المسلمين". فخلال الأعوام الأخيرة، أصبحت كل جماعة تُدار وفق حساباتها القطرية الضيقة، المرتبطة بسياقها المجتمعي والسياسي المحلي. ومنذ زمن، لم يعُد من الممكن الحديث عن تنظيم دولي يشبه ذلك الذي كان موجوداً خلال السبعينيات أو الثمانينيات.

اندبندنت عربية




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية