استقالة مفاجئة تكشف أزمة الإخوان في اليمن

استقالة مفاجئة تكشف أزمة الإخوان في اليمن

استقالة مفاجئة تكشف أزمة الإخوان في اليمن


29/09/2025

أعلن القيادي الإخواني البارز، زايد هادي هضبان، استقالته النهائية وانسحابه الشامل من حزب "التجمع اليمني للإصلاح"، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في صفوفه، وذلك في خطوة لافتة اعتبرها مراقبون مؤشراً جديداً على تصاعد الخلافات الداخلية والتناقضات البنيوية التي تعصف بالحزب.

القرار الذي نشرته صحيفة (الأمناء) اليمنية، مثّل بحسب مراقبين تحولاً نوعياً في مسار العلاقة بين شخصيات إخوانية بارزة والتنظيم، حيث لم تقتصر استقالة هضبان على الجانب التنظيمي أو السياسي فحسب، بل جاءت بصيغة إعلان براءة من مجمل الممارسات التي اتهم الحزب بالانحراف إليها منذ سنوات، بعيداً عن شعاراته المعلنة وأهدافه التي طالما رُوّج لها.

خلفية القرار

زايد هادي هضبان ليس شخصية عابرة في حزب الإصلاح، فهو من أبناء التنظيم الذين تدرجوا داخله منذ العام 1996، وشارك في كافة المحطات السياسية والعسكرية التي خاضها الحزب، وهو ما يجعله شاهداً مباشراً على تحولات مساره خلال العقود الثلاثة الماضية. ووفقاً لما جاء في بيانه، فإنّ دوافع الاستقالة تعود إلى التناقض الصارخ بين الشعارات المرفوعة والأفعال على الأرض، وهو تناقض رآه مستمراً ومتفاقماً على نحو لم يعد بالإمكان القبول به.

وأكد هضبان أنّ الحزب انحرف عن المبادئ الأساسية التي كان يرفعها، مثل الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحوّل إلى كيان يستغل الدين لتحقيق أهداف تنظيمية ضيقة ومصالح مرتبطة بالنفوذ، على حساب المصلحة الوطنية العامة.

القيادي المستقيل اتهم حزب الإصلاح بشكل صريح بقمع الحريات، ومصادرة حقوق الأفراد، واستخدام سلطته التنظيمية والسياسية كوسيلة لتحقيق مصالح خاصة مرتبطة بقياداته، بعيداً عن تطلعات الشارع اليمني. وأشار إلى أنّ الحزب تخلى تدريجياً عن شعاراته الأولى التي رُوّجت عند التأسيس، وبات يمارس سياسات تتناقض مع تلك الشعارات، لافتاً إلى أنّ هذه الممارسات لا تمتّ بصلة لمصالح الوطن أو هموم المواطنين.

وأوضح هضبان أنّه توصّل إلى قراره بعد تجربة طويلة عاشها من الداخل، واطلع خلالها على آليات عمل التنظيم وخططه، ورأى كيف يتم استخدام الشعارات الدينية كوسيلة للتعبئة واستقطاب الأنصار، فيما تكون القرارات النهائية موجهة لخدمة مصالح محدودة.

وفي بيانه، أبدى هضبان إدراكه لردّ فعل الحزب المتوقع، مؤكداً أنّه يتوقع أن يشنّ حزب الإصلاح حملة منظمة لتشويه سمعته، واتهامه بالخيانة أو الانقلاب على تاريخه التنظيمي، إلا أنّه أصرّ على المضي في قراره، معلناً براءته الكاملة من الحزب ومن جماعة الإخوان المسلمين ومن كافة ممارساتهم.

هذه النقطة تحديداً تعكس خبرة هضبان في قراءة أساليب التنظيم، فقد أكد أنّ التشويه والاتهام من الأدوات المعتادة التي تلجأ إليها الجماعة لمواجهة أيّ انشقاقات أو مواقف معارضة من داخلها.

استقالة تكشف الأزمة الداخلية

خطوة هضبان ليست الأولى في تاريخ الانشقاقات عن التجمع اليمني للإصلاح، لكنّها تأتي في توقيت حساس يشهد فيه الحزب حالة من الارتباك على وقع المتغيرات السياسية والعسكرية في اليمن. ويرى محللون أنّ مغادرة شخصية بارزة قضت أكثر من ثلاثة عقود داخل الحزب تمثل دلالة واضحة على عمق الأزمة التي تعاني منها البنية الداخلية للتنظيم.

فالاستقالة لا تُعبّر فقط عن موقف شخصي، بل تكشف أيضاً عن حجم التصدع الداخلي الذي يتزايد بفعل التناقضات بين الشعارات والممارسات، إضافة إلى الخلافات حول إدارة الملفات السياسية والعسكرية.

ويرى مراقبون أنّ إعلان هضبان براءته من حزب الإصلاح سيترك تداعيات على المستويين السياسي والاجتماعي، نظراً لمكانته داخل الحزب. فمن جهة، سيعزز هذا الموقف صورة الحزب كتنظيم يواجه نزيفاً داخلياً من القيادات التي لم تعد قادرة على التعايش مع ممارساته. ومن جهة أخرى، فإنّه يفتح الباب أمام شخصيات أخرى لإعادة التفكير في موقعها داخل الحزب، وربما اتخاذ خطوات مشابهة.

أمّا على المستوى الاجتماعي، فإنّ استقالة شخصية محسوبة على حزب الإصلاح منذ أكثر من ربع قرن، ستثير تساؤلات واسعة بين أنصاره ومؤيديه حول جدوى الاستمرار في دعم تنظيم يُتهم من داخله بتقويض الحريات والسعي وراء مصالح ضيقة.

ولا يمكن قراءة استقالة هضبان بعيداً عن المشهد الإقليمي، فتنظيم الإخوان المسلمين يواجه منذ سنوات سلسلة من الانتكاسات في عدد من الدول العربية، سواء عبر قرارات الحظر أو المواجهات السياسية والقانونية أو حتى الانشقاقات الداخلية. وفي اليمن انعكست هذه الأزمات على حزب الإصلاح، الذي حاول الحفاظ على موقعه في خريطة التحالفات المتغيرة، لكنّه ظل عرضة لانتقادات حادة من قوى سياسية وشعبية مختلفة.

قرار هضبان، بحسب محللين، يأتي في هذا السياق كجزء من موجة أوسع من التراجع في نفوذ الجماعة، ويكشف عن أزمة داخلية لا تقتصر على اليمن وحده، بل ترتبط بالمسار الكلي للجماعة في المنطقة.

بيان هضبان حمل دلالات واضحة، إذ لم يكن مجرد إعلان انسحاب تنظيمي، بل جاء في صيغة تبرّؤ، وهي صيغة ذات أثر سياسي ومعنوي كبير. فهو لم يكتفِ بالانسحاب، بل أوضح أنّه يرفض كل ما يمثله الحزب حالياً، وهو ما يشكّل رسالة قوية للرأي العام بأنّ الأزمة داخل التنظيم بلغت مستوى لا يمكن التعايش معه أو تبريره.

كما أنّ البيان اتسم بالصراحة المباشرة في توجيه الاتهامات، بدءاً من قمع الحريات وصولاً إلى استغلال الدين، وهو ما يجعله وثيقة سياسية يمكن أن تُستخدم مستقبلاً في النقاشات حول مسار الحزب وتاريخه.

ردود الفعل المحتملة

يثير هذا القرار تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الحزب وأعضائه، خصوصاً أولئك الذين يشغلون مواقع متوسطة أو قيادية ولديهم تحفظات على طريقة الإدارة. فهل ستدفع استقالة هضبان آخرين إلى السير على خطاه، أم أنّ الحزب سيتمكن من احتواء تداعياتها عبر الحملات الإعلامية التقليدية؟

الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بقدرة حزب "الإصلاح" على إدارة أزماته الداخلية، لكنّ المعطيات الحالية تشير إلى أنّ النزيف مرشح للاستمرار، خاصة في ظل غياب أيّ مراجعات جادة أو إصلاحات داخلية حقيقية.

حتى لحظة إعلان الاستقالة، لم يصدر عن الحزب ردّ رسمي مباشر، لكنّ التوقعات تشير إلى أنّ البيانات الإعلامية والهجمات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ستكون الخطوة الأولى في التعامل مع الموقف. فمن المعروف أنّ التنظيم يعتمد على آليات التعبئة الإعلامية لتشويه الخصوم أو المنشقين، وهو ما أشار إليه هضبان نفسه في بيانه.

لكن في المقابل، فإنّ أيّ رد فعل متسرع قد يعزز من صورة الحزب كتنظيم مغلق يرفض النقد، ممّا قد يؤدي إلى مزيد من فقدان المصداقية لدى قواعده.

استقالة زايد هادي هضبان من التجمع اليمني للإصلاح بعد ثلاثة عقود من العمل داخله تكشف عن أزمة عميقة يعاني منها الحزب على المستويين الداخلي والخارجي. فهي ليست استقالة فردية فحسب، بل هي مؤشر على مسار متصاعد من الانقسامات والانشقاقات التي تعكس فشل التنظيم في التوفيق بين شعاراته وممارساته.

وبينما يصرّ هضبان على المضي في طريقه بعيداً عن الحزب، مدركاً لحملات التشويه التي قد تطاله، فإنّ قراره سيبقى نقطة مرجعية في النقاش حول مستقبل حزب الإصلاح ودوره في الساحة اليمنية. فالحزب الذي طالما قدّم نفسه كصوت للشعب، يواجه اليوم اتهامات مباشرة من أحد أبرز أبنائه، وهو ما يضعه أمام تحديات كبرى تتعلق بقدرته على البقاء والتأثير في المشهد السياسي.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية