استراتيجية الإخوان لاستقطاب "جيل Z"

استراتيجية الإخوان لاستقطاب "جيل Z"

استراتيجية الإخوان لاستقطاب "جيل Z"


29/12/2025

 

في مساء بارد، داخل مجتمع افتراضي على تطبيق "ديسكورد"، اجتمع عدد من الشباب المتقاربين في العمر، من جنسيات مختلفة. كانوا يلتقون منذ أسابيع، وامتدّ حوارهم ساعات طويلة، تنقّل بين الفن والثقافة والرياضة والعقائد. لم يسأل أحدٌ عن الانتماءات، ولا عن الهويات، ولا عن الخلفيات الدينية أو السياسية. كان حوارًا عاريًا من الشعارات الحزبية، خاليًا من الهتافات، ومشحونًا فقط بالأسئلة: عن الظلم، وغياب العدالة الاجتماعية، ومأساة فلسطين، والعنصرية التي تنخر العالم، والبحث القَلِق عن معنى للحياة.

دار النقاش صوتًا وصورةً، أمّا الكتابة فقد كانت غارقة في الرموز التعبيرية، كأنّها لغة الجيل الجديدة. وفي قلب هذا الحوار المتشعّب تسلّل صوتٌ هادئ؛ لغته حداثية، نبرته غاضبة لكن محسوبة. كان "حسام" الشاب الإخواني المكلّف بالتسلل إلى الغرفة، لا ليُعلن التنظيم، بل ليزرع أفكاره.

لم يذكر حسام "الإخوان" صراحة، ولم يتحدّث عن التنظيم، لكنّه كان يعيد إنتاج سرديتهم، ويُسرّبها في ثنايا الحديث دون أن يشعر الحاضرون. من هنا بدأت حكاية الإخوان مع "جيل Z".

استقطاب "جيل Z": تكتيك بقاء

في مكان آخر، وقبل هذا المشهد بـ (6) أشهر، جلس ثلاثة من قيادات التنظيم الدولي، ومعهم أحد القيادات الوسطى، سنطلق عليه مجازًا اسم "أسامة". طبيبٌ غادر مصر عقب فضّ رابعة، ورغم أنّه في عقده الرابع، ما يزال يرى نفسه ممثلًا لـ "الشباب" وصوتهم لدى القيادة التاريخية.

سأله أكبرهم سنًا، ولتكن كنيته "أبو خالد"، وهو يلوّح بملفٍ ورقي مفتوح أمامه: ـ أنا لا أفهم ماذا تريد تحديدًا؟

أجابه أسامة، وهو يضغط على الحروف وينطقها ببطء متعمّد: ـ أريد الإذن ببدء التحرك وسط الشباب المصري والعربي، المعروفين بـ "جيل Z وألفا". أريد تمويلًا، وحريةً كاملة في اختيار لجان العمل التي تتناسب مع طبيعة المهمة.

تدخّل قيادي آخر، سنسمّيه "محمود"، بنبرةٍ عملية: ـ لدينا لجان إلكترونية تعمل بكفاءة، ويديرها المركز الإعلامي، فما الجديد الذي تطرحه؟

ردّ أسامة بنفاد صبر: ـ لا أريد لجانًا إلكترونية، أريد التسلل إلى غرف الدردشة الشبابية، على تطبيقات الألعاب والمنصات المفتوحة. ليس بهدف ضم عناصر، بل لتوجيه الرأي. هذا الجيل له خصائص مختلفة، ويمكن استغلالها لصالحنا. هنا تدخّل "الحاج البحيري"، أكثر القادة صمتًا ومراقبة، وسأل بهدوء: ـ وما هذه الخصائص؟ وكيف نستفيد منها؟

أجابه أسامة: ـ هم لا يبحثون عن العضوية، بل عن الموقف، ونحن سنمنحهم بدلًا من ذلك الغضب. لا يريدون قائدًا، بل منصة تجمعهم، وسنصنعها لهم. لا يثقون في الإعلام التقليدي ولا يستمعون إليه، ونحن سنوفر لهم عددًا من المواد الإعلامية "الخفيفة": محتوى مميز، ومقاطع "ريلز" لا تتجاوز ثلاثين ثانية، عن قضايا تناسبهم. دون كلمة واحدة عن الإخوان، ودون دعوة إلى الانضمام، ودون أيّ اقتباس لسيد قطب أو غيره من رموز التنظيم.

قاطعه محمود: ـ والهدف النهائي؟

أجاب أسامة دون تردد: ـ نحن نمرّ بمرحلة انصراف مجتمعي ورفض واسع للإخوان. نحتاج إلى خلق تيارٍ عريض لا يحمل اسمنا، لكنّه يتحرك داخل المجال نفسه. تيار يتبنّى الدفاع عن "المظلومين". وعلى المدى البعيد، وبعد أن يظن أنّه يتحرك بدافع إنساني خالص، سيجد نفسه مجبرًا على الدفاع عن الإخوان، باعتبارهم "ضحايا"، وباعتبار ما جرى في رابعة "مذبحة".

وأضاف: ـ هذا الجيل صدامي، يرفض الوصاية، سنوجّهه للصدام مع الدولة، ولنزع الشرعية عن أيّ نظام خارج تصوّراته. سنصنع منهم تيارًا عنوانه الغضب. هم غاضبون من السلطة، ومن الغرب، ومن النخب، ومن المؤسسات التقليدية، وحتى من الأسرة والأبوين، غضبٌ بلا حلول.

سأله أبو خالد: ـ ولماذا لن تكون لديهم حلول؟ أجابه أسامة بهدوءٍ حاسم: ـ لأننا سنكون نحن الحل.

استراتيجية الإخوان لاختراق فكر "جيل Z وألفا"

المشهدان السابقان ليسا من وحي الخيال، بل يعكسان واقعًا حقيقيًا تتحرك فيه جماعة الإخوان. فالجماعة لم تتخلَّ عن أفكارها الرئيسية، لكنّها غيّرت طريقة عملها. شمل التغيير الأدوات والوسائل واللغة والمسارات، بينما ظلّت متمسكة بالبنية الفكرية الصلبة التي قامت عليها منذ نشأتها. وبعد الاجتماع المشار إليه اعتمد الإخوان خطةً استراتيجية لاختراق تجمعات "جيل Z وألفا"، تقوم على المحاور التالية:

الفضاء الرقمي كبديل للتنظيم: لم يعد التنظيم بحاجة إلى مقر أو هيكل هرمي واضح، بل لمنصات مثل: (تيك توك، إنستغرام، تيليغرام، ديسكورد) لتقوم بمهمة ضخّ محتوى قصير وصادم ويثير الأسئلة أكثر ممّا يقدم إجابات، ويترك الشاب في حالة شك وغضب دائمين، دون أن يدفعه نحو مسار معرفي واضح.

واجهات غير مُصنَّفة: الخطاب لا يصدر من حسابات تحمل اسم الجماعة أو شعاراتها، بل عبر ناشطين مستقلين ومؤثرين صغار، وصفحات حقوقية أو إعلامية، كثيرون منهم قد لا يكونون أعضاء تنظيميًا بالمعنى التقليدي، لكنّهم يتحركون داخل الحقل الفكري ذاته، ويعيدون إنتاج سردية الإخوان ذاتها دون وعي كامل أحيانًا.

القضايا العابرة للحدود: تُستخدم القضية الفلسطينية، وقضايا اللاجئين، والإسلاموفوبيا، والمناخ، وحقوق الأقليات كنقاط دخول أولية، ثم يجري ربط هذه الملفات بسردية أوسع عن النظام العالمي الظالم والدولة القمعية، بما يؤدي تدريجيًا إلى نزع الثقة من أيّ بديل مدني أو إصلاحي داخل الدولة الوطنية.

شيطنة الدولة دون طرح بديل: الخطاب الموجّه لا يقدّم مشروعًا سياسيًا أو اجتماعيًا متكاملًا، بل يكتفي بالهدم فكلّ الأنظمة فاشلة، وكلّ المؤسسات فاسدة، وكلّ النخب خائنة. وهي بيئة مثالية لتغذية الغضب والعدمية السياسية، دون تحمّل أيّ مسؤولية عن تقديم حلول واقعية.

استثمار في الغضب لا في المستقبل: ما تقوم به جماعة الإخوان مع "جيل Z" ليس بناء تنظيم جديد، بل الاستثمار في حالة الرفض والغضب، الهدف ليس التجنيد وتربية الكوادر، بل حاضنة اجتماعية رقمية تشكك في الدولة وترفض البدائل، وتبقى دائمًا في حالة سيولة وغضب، إنّه رهان على الفوضى لا على التغيير المنظم.

اختراق "جيل Z" محاولة بائسة للبقاء

لا تمثل هذه الاستراتيجية تجديدًا فكريًا بقدر ما تعكس محاولة بائسة للبقاء عبر تغيير الأقنعة لا القناعات، هذه المحاولة تمنح الجماعة هامش حركة بشكل مؤقت، لكنّها لا تعيد الجماعة إلى الحياة، فالتنظيم يواجه أزمة وجود غير مسبوقة من ملاحقة أمنية وقانونية، وتصنيف الجماعة بأفرعها كمنظمة إرهابية، وقد أدت الأزمة إلى تآكل قواعد الجماعة التقليدية، وانكشاف شبكاتها في أكثر من ساحة، ومحاولاتها لاستقطاب "جيل Z وألفا" لا تأتي من اقتناع بقيمهم أو برؤيتهم للعالم، بل من منطلق انتهازي بحت، فالإخوان لا يسعون إلى إقناعهم بمشروع واضح، بل إلى إبقائهم في حالة غضب دائم، منفصل عن أيّ أفق إصلاحي حقيقي، فالجماعة أصبحت تستثمر في السخط، وتغذي العدمية، لتهدم لديهم الثقة في الدولة والمجتمع دون تقديم بديل قابل للتطبيق، ورغم كل جهود الجماعة فإنّها لم تنجح إلا في خلق ضجيج رقمي واسع، وربما في مقال تالٍ نكشف لماذا فشلت في اختراق "جيل Z" من المصريين.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية