إيران وقطر والقاعدة في وثائق بن لادن

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
2135
عدد القراءات

2017-11-11

أفرجت المخابرات الأمريكية مؤخراً عن أكثر من 470 وثيقة من الأرشيف الذي تمّ ضبطه في منزل عمدة القاعدة -كما تسميه إيران- بالباكستان، يتضمن كثير منها جوانب شخصية لبن لادن، إلا أنّ الأهم فيها كان تحت ثلاثة عناوين: علاقة القاعدة مع إيران ومع قطر ومع الإخوان المسلمين، والتي تؤكد الوثائق أنّها سبقت 11 سبتمبر، في إطار خيوط سرية، ربما لم يكن يطلع عليها إلا بن لادن نفسه وعدد محدود من الدائرة الضيقة المحيطة به.

ومن الواضح أنّ مرحلة تعزيز العلاقة بين القاعدة وإيران كانت بعد عام 2001 إثر الدخول الأمريكي لأفغانستان ولاحقاً للعراق عام 2003 وعلى مستويات رفيعة بين بن لادن والمرشد الأعلى علي خامنئي، في إطار القاسم المشترك بين الجانبين باستهداف أمريكا، وصفقات تتضمن استثناء القاعدة للمراقد الشيعية المقدسة بالعراق، مقابل تأمين الدعم اللوجستي لكوادر القاعدة الذين هربوا من أفغانستان إلى إيران، فيما لا توضح الوثائق الجهة التي كان يتواصل معها بن لادن في قطر، رغم أنّها طرحت بالمجمل عناوين ملفتة للنظر (دراسة من 19 صفحة حول الروابط بين القاعدة وإيران أعدها أحد أعوان بن لادن، حزب الله عرض تدريب عناصر من القاعدة في معسكراته والجزيرة الناطق الإعلامي للقاعدة).

عمليّاً تكمن قيمة الوثائق الأمريكية الجديدة، كونها قدّمت أدلة جديدة على العلاقة بين القاعدة وإيران، وهي علاقة كان لدى الأمريكان ما يؤكدها قبل تلك الوثائق؛ حيث أكدت محكمة فدرالية في نيويورك في نيسان عام 2016 تورط 6 شخصيات وجهات بتقديم دعم مادي ولوجيستي لمنفذي هجمات11 سبتمبر عام 2001، بينهم المرشد الإيراني علي خامنئي، ووزير المخابرات علي فلاحيان، ونائب قائد الحرس الثوري، العميد محمد باقر ذو القدر، وعماد مغنية، أحد قادة "حزب الله" اللبناني.

كشف الوثائق الجديدة يأتي في سياق تقديم الأدلة على اتهام إيران بالمسؤولية عن الإرهاب في المنطقة وزعزعة الاستقرار

إن السياقات التي أعقبت 11 سبتمبر والتطورات التي شهدتها أفغانستان والعراق تؤكد في إطار التحليل العلاقة بين إيران والقاعدة، رغم التناقض المذهبي بين الجانبين؛ إذ تم صياغة هذه العلاقة في إطار براغماتية الطرفين، فالقاعدة أرادت الانتقام من الأمريكان فيما تدرك إيران أنّها الهدف التالي بعد العراق، إذا ما نجحت أمريكا فيه، لذا كانت الإستراتيجية الإيرانية تقوم على استنزاف أمريكا بالعراق في ظل مقاربة إيرانية تصف أمريكا حينها بـ "النمر الجريح" فكان دعم القاعدة بالأسلحة والمتفجرات الإيرانية، بموازاة فتح معابر سرية للقاعدة من إيران ومن سوريا (أبدى رئيس وزراء العراق نوري المالكي احتجاجات على تسهيلات سورية بإدخال الجهاديين للعراق)، بالإضافة للشكوك حول آليات انتشار القاعدة (داعش لاحقاً في العراق وسوريا) وتحديداً انسحابات قطاعات من الجيشين؛ العراقي والسوري، وترك أسلحتهما لداعش، والاتفاقات بين داعش والقاعدة مع حزب الله في لبنان وسوريا.
هناك الكثير من التساؤلات التي تطرحها الوثائق الأمريكية الجديدة، من حيث مضامينها التي أكدت الكثير من الحقائق التي كانت معروفة في أوساط محدودة، غير أنّ أبرز تلك التساؤلات التي يمكن طرحها حول توقيت الإعلان عن هذه الوثائق، وتقديرنا أنّها جاءت في السياقات التالية:
أولا: نهج إدارة ترامب، والقائم على معاكسة سياسات الإدارة السابقة بقيادة الرئيس أوباما؛ حيث يأتي الإعلان عن هذه الوثائق في إطار توجيه اتهامات لإدارة أوباما بحجب تلك المعلومات في إطار تواطؤ مع إيران لإنجاز الاتفاق النووي، وربما تواطؤ مع القاعدة وداعش.
ثانيا: موقف ترامب والجمهوريين المعارض للاتفاق النووي مع إيران، والذي كان أحد أبرز عناوين برنامج ترامب الانتخابي، والإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد الاتفاق مؤخراً .

تؤسس الوثائق لفصل جديد في حروب المنطقة عنوانه إيران وأدواتها من جهة، وأمريكا وحلفاؤها من جهة أخرى، وتحذير من عودة القاعدة على أنقاض داعش

ثالثا: كشْف الوثائق الجديدة يأتي في سياق تقديم الأدلة على اتهام إيران بالمسؤولية عن الإرهاب في المنطقة وزعزعة الاستقرار، كما أعلن ترامب ذلك في قمم الرياض أواخر أيار (مايو) الماضي؛ حيث حددت تلك القمم أهداف التحالف الأمريكي الجديد بالإرهاب وإيران، ويبدو أنّ الوثائق تأتي كإعلان أمريكي بوضع ملف طهران من زاوية علاقاتها بالإرهاب على الطاولة، خاصة وأنّها تتزامن من جدالات حول الاتفاق النووي وإلغائه أو إعادة النظر فيه، والمنظومة الصاروخية لإيران، والعقوبات الجديدة على الحرس الثوري الإيراني وعلى حزب الله اللبناني.
رابعا: يؤشر الإعلان عن الوثائق في هذا التوقيت بالتزامن مع نهاية داعش بعد فقدانها عاصمتيها في الموصل العراقية والرقة السورية، إلى أنّ أبرز سيناريوهات ما بعد داعش وهو سيناريو عودة غالبية كوادر داعش إلى تنظيم القاعدة الأم، إلى جانب سيناريوهات أخرى، فهل ستكون القاعدة بحلّتها الجديدة أداة قطرية إيرانية؟
خامسا: إن السجالات بين قطر وخصومها الأربع حول اتهامات دعمها للإرهاب، والذي مر بمرحلتين؛ الأولى حالة إنكار والمطالبة بإثباتات، والاعتراف لاحقاً بأن كل تلك العلاقات كانت بتنسيق مع أمريكا وأنها لا تقتصر على قطر وحدها؛ بل تشمل دولاً أخرى من خصومها الجدد، ستأخذ منحى جديداً، ربما يسهم في تنازلات واعترافات قطرية تسهل إمكانية الوصول إلى حلول لأزمتها مع جيرانها، خاصة وأن بن لادن يشير إلى قطر والجزيرة ولشخصية رمزية إخوانية وهو الدكتور يوسف القرضاوي.
وبالخلاصة تؤسس الوثائق لفصل جديد في حروب المنطقة عنوانه إيران وأدواتها من جهة وأمريكا وحلفاؤها من جهة أخرى، وتحذير من عودة القاعدة على أنقاض داعش.

اقرأ المزيد...

الوسوم: