إيران على دروب الحرير الصينية

إيران على دروب الحرير الصينية

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
19/10/2021

ترجمة: مدني قصري

لا يمكن فصل طرق الحرير التاريخية عن بلاد فارس، حيث كان ماركو بولو يعتقد أنّه اكتشف قبر الحكماء الثلاثة في مدينة سابا، حالياً ساوه في جنوب غرب طهران. ومع ذلك، فإنّ الصورة الأولى لهذه الشرايين التجارية ليست صورة قوافل بقدر ما هي صورة قطارات مستأجَرة من الصين نحو أوروبا، متعرجة عبر آسيا الوسطى.

تتكون "طرق الحرير الجديدة" الصينية، التي يطلَق عليها رسمياً مبادرة حزام وطريق (Belt and Road Initiative, BRI)) من قبل بكين، من مجموعة من الروابط البحرية والسكك الحديدية إلى جانب الاستثمارات المالية بشكل أساسي، مما يجعل من الممكن ربط الصين بأوروبا لتسهيل التجارة الثنائية.

منذ إطلاقها رسمياً، عام 2013، تجاوزت المبادرة إطارها الأولي، لتشمل عدداً متزايداً من البلدان، بما في ذلك أفريقيا والشرق الأوسط، وفي البداية تم تكريس المشروع للبنية التحتية، لكنّه الآن يمتدّ إلى قطاعات أخرى؛ فالحديث الآن يدور حول "طريق الحرير الرقمي"، و"طريق الحرير المبتكر"، و"طريق الحرير الأخضر"، ...إلخ، إذ تسمح الخطة العامة، فيما وراء البعد التجاري، بتعزيز القوة الناعمة والوزن الجيوسياسي، والتأثير الصيني، لا سيما المالي أو التكنولوجي، في الخارج.

تسعى مبادرة الحزام والطريق إلى خلق ظروف تنموية إقليمية جديدة تأمل إيران، التي خابت آمالها مع أوروبا غرباً، ومع شركاء قلائل في الجنوب، أن تستفيد من المبادرة تجارياً

تمثل طرق الحرير الجديدة، قبل كلّ شيء روابط بحرية، مع استثمارات كبيرة في الموانئ الإستراتيجية، لنقل البضائع الصينية إلى السوق الأوروبية، والأسواق الوسيطة، كما أنّها تمثل القنوات التي تستورد الصين من خلالها المواد الخام والمنتجات الأخرى التي تحتاجها لمواصلة تطورها. في هذا السياق، تمثّل إيران أهمية محدودة، باستثناء ميناء تشابهار، في أقصى جنوب شرق البلاد، والذي أقيم بشكل مثالي في خليج عُمان، وهو ممرّ مهمّ لعبور الهيدروكربونات من الدول المنتجة للنفط، من الخليج إلى الأسواق الخارجية.

إقرأ أيضاً: النووي الإيراني: كم مرة على المفاوضات أن تُستأنف حتى يحدث انفراج؟

ومع ذلك، هناك بعض الاستثمارات التقليدية لمبادرة الحزام والطريق في مجال الطرق والسكك الحديدية، ويُعدّ تحديث خط طهران - مشهد ، ثاني أكبر مدينة إيرانية، الواقعة في الشمال الشرقي، الدليل الأكثر وضوحاً على ذلك؛ فالأمر يتعلق،  قبل كلّ شيء، باستثمارات مهمّة في الأبعاد الأخرى لمبادرة الحزام والطريق: مثل طريق الحرير الرقمي "Digital Silk Road"، وهو مشروع نشر شبكة الاتصالات  جيل الخامس المستقبلي "5G"، وتجديد طريق الحرير بالشراكة مع الأكاديمية الصينية للعلوم، وطريق الحرير الأخضر "Green Silk Road" مع مشاريع محطات الطاقة الشمسية عبر شركات صينية مملوكة للدولة ، ...إلخ.

شراكة 25 عاماً

وبناء على ذلك؛ فإنّ أهم الاستثمارات الصينية تحتلّ مكانها خارج الإطار الرسمي لمبادرة الحزام والطريق، وفي هذا الصدد، فإنّ الشراكة الإستراتيجية التي مدتها 25 عاماً، والموقّعة في آذار (مارس) 2021 في طهران، بعد سنوات من المفاوضات، لا تتيح سوى إطار شكلي لاستثمارات أكبر شريك تجاري لإيران. الأرقام التي نشرتها الصحافة هي مجرد تكهنات حول إمكانات الاتفاقية، دون معرفة ما إذا كانت المشاريع التي سيتم الإعلان عنها ناتجة عن هذه الاتفاقية، أم أنّها مجرد استكمال للاستثمارات التي تمّ البدء فيها بالفعل، وهذا الإعلان له أهمية دبلوماسية أكثر منه أهمية اقتصادية للإدارة الأمريكية الجديدة؛ فهو يُظهر أنّ إيران لديها شركاء اقتصاديون جادون كبدائل عن الغرب.

ومع ذلك، لا ينبغي أنّ ينسينا البُعد الصغير لمبادرة الحزام والطريق بالنسبة إلى إيران أنّ البلاد أصبحت الآن جزءاً من التنمية الإقليمية الأوروبية الآسيوية، بعيداً جداً عن الصين، والتي ترغب في الاستفادة منها، وأن تكون لاعباً نشطاً فيها، هذا البعد في السياسة الخارجية الموجه نحو أوراسيا ليس جديداً، لكنّه اكتسب زخماً مع إنشاء مبادرة الحزام والطريق. وهكذا نجد الخطوة المهمّة الأولى، عام 2013، وهو عام إطلاق طرق الحرير الجديدة، عندما استضافت كازاخستان محادثات حول الطاقة النووية الإيرانية. وعام 2014، بدأت مشاريع السكك الحديدية بين إيران وتركمانستان وكازاخستان، وعام 2016 وصل أوّل قطار شحن مباشرة من الصين في غضون أربعة عشر يوماً فقط، ثمّ نلاحظ تسارعاً عام 2018، صدور معاهدة بحر قزوين التي ظلت معلقة حتى ذلك الحين، ثمّ مع جولة دبلوماسية إيرانية كبرى في آسيا الوسطى، عام 2021، والتي تلاها الإعلان عن طلب الانضمام كعضو في الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي (EAEU)، وهي هيئة تعاون تجمع روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان.

إقرأ أيضاً: إيران: فصل جديد من الصراع الداخلي الأبدي

جاء هذا الاهتمام الدبلوماسي المتجدد في الحدود الشمالية موازياً لاستثمارات في البنية التحتية من قبل لاعبين آخرين غير الصين، ويمثل مشروع الممرّ التجاري بين الشمال والجنوب (الهند، إيران، أذربيجان ، روسيا)، ثعباناً بحرياً آخر، ينهض من رماده بفضل الاستثمارات الهندية في ميناء تشابهار الإيراني، ويمكن أن يشكّل هذا أيضاً بديلاً مميزاً للمشروع الأوزبكي، الذي يعمل من أجل الوصول إلى الموانئ الباكستانية عبر أفغانستان، التي شهد وضعها الداخلي للتوّ اضطرابات عميقة، وهو موضوع الذي يثير الكثير من التوقعات - خاصة الأبعاد الأمنية.

تجاوز العقوبات الأمريكية

تظلّ العقوبات الأمريكية الثانوية على إيران والقيود المصرفية التي تولّدها كوابح مهمّة جداً، لكنّها ليست مكابح معوقة للتجارة؛ فالظروف مواتية لنشوء قنوات مالية بديلة لا تقبلها الشركات الأوروبية، مثل بيع كازاخستان للتراخيص المالية، بما في ذلك العملات المشفرة والقطاع المصرفي الأوزبكي القديم المُقبِل الآن على الخصخصة مع توظيف جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (Swift) ونظريتها الروسية، الإعلان عن وصول اليوان الإلكتروني 3 (e-yuan3) ..إلخ، حتى بشكل غير مباشر؛ فإنّ طهران في وضع جيد للاستفادة من طرق حرير جديدة.

الصين تهدف إلى ترسيخ نفسها على المدى الطويل، دون معارضةٍ مباشرة من طرفها تجاه الهيمنة التي تطالب بها الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي

تمثّل كازاخستان خير مثال على ذلك، تُعدّ البلاد أيضاً، باعتبارها أكبر اقتصاد في آسيا الوسطى، شريكاً نشطاً لإيران، لقد أجرت سفارتها في طهران أكثر من خمسين حدثاً، عام 2020، وَحده، من أجل تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية، وهو ما لم تحققه أيّة دولة أوروبية أو حتى عربية، علاوة على ذلك، وهذا جدير بالملاحظة، فالتبادلات التجارية ثنائية حقاً، هناك العديد من الشركات الإيرانية الكبيرة في جميع القطاعات في ألماتي، أكبر مدينة في كازاخستان، وعلى غرار بلدان كثيرة من قبلها، يمكن أن تصبح هذه الدولة مركزاً تجارياً مهمّاً لإيران.

إلى جانب الفرص الاقتصادية البحتة، تسعى الجمهورية الإسلامية إلى تحقيق أهداف عديدة في سياستها المتعلقة بالارتباط بطرق الحرير الجديدة: الانفتاح والتنمية، والسعي لتحقيق الأمان، على سبيل المثال؛ تمنع معاهدة بحر قزوين لعام 2018، أيّ وجود عسكري أجنبي في هذا الفضاء المشترك؛ ففي أثناء فترة ولايته، جمع الرئيس دونالد ترامب بين الضغط الشديد على إيران وعدم الاهتمام شبه التام بآسيا الوسطى، وقد استفادت طهران من هذا الفراغ لتقوية موقفها، والتقدم بنجاح كعضو كامل في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، وهي منظمة أمنية واقتصادية إقليمية مرتبطة بالصين، وبروسيا.

إقرأ أيضاً:  ضوء في نفق المفاوضات النووية مع إيران: عودة أم مماطلة؟

ومع ذلك، تسعى الصين إلى تحقيق أهداف إستراتيجية إقليمية قد تتعارض مع أهداف إيران، ومن ثم فهي تهدف في الخليج إلى الترويج بشكل إيجابي لمبادرة الحزام والطريق BRI، لكن أيضاً لإيجاد أسواق جديدة لاستثماراتها وأعمالها، إنّها أيضاً مسألة تأمين إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز الذي يربط الخليج بخليج عُمان. وأخيراً؛ فهي تهدف إلى ترسيخ نفسها على المدى الطويل، دون معارضةٍ مباشرة من طرفها تجاه الهيمنة التي تطالب بها الولايات المتحدة في هذه المنطقة؛ لذلك فإنّه يتعيّن على الصينيين أن يوازنوا علاقاتهم التجارية مع السعوديين والإيرانيين، وأن يتجنبوا أيّ تصعيد قد يزعج الولايات المتحدة.

النفط الرخيص

تحتاج بكين إلى النفط الرخيص الذي تمنحها إياه إيران، بسبب افتقارها إلى منافذ أخرى الناتج عن العقوبات الأمريكية، وإلى الدعم العربي لطرق الحرير الجديدة، بالتالي، فإنّ بكين سعيدة بقدرتها على مساعدة قوة إقليمية معارضة لمنافستها الأمريكية، دون ارتباطها ارتباطاً وثيقاً بدولة يراها بعض جيرانها في الجنوب دولة منبوذة؛ لذلك فهي تتبنى موقف الانتظار والترقب والتوازن، ومع ذلك، يمكنها أن تتطور في حال انتقال التنافس الصيني الأمريكي شرقاً، وإن تأكّد عدم اهتمام واشنطن النسبي بدول الخليج.

تعدّ إيران لاعباً ثانوياً في خطة التنمية التي أعلنتها بكين، لكنّها تستطيع أن تفكر في جني بعض الفوائد المباشرة، من خلال استضافة الحد الأدنى من الاستثمارات الهيكلية، وهي في الواقع استثمارات إستراتيجية لشريكها الصيني، إضافة إلى ذلك، يمكن لطهران أن تأمل، على المدى الطويل، في أن تصبح لاعباً مهمّاً في منطقة أوراسيا.

تسعى مبادرة الحزام والطريق إلى خلق ظروف تنموية إقليمية جديدة تأمل إيران، التي خابت آمالها مع أوروبا غرباً، ومع شركاء قلائل في الجنوب، أن تستفيد من المبادرة تجارياً.

يجب النظر بحذر إلى تطورات الأشهر القليلة المقبلة؛ ستُعقَد القمة الرباعية الأولى (إيران وأوزبكستان والهند وأفغانستان) حول الاستخدام الشائع لتشابهار، في خريف عام 2021. ويبقى أن نرى ما إذا كان البيان الصحفي سيتبنى الرؤية الهندية للممر شمال- جنوب، وهو شبكة سكة حديد تنقل البضائع الهندية إلى أوروبا عبر الأراضي الإيرانية. وفيما وراء ممارسة النظرة المستقبلية المحفوفة بالمخاطر دائماً هناك شيء واحد مؤكد بالفعل: سيكون للحركة الأساسية الموصوفة أعلاه تأثير في الشرق الأوسط، حيث ستلعب إيران دوراً رئيساً. إنّ النظر إلى الشمال لن يحوّل البلاد عن مكانتها كلاعب رئيس في الجنوب.

مصدر الترجمة عن الفرنسية

orientxxi.info/magazine

https://orientxxi.info/magazine/l-iran-sur-les-routes-chinoises-de-la-soie,5035

الصفحة الرئيسية