إكسبو.. وثقافة التنمية في الإمارات

إكسبو.. وثقافة التنمية في الإمارات

مشاهدة

13/10/2021

وحيد عبدالمجيد

ليس جديداً الربط بين الاقتصاد والثقافة منظوراً إليها من زاوية نسق قيم معين، أو منظومة فكرية محددة. فقد بدأ هذا الربط قبل استخدام مفهوم التنمية الاقتصادية. وعلى سبيل المثال، ربط عالم الاجتماع الألماني المعروف ماكس فيبر بين التطور الاقتصادي الذي حدث في ظل النظام الرأسمالي والقيم الثقافية البروتستانتية. فقد جادل ويبر، في كتابه «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» الصادرةُ طبعتُه الأولى عام 1905، بأن التقدم السريع الذي حققته الرأسمالية يرتبط بعوامل رأى أن من أهمها ثقافة البروتستانتية أو ما سماها الأخلاق التي يتسم بها هذا المذهب، وبصفة خاصة قيمة العمل ومكانتها والنظرة الإيجابية إلى النشاط وبذل الجهد وتحقيق الربح والثراء بوصفهما من عطايا الله، على أن تكون ثمارُها لفائدة الناس.
وظلت العلاقة بين الاقتصاد والثقافة في تطور مستمر منذ ذلك الوقت، وأثارت الكثير من الجدل الأكاديمي والسياسي والإعلامي، وخاصةً حول ما إذا كانت القيم المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية عالميةً لا تختلف كثيراً من مجتمع لآخر، أم محلية تتسم بالخصوصية وبالتالي تتباين حسب الثقافات المختلفة في أنحاء العالم.
غير أن بلوغ عصر العولمة بدءاً من أوائل تسعينيات القرن الماضي دعم الاتجاهَ الذي رأى عالمية القيم المرتبطة بتطور الاقتصاد وتنميته. وهذا هو أهم ما يُميز معرض إكسبو أكثر من معارض ومنتديات عالمية عدة يشارك في كل منها عدد كبير من دول العالم. فقد صار هذا المعرض في العقود الأخيرة المنتدى الأكثر أهميةً على صعيد مد الجسور بين الاقتصاد وأنشطته المتنوعة، والثقافة وقيمها المتعددة.
لكن إكسبو 2020 دبي الحافل بالتواصل وتبادل الخبرات والمعارف الاقتصادية والثقافية منذ الأول من أكتوبر الجاري، يمثل نقلةً جديدةً في دور هذا المعرض العريق، الذي يمتد تاريخه منذ منتصف القرن التاسع عشر. وتعود هذه النقلة إلى دور دولة الإمارات العربية المتحدة التي تحتضن إكسبو 2020، وإسهاماتها المُميزة المتزايدة والمؤثرة إقليمياً وعالمياً على المستويين الاقتصادي والثقافي، وريادتها في مجالات عدة في كل منهما. فقد تبنت، ودعمت، القيمَ الثقافيةَ الأساسيةَ التي صارت لازمةً للتنمية الاقتصادية، وضروريةً لتقدم الدولة والمجتمع عموماً، وليس الاقتصاد وحدَه، وأسهمت في تطوير بعض هذه القيم، ومأسستها سعياً إلى استدامتها، فضلاً عن تفعيلها عبر أنشطة تُنظمها وتفاعلات تُحركها، ومبادرات ترعاها في مجالات شتى.
وصارت دولة الإمارات، والحال هكذا، حاضنةً لهذه القيم التي باتت مرتبطةً بالإنجاز والنجاح والتقدم الاقتصادي الآن أكثر من أي وقت مضى، مثل العقلانية والإيمان بالعلم والتجديد والإبداع والابتكار، والتسامح والتعايش والحوار والتواصل، والثقة والاستدامة.
وعندما نتأمل هذه القيم في السياق العربي، نلاحظ أنها تُمثل منظومةً ثقافيةً متكاملةً تجمع بين أفضل ما في الحداثة وأكثر ما في التراث استنارةً، وتنطوي على عدة منظومات فرعية لكل منها صلتها بالتنمية الاقتصادية في إطار علاقة تأثير وتأثر متبادلة. فالعقلانية والإيمان بالعلم والتجديد والإبداع والابتكار يُعد القاعدة الأساسية لأي بناء يقوم على أساس وطيد، وخاصةً بناء الاقتصاد وتنميته، ونحن نقترب من الثورة الصناعية الخامسة، حيث العقل هو المصدر الرئيس لثروة الأمم والأفراد.
أما قيم التسامح والتعايش والتواصل والحوار فهي التي تفتح الطريق أمام تنمية اقتصادية قابلة للارتقاء باستمرار، من خلال التفاعل الإيجابي مع العالم وتبادل الخبرات والتجارب. وفيما تُعد الثقة المفتاح الرئيس لأي عمل ناجح، وخاصةً في مجال الاقتصاد حيث يرتبط النجاح بالثقة المتبادلة بين الحكومة والشعب، بين المنتجين والمستهلكين، وفي أوساط مختلف فئات المجتمع، يحتاج الحفاظ على هذا النجاح وتعزيزه إلى رؤية بعيدة المدى لاستدامة المنظومة التي تُحققه. وليس هذا إلا بعض ما تقدمه دولة الإمارات من أجل مستقبل أفضل للعالم، ونجد في إكسبو 2020 دبي ما يدل عليه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

الصفحة الرئيسية