إعلام الإخوان واتفاق شرم الشيخ: من تمجيد الدم إلى تخوين السلام

إعلام الإخوان واتفاق شرم الشيخ: من تمجيد الدم إلى تخوين السلام

إعلام الإخوان واتفاق شرم الشيخ: من تمجيد الدم إلى تخوين السلام


21/10/2025

 

في اللحظة التي انشغلت فيها الأنظار العالمية بتوقيع اتفاق تاريخي لوقف الحرب على غزة، كانت جماعة الإخوان المسلمين تسير في الاتجاه المعاكس، مدفوعة بخطاب تحريضي يسعى لتشويه الدور المصري وإفراغ مشهد السلام من معناه.

تحت هذا السياق أصدر (مركز رع للدراسات) دراسة تحليلية جديدة تحت عنوان: "إزاحة الرمزية: كيف انتقل إعلام الإخوان من تمجيد الدم إلى تخوين السلام بعد اتفاق شرم الشيخ؟"، تناولت خطاب الجماعة خلال الأيام التي سبقت وتلت اتفاق شرم الشيخ، لتكشف عن بنية دعائية متماسكة تقوم على إيديولوجيا قديمة تؤمن بأنّ الفوضى شرط البقاء، وأنّ الدم وقود التمويل.

اعتمدت الدراسة على تحليل مضمون القنوات الإخوانية (الشرق، مكملين، وطن، الشعب) خلال أسبوعين حول الاتفاق، لتخلص إلى أنّ الجماعة لم تتعامل مع السلام كمنعطف سياسي، بل كتهديد وجودي لبنيتها الإيديولوجية والمالية معًا.

 

سرديات الدم والتخوين: من المقاومة إلى المزايدة

تؤكد الدراسة أنّ الخطاب الإخواني تجاه اتفاق شرم الشيخ أعاد إنتاج سرديات التنظيم منذ نشأته، إذ قُدّمت الحرب بوصفها "معركة دينية بين الإيمان والكفر"، بينما صُوّر السلام كتنازل وخيانة. ورصدت الدراسة توحّد العناوين في المنصات الإخوانية على نحو يكشف عن توجيه مركزي للرسائل: "اتفاق العار"، "القاهرة تبيع دماء غزة"، "وقف النار بإملاءات ترامب".

هذه السردية، وفق التحليل، لم تكن مجرد تعبير عن موقف سياسي، بل كانت انعكاسًا لرفض إخواني بنيوي لفكرة الدولة الوطنية، إذ ترى الجماعة في أيّ سلام تقوده القاهرة تقويضًا لخطابها التعبوي الذي يعيش على العداء الدائم.

ويوضح تقرير (مركز رع) أنّ الجماعة تستثمر في مفهوم "الدم" باعتباره قيمة أخلاقية عليا تتيح لها إعادة إنتاج شرعيتها أمام أتباعها، بينما يُقدَّم السلام كرمز للهزيمة والانكسار. إنّها عملية "إبدال رمزي" مقصودة: الدم يمنح الشرعية، والسلام يسلبها.

 

الإعلام الإخواني وإزاحة الرمزية: حرب على المعنى

تحليل الخطاب الإخواني في الدراسة كشف ما يُعرف في علم الاتصال بـ "إزاحة الرمزية"، أي قلب دلالات المفاهيم لتفريغها من مضمونها.

فعندما امتدح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المؤتمر الختامي للاتفاق الأمن في مصر قائلًا: "أصبحت واحدة من أكثر الدول أمانًا في الشرق الأوسط"، اشتعلت القنوات الإخوانية بحملات سخرية وتشكيك. في "تحوّل الأمن إلى "زيف"، والاستقرار إلى "قمع"، والسلام إلى "خيانة".

ترى الدراسة أنّ هذا الانفعال الجماعي يعكس مأزقًا أعمق؛ إذ أنّ الإشادة الدولية بمصر تنسف سردية الفوضى التي تعيش عليها الجماعة، وتُضعف قدرتها على إقناع الممولين بأنّها ما زالت فاعلًا قادرًا على تحريك الشارع المصري. ومع كل إشادة دولية تتراجع حجج التنظيم أمام شبكاته في أوروبا، لأنّ "الأمن يجفف مواردهم، والدم ينعشها" على حدّ وصف الدراسة.

 

الفوضى مقابل التمويل: اقتصاد الدعاية الإخوانية

تكشف الدراسة عن صلة مباشرة بين تصعيد الخطاب الإخواني ضد الدولة المصرية وبين موسم جمع التبرعات الذي رافق اتفاق شرم الشيخ، فكلما استقرت مصر، انكمشت موارد التنظيم، وكلما صعّد من خطاب التشويه، عادت القنوات التمويلية إلى التدفق.

وتحت شعارات "دعم المقاومة" و"الإغاثة العاجلة لغزة"، أطلقت المنصات الإخوانية حملات تبرعات متزامنة مع الاتفاق، متجاهلة غياب أيّ شفافية حول حجم الأموال أو مصارفها.

وقد رصدت الدراسة وجود مسارين للتمويل: 

سرّي، عبر شبكات التنظيم في أوروبا وعناصره في الخارج.

علني، عبر جمعيات إخوانية تعمل تحت غطاء العمل الخيري.

لكنّ المفارقة الكبرى التي أبرزتها الدراسة هي أنّ الخطاب الإعلامي الذي يهاجم الدولة المصرية بوصفها "فاقدة للسيادة" هو ذاته الذي يقدّمها للمانحين الغربيين كدولة "عاجزة تحتاج إلى إصلاح سياسي"، لتبرير استمرار التمويل.

إنّها مفارقة براغماتية لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن البقاء المالي والسياسي.

 

التناقض كأداة: ازدواجية الصورة الإخوانية

رأت دراسة (مركز رع) أنّ الجماعة قدّمت مصر في صورتين متناقضتين عمدًا، فهي "عميلة تشارك في حصار غزة" عند مخاطبة الجمهور العربي المتعاطف مع القضية الفلسطينية، و"وسيط ضعيف لا يملك قراره" عند مخاطبة الغرب.

يصف التحليل هذا التناقض بأنّه "تكتيك وظيفي" يسمح للجماعة بتكييف خطابها تبعًا للجمهور المستهدف، مع الحفاظ على الثابت الوحيد: تشويه الدولة المصرية وإضعافها معنويًا أمام الداخل والخارج.

هذا الازدواج الخطابي، بحسب الدراسة، يعكس جوهر الإيديولوجيا الإخوانية التي لا ترى في الوطن سوى أداة لتثبيت التنظيم، ولا تتورع عن تغيير موقعها الأخلاقي والسياسي وفق مقتضيات المصلحة.

أدوات الخطاب: استعارة الدم وتكرار المظلومية

اعتمدت الدراسة التحليل اللغوي والنصي لمحتوى البرامج الحوارية الإخوانية، لتحدد ثلاث آليات مركزية في بناء خطاب الجماعة:

ـ الاستعارة الدموية: تصوير الاتفاق بوصفه استمرارًا "لنزيف الدم"، واستخدام مشاهد الجثث وصور الأطفال في خلفيات البرامج لإثارة العاطفة وتثبيت شعور الذنب لدى المتلقي.

ـ التكرار العاطفي: ترديد جمل قصيرة موحية بالخيانة مثل "باعوا الدم"، "خانوا المقاومة"، لبناء وعي تراكمي سلبي تجاه مصر.

ـ الاستبدال الرمزي: تحويل النقاش من مسألة سياسية إلى خطاب عن "انعدام الأمن" داخل مصر، بهدف إحياء صورة الفوضى، وإعادة إنتاج مظلومية التنظيم.

وترى الدراسة أنّ هذه الأدوات تنتمي إلى مدرسة "التحريض العاطفي"، حيث يتم تغليف الإيديولوجيا بالوجدان لتجنب النقاش العقلاني، فيتحوّل الإعلام الإخواني إلى منصة للانفعال الجمعي لا للحوار.

 

الواقع يفند الدعاية

على الجانب الآخر، تشير الدراسة إلى أنّ الرد المصري لم يكن خطابًا، بل واقعًا. فبينما كانت المنصات الإخوانية تصف مصر بأنّها "مرتع خوف"، كانت شرم الشيخ تستقبل الوفود الدولية، والموانئ المصرية تُفتح أمام قوافل المساعدات لغزة.

هذا التناقض بين الصورة والدليل الميداني أفقد الإعلام الإخواني صدقيته حتى بين بعض أنصاره، الذين بدؤوا يدركون أنّ الجماعة تسوّق "أوهام الفوضى" في مواجهة "حقائق الاستقرار".

وتخلص الدراسة إلى أنّ فقدان المصداقية الإعلامية هو أحد أهم مظاهر تراجع النفوذ الإخواني في الأعوام الأخيرة، إذ أصبح تأثير خطابها محدودًا في نطاق المغتربين والمتعاطفين التقليديين.

 

سقوط أسطورة "الدم يمنح الشرعية"

في خاتمة الدراسة، يشير (مركز رع) إلى أنّ اتفاق شرم الشيخ مثّل نقطة تحوّل رمزية في صراع الجماعة مع الدولة المصرية، إذ سقطت للمرة الأولى أسطورة "الدم يمنح الشرعية". فبينما كانت الجماعة تراهن على استمرار الصراع كوسيلة لتجديد حضورها، جاء السلام ليكشف هشاشة بنيتها الفكرية والمالية.

اليوم، لم تعد الجماعة تواجه الدولة فقط، بل تواجه خطابًا دوليًا يعترف بمصر كركيزة استقرار في الإقليم، وهو ما يهدد نموذج الجماعة القائم على استثمار الأزمات.

وتختم الدراسة بقولها: إنّ "السلام يجفف موارد الإخوان كما تجفف الحرب لغتهم"، وإنّ المعركة الحقيقية باتت بين وعي قادر على التمييز وبين خطاب يعيش على التضليل.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية