إستراتيجية واعدة لهيئة الثقافة في السعودية تتواصل مع نبض العالم

السعودية

إستراتيجية واعدة لهيئة الثقافة في السعودية تتواصل مع نبض العالم

مشاهدة

01/04/2019

تسعى الإستراتيجية الثقافية التي أطلقتها وزارة الثقافة السعودية، الأسبوع الماضي، إلى التواصل مع نبض العالم، وتمكين المنتسبين للمجال الثقافي من ممارسة إبداعاتهم، وتوفير منتج ثقافي مميز يساعد على رفع مستوى جودة الحياة في جميع مناطق المملكة.

يمثل استئناف التعبيرات الثقافية في فنون الغناء والسينما والمسرح وغيرها وفق الإستراتيجية الجديدة لوزارة الثقافة في المملكة تحدياً جديداً

وجرى إطلاق الإستراتيجية في حفل كبير نقلته قناة (mbc)؛ حيث خلصت الوزارة للوصول إلى أفضل نظام لتطوير قطاع الثقافة بما يحقق أهدافها ويجعل من الثقافة أسلوب حياة ورافداً مهماً في الاقتصاد الوطني.
احتوت الإستراتيجية رؤية وتوجهات الوزارة لابتكار مبادرات متنوعة تغطي جميع اتجاهات النشاط الثقافي، وتشتمل على دعم كيانات وقطاعات ثقافية. ويأتي ذلك بعد تكوين هيئة عليا للثقافة، وبعد أن شهدت المملكة وما زالت تغييرات متعددة  ارتبط كثير منها برؤية المملكة 2030 وبرنامج التحول الوطني. لكن ارتباط تلك المتغيرات سيعكس بالضرورة تحديات كثيرة ربما كان أهمها؛ النظرة المجتمعية للكثير من قضايا الثقافة عبر منظار الصحوة الذي حكم رؤية كثيرين في المجتمع السعودي وبرز تياراً عاماً فيه.

محفزات التحدي
محفزات التحدي التي ترفع سقف التغيير عالياً، لاسيما في أوساط الشباب والشابات، تحكمها رغبة كبيرة في الإحساس بنبض العالم والتواصل معه، والحراك على ايقاعه ثقافياً وفنياً.

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
وشهد المجتمع السعودي تفاعلات كبيرة مع متغيرات العالم الثقافية، وإن كانت على نحو فردي وخاص؛ سواء من خلال الميديا ووسائط التواصل الاجتماعي، أو من خلال السفر والسياحة. لكن المشروعات الكبرى في مجال التخطيط الثقافي والسياحي للمملكة التي تضمنتها رؤية 2030 سرّعت من الحراك الثقافي؛ عبر هيئة الترفيه التي تم تأسيسها مؤخراً، وتولت تنظيم الكثير من المناسبات الفنية عربياً وعالمياً في أماكن تاريخية كثيرة في المملكة كمنطقة "العلا" حول مدائن صالح، فيما سمي بفعاليات مهرجان "شتاء طنطورة" الذي استضاف نخبة من المغنين والمطربين؛ عربياً وعالمياً.
تطبيع العلاقة مع الحراك الثقافي
وفيما خص تطبيع العلاقة مع الحراك الثقافي ذي الطابع الفني، كالسينما والغناء فإنّ ذيول الحرج محلياً لاتزال منها بقايا كامنة في الوعي العام بسبب أيديولوجيا تأويلية عممتها تصورات تماهت مع الطابع المحافظ للمجتمع السعودي، ما يعني أنّ تنظيم الدولة لتلك المناسبات الفنية والثقافية الجديدة في ظل الانفتاح الذي تشهده المملكة يؤكد حقيقة أنّ الدولة كانت دائماً هي السباقة في قيادة المجتمع إلى خياراتها التي تأخذ بعد فترة طابعها التأثيري على المواطنين.

اقرأ أيضاً: ملامح التجديد الفكري في السعودية
ربما عنى ذلك أنّ وجهيْ خطاب الدولة؛ الخطاب التقليدي السابق الذي تماهى، من قبل، مع خطاب الصحوة (كرد فعل على خطاب متشدد آخر برز منذ العام 1979) والخطاب الجديد الذي كرسه مزاج الانفتاح الكبير على العالم حالياً، يتجادلان حيال الصراع بين القديم والجديد في ظل الوضع الراهن للمملكة.
ولا يخلو خطاب الدولة في ترسيم وتكريس الأشكال المادية للثقافة والفنون المتصلة بها في بلد كالمملكة من الاضطلاع بمهمتين؛ الأولى: توفير بنية تحتية للنشاط الثقافي في مجال إنشاء المسارح ودور السينما  وتأسيس أكاديميات للفنون، والثاني وضع برامج وخطط تستضيف الفعاليات الفنية العربية والعالمية، وتشجع التعبيرات الفنية والغنائية في مجال الفنون محلياً.
التفاعل مع العالم
ويلاحظ بعد سجال عريض حول خصوصية مزعومة للمجتمع السعودي عممتها مرحلة الصحوة أنّ طبيعة التفاعل مع العالم هي خاصية حيوية في كل مجتمع بشري، وأنّ التطبيع مع الحياة العامة ومعالجة الخطأ والصواب في السلوك البشري هو طبيعة الحياة الإنسانية ذاتها وليس أمراً طارئاً عليها أو خارجاً عنها، لذلك ربما كان من الأهمية بمكان اليوم؛ الكف عن جدالات من قبيل: تحريم الغناء أو المسرح أو السينما، لأنها جدالات تجاوزها الزمن السعودي اليوم، بعد أن أدرك المجتمع أنّ تحرير الحياة من سلطة التأويلات الدينية المؤدلجة، يقتضي تجريباً يتصل بالخطأ والصواب في العيش أكثر من أي شيء آخر للتحكم في خيارات الأفراد وحرياتهم.

اقرأ أيضاً: رسالة سعودية إماراتية يمنية إلى مجلس الأمن.. ماذا جاء فيها؟
وحول ضرورة التطبيع مع خطاب الثقافة وتعبيراته في الفنون المعاصرة، يقول  القاص والكاتب الصحافي السعودي ظافر الجبيري لـ"حفريات" إنّ ذلك يعدّ "ضرورة حتمية لإيجاد ثقافة قابلة للانفتاح على العالم والاستفادة من الطاقات الشابة لدى فتيان وفتيات السعودية، ولن يتأتى هذا إلا باستعادة المبادرة من قبل طرفي المعادلة: الدولة بقراراتها، والمجتمع  المتعطّش للفنون؛ ففي هذا المجتمع هناك الشرائح  الاجتماعية الأكبر عدداً، وهم الذين طالما تبرّموا من المنع الممتدّ لعقود طويلة، وكلما تساءلوا عن الأسباب، لا يجدون إلا الخوف من كل جديد والرهاب من الفنون، كالخوف المبالغ فيه حول مسألة قيادة المرأة للسيارة الذي سال حوله حِبْر كثير، وجرتْ نقاشات حادّة وصلت إلى التخوين والرفض والضرب تحت الحزام أحياناً ضد من يجرؤ على طرح الأمر مجرّدا  للنقاش".
 القاص والكاتب الصحافي السعودي ظافر الجبيري

الدولة تقف مع مواطنيها
اليوم، يضيف الجبيري، خفّ التشنج كثيراً في هذا الأمر، وأصبحت المرأة تسوق  سيارتها، واضطر من كان لديه تحفظ أو رفض أو إساءة  لمن اختارت عن وعي وقناعة، إلى قبول الأمر على أنّ الدولة تقف مع مواطنيها رجالاً ونساءً على مسافة واحدة.

الصحافي السعودي ظافر الجبيري : هناك ضرورة حتمية لإيجاد ثقافة قابلة للانفتاح على العالم والاستفادة من الطاقات الشابة

  ويتابع: لقد دعوتُ إلى الاهتمام  الثقافي والسياحي بمدائن صالح الواقعة في محافظة العلا، كان هذا قبل  8 أعوام، وأشرتُ إلى أهمية تجاوز ( المخاوف الدينية) غير المبررة تجاه آثار الأنباط العظيمة في العلا لما فيها من إرث تاريخي وعمراني  وفرص سياحية واعدة، وها هي اليوم بحمد الله قِبلةٌ سياحية وقد تبوأت مكانتها اللائقة عالميًّا."
وفيما خص توجيه الدولة للفنون يؤكد ظافر الجبيري بأنّ عصراً جديداً قد أطلّ لنشر الفنون، بل إنّ هناك سباقاً مع الزمن لنشر ثقافة الحفلات والفعاليات الفنية في طول البلاد وعرضها. وهذا هو الدور المتوقع من الدولة كمرجعية أولى في التنظيم ومعالجة الصورة السلبية التي كادت أنْ تصبح نمطية في النظر إلى أنّ بلادنا تقف ضد الفنون  في صورتها الأبهى، أي تلك  التي تعنى بنشر ثقافة الفرح والجمال دون المساس بالدين والقيم الأخلاقية.
من خلال التجربة الجديدة للإستراتيجية التي ستطلقها وزارة الثقافة، ستكون الفترة القادمة مختبراً حقيقياً للنشاط والتجريب والفعاليات، لاسيما وأنّ نشاط المسرح السعودي الذي تم دعمه من قبل الدولة ممثلةً في هيئة الترفيه، ومن خلال المسرحيات التي تعرضها فرق "مسرح السعودية " المتواصلة في النقل التلفزي، سجل تفاعلاً ملحوظاً من طرف الكثيرين، وكشف عن مواهب تمثيلية مسرحية واعدة.
الجدل مستمر
ويتوقع أن يظل الجدل عن التعبيرات الثقافية في فنون الغناء والمسرح والسينما مستمراً، نظراً لحداثة استئناف خط التحديث، وإعادة ذلك التطبيع حيالها بعد فترة طويلة من انقطاع الخط التعبيري لتلك الفنون، عبر صيرورته التي كانت مضطردة إلى حوالي العام 1979 في المملكة. وهو بطبيعة الحال جدل ستفرضه وجهات نظر مختلفة في تقييمها لتلك الفنون المعاد استئنافها في الحياة الثقافية المعاصرة بالمملكة.

اقرأ أيضاً: السعودية تحتفي بالفنانين العراقيين على طريقتها
ويرجح أن يستمر التكافؤ في التعبير حيال الخيارات المتعارضة في مسألة تطبيع الفنون التعبيرية المتصلة بالثقافة في معناها العام، ما يعني كذلك أنّ هوية الصراع والاختلاف ستكون ذات طبيعة اجتماعية في وجهات النظر المتعارضة تلك، فيما ستكون الدولة، عبر رعايتها الإستراتيجية لقضايا الثقافة في المملكة وملفاتها، قد وضعت الكرة في ملعب المجتمع، إلى جانب تحفيزها الذي سيكون مظلة قوية لإطلاق الطاقات الإبداعية في مناخ حر وقابل للتنافس.
ويمثل استئناف التعبيرات الثقافية في فنون الغناء والسينما والمسرح، وغيرها وفق الإستراتيجية الجديدة لوزارة الثقافة في المملكة تحدياً جديداً، لكنه سيكون، كما يرى معنيون بهذا الشأن، قادراً على إطلاق الكثير من المواهب الشبابية، وتفريغ طاقاتها في مسارات تمتص ذلك الفراغ الذي طالما كان باستمرار لازمة لـ "الطفش" الشبابي في المملكة نتيجة لانعدام دور الترفيه والمسارح والسينما التي أصبحت اليوم مجالاً لتقاليد جديدة آخذة في شق طريقها، وإن ببطء، في أوساط المجتمع السعودي.

الصفحة الرئيسية